All Chapters of لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ: Chapter 11 - Chapter 20

23 Chapters

الفصل 11

وفي سلة المهملات ظهرت بوضوح عدة رسائل مرسلة من شركاء العمل، وكان توقيتها تحديدًا في تلك الساعات من الليلة الماضية حين لم يُتح لفراس أن ينظر إلى هاتفه.ومن لمست هاتفه الليلة الماضية لم تكن سوى شخص واحد فقط… لُجين.اشتعل الغضب في صدره. فهي لا تفهم شيئًا في العمل، ومع ذلك حذفت رسائل عمله من تلقاء نفسها. وضياع هذه الصفقة وحده كفيل بأن يحرم الشركة ما لا يقل عن عشرة في المئة من أرباحها!ثم إن هذا الاجتماع كان بالغ الأهمية، فكيف لم تخبره ليانة بالأمر؟ في السابق، حتى لو أُرسلت الرسالة بالبريد مرة واحدة، كانت ليانة ترتب كل شيء صباحًا بنفسها. ولو لم تكن هذه المرة قد تصرفت بدلال طفولي وامتنعت عن أداء واجبها، فكيف كان يمكن أن تضيع الشراكة بهذه السهولة؟اتصل برقم ليانة، يريد أن يوبخها ويسألها عما حدث، لكن أحدًا لم يجب.ومهما كرر الاتصال، لم يسمع سوى ذلك الصوت الإلكتروني البارد نفسه.وفي تلك اللحظة، تسلل إلى قلبه قلق مباغت. كأن شيئًا ما خطف روحه، فعاد يفتح سلة المهملات مرة أخرى، وهناك وجد بوضوح الرسالة التي أرسلتها ليانة إليه في الليلة الماضية.ضغط على استعادة، فظهرت الرسالة أمامه، كأنها شوكة انغرست
Read more

الفصل 12

ما إن وصل فراس إلى الشركة حتى أحاطت به السكرتيرات من كل جانب."السيد فراس، لقد حضرت أخيرًا. هذا تقرير الأرباح والخسائر خلال الفترة الماضية.""وهؤلاء هم الشركاء الذين ينوون إلغاء التعاون معنا، والوضع معهم بالغ الخطورة.""وهذا أيضًا تقرير عن حركة الموظفين في الشركة خلال هذه الأيام، فهناك دفعة من الموظفين المخضرمين يناقشون مسألة الاستقالة."انعقد حاجبا فراس بشدة. لم يغِب عن الشركة إلا فترة قصيرة، فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟أخذ تلك الملفات، وما إن أخذ يطالعها حتى ضاق صدره، فألقى بها على الأرض بعنف."ماذا كنتم تفعلن بالضبط؟ أغيب بضعة أيام فقط، فتتكبد الشركة كل هذه الخسائر؟! أما كان في وسعكن أن تؤجلن أولئك الشركاء أو تستبقينهم حتى أعود؟"دوّى صوت سقوط الملف في المكتب، فلم تجرؤ أي واحدة منهن على الكلام. وبعد صمت طويل، قالت إحداهن بصوت خافت:"هذه الأمور كلها كانت السكرتيرة ليانة تتولى التعامل معها عادة، يا سيد فراس.""إذًا فلتأتِ ليا…" كاد يناديها من فوره، قبل أن يتذكر أن ليانة قد تركت العمل منذ وقت طويل. وازدادت ملامحه قتامة، ثم ردّ بلهجة باردة:"ما كانت ليانة قادرة على فعله، ألا تستطعن أ
Read more

الفصل 13

"فراس…؟"وكأنها لا تصدق ما تراه أمامها، نادت لُجين مرة أخرى.لكن تعبير وجه فراس لم يتغير، فاجتاحها شعور مفاجئ بالارتباك، قبل أن يقول لها ببرود:"لماذا فعلتِ هذا؟"لم تفهم في البداية ما الذي يعنيه."عمّ تتحدث يا فراس؟"لكن في اللحظة التالية انفجر كأنه فقد صوابه."أنا أسألك: لماذا فعلتِ هذا؟ لماذا لفقتِ التهم لليانة؟"ورغم أنها ارتعبت من نبرة صوته، فإنها ما إن سمعت اسم تلك السكرتيرة حتى ازدادت حيرتها."إنها مجرد سكرتيرة، فما الذي يستحق كل هذا؟ لماذا أنت غاضب إلى هذه الدرجة يا فراس؟ ألست أنت من قال بنفسك إنها مجرد سكرتيرة؟"قالت ذلك بكل ثقة وكأنها على حق، فإذا بشيء في داخله ينهار فجأة.نعم، هو نفسه من دفع ليانة إلى الرحيل، فلماذا يغضب الآن إلى هذا الحد؟اقتربت لُجين منه محاولة احتضانه."لا تغضب يا فراس، هيا نذهب لنتناول الغداء."لكن صوتها المتدلل، الذي كان يلين له دائمًا، لم يعد يفعل فيه إلا أن يزيد ضيقه اختناقًا. كان لا يرى أمامه إلا وجه ليانة وهي تبتلع الظلم مرة بعد مرة، بينما هو يختار في كل مرة أن يؤذيها بدلًا من أن يصدقها.كم كان قلبها يتألم في تلك اللحظات؟كلما فكر أكثر، ازداد شعوره
Read more

الفصل 14

لكن الذي دخل لم يكن الشخص الذي يشتاق إليه بكل كيانه، بل كانت لُجين.وكان واضحًا أنها سمعت الاسم الذي انفلت من شفتيه قبل قليل، لم تكن تفهم أصلًا كيف يمكن لسكرتيرة لا أكثر أن تقف في وجهها بهذه الطريقة، أو أن تبقى سببًا في اضطرابها كل مرة.نظرت إلى خيبة الأمل الظاهرة على وجه فراس، ولم تحتمل هذا التبدل الذي رأته فيه."لماذا تعود ليانة مرة أخرى؟ فراس، هل يعقل أنك حقًا تحبها؟" سألته بحدة.لكن فراس لم يجب. فمنذ أدرك أن الداخل ليس ليانة، لم يعد ذهنه حاضرًا هنا أصلًا.وكان هذا الصمت بالذات هو ما أشعل لُجين أكثر، فامتلأت عيناها بالدموع، وصاحت بانفعال يكاد يكون هستيريًا:"إنها مجرد سكرتيرة! مجرد امرأة حقيرة! منذ اليوم الأول لعودتي وأنا أعرف أن نيتها تجاهك ليست بريئة. ومن الأفضل أصلًا أنها رحلت! فراس، ألم تقل إنك لا تحب سواي؟ إذًا ما معنى هذا الآن؟ هل وقعت في حبها؟"وأمام هذا السيل المتواصل من الأسئلة والاتهامات، ازداد ما في قلب فراس من فوضى، ولم يخرج منه سوى الصمت.لكن لُجين، التي اعتادت أن تُحاط بالدلال من كل جانب، كانت كلما شعرت بأنها مُهمَلة ازداد حقدها على ليانة. فاندفعت ترمي ما على المكتب بع
Read more

الفصل 15

كانت نظرة الرجل باردة إلى أقصى حد. فإن كان قد بقي في قلبه قبل لحظات شيء يسير من التردد أو الشفقة نحوها، فإن ذلك كله اختفى الآن من دون أثر.لم يعد يشعر تجاهها إلا بالنفور. بل وبالاشمئزاز من نفسه أيضًا، كيف فعل من أجلها كل ذلك؟ وكيف ظل يؤذي ليانة مرة بعد مرة؟اشتدت أصابع فراس حتى ابيضت من شدة القبض، وكانت ملامحه مشبعة بصقيع جعل لُجين ترتجف خوفًا. لم ترَ فراس بهذا الشكل من قبل. فهو، طوال الوقت، كان لطيفًا معها، يستجيب لكل ما تطلبه، ويغمرها بما تشاء، كل هذا بسبب ليانة، تلك المرأة!امتلأت عينا لُجين بحقد مرير، حتى بدا وكأنها تريد تمزيق ليانة تمزيقًا، ورأى فراس ذلك بوضوح.ولم يزد الأمر إلا حسرة في قلبه. فهو لم يكره أحدًا في تلك اللحظة بقدر ما كره نفسه، لأنه لم يرَ حقيقتها إلا الآن، بعدما سمح بأن تُظلم ليانة كل ذلك الظلم من غير ذنب.ابتسم ابتسامة باردة، جعلت الرعدة تسري في الأجساد."الآن حان الوقت كي يُردّ كل شيء إلى ليانة."قالها، ثم أمسك بها وجرّها إلى الخارج. وكان الغضب بادياً عليه إلى درجة أفزعت لُجين تمامًا، فلم تعد تفكر في كبريائها ولا كرامتها، بل أخذت تتخبط وتحاول التملص، لكن بلا جدوى.
Read more

الفصل 16

وصل فراس إلى الشركة مع بداية الدوام، وكان الموظفون يروحون ويجيئون، فيما كانت أنظارهم تتجه بين الحين والآخر إلى جهة معينة في المكتب، بنظرات مشوبة بالأسى والتأمل.كانت لُجين في حال مزرية، بشعر أشعث ووجه شاحب مغبر. وقد أمضت الليل كله بلا نوم، بينما كان الحراس يجبرونها بقوة على البقاء راكعة على الأرض. وكان جسدها قد بلغ حد الانهيار، وكادت تفقد وعيها، لكن أكثر ما لم تعد تحتمله كان نظرات الناس وهم يمرون بها ذهابًا وإيابًا.فهي التي كانت قبل وقت قصير تتباهى وتتبختر، ها هي الآن تُذل أمام الجميع. وفي قلبها، لم يعد هناك إلا حقد أعمى على ليانة. فصاحت بجنون:"ليانة! كل هذا بسببكِ، أيتها الحقيرة! أنتِ السبب! لولاكِ لما عاملني فراس بهذه الطريقة!""لماذا لا تموتين؟ موتكِ هو الأفضل! كيف تجرأتِ على إغواء فراس؟ أنتِ مجرد امرأة حقيرة!"وكانت تصرخ بلا توقف، فسمع الجميع شتائمها. لكن الزمن لم يعد كما كان. فبعد أن سقطت عن عرشها، لم تعد هذه التصرفات تجلب لها إلا اشمئزاز الناس وازدراءهم.وبدأت بعض الزميلات اللواتي كن قريبات من ليانة يرددن عليها بغضب:"كيف تجرئين على قول هذا عن السكرتيرة ليانة؟ لقد أمضت أربع سنو
Read more

الفصل 17

أما لُجين، وقد تُركت وانهار كل شيء من حولها، فلم تعد تبالي بشيء. كان حالها كحال من لم يعد لديه ما يخسره، فأخذت تكشف كل ما تعرفه وهي تضحك بسخرية لاذعة."أتدري ماذا وجدت في سيارتك؟ جوربًا نسائيًا يخص ليانة! لا بد أنكما فعلتما في السيارة أشياء كثيرة، أليس كذلك؟ ليانة كانت غبية فعلًا، أربع سنوات كاملة، وهي ترضى عن طيب خاطر أن تكون عشيقتك السرية!""فراس، أنت من لم يصدق كلامها، وأنت من رأيتها تُذل وتُعذب، ثم اخترتني أنا في النهاية. وتقول الآن إنني أنا من أجبر ليانة على الرحيل؟ لا، من فعل ذلك هو أنت!"ومع كل كلمة كانت تنطق بها، كان وجه فراس يزداد ظلمة، وكانت قبضتاه تشتدان أكثر."يبدو أنك ما زلتِ لا تدركين خطأك."وأشار إلى الحراس، فأعادوا الإمساك بها وسحبوها بعيدًا، ولم يبقَ خلفهم سوى صرخاتها.وحين عاد إلى الفيلا، أمر الحراس بحبسها في القبو. ثم أجبرها أن تمر بما كانت قد لفقته لليانة من قبل، لكن هذه المرة كانت هي من تتلقى العذاب بنفسها.أُجبرت على حمل أوعية تغلي من السخونة حتى احمرت يداها وامتلأتا بالبثور. وأُجبرت على الركوع لساعات طويلة، بل لأيام كاملة أحيانًا، وحتى إذا أغمي عليها ثم أفاقت، كا
Read more

الفصل 18

أرسلت جمانة رسالة إلى ليانة، لكن فارق التوقيت بين الداخل والخارج كان عدة ساعات.وحاولت أن تقنعه بأن يعود أولًا، وأكدت له أنها ستخبره فورًا ما إن يصلها رد منها، لكن فراس رفض أن يغادر مهما قيل له.ظل في منزل أخته بإصرار، ينام على الأريكة، وما إن يسمع أي حركة بسيطة حتى يستيقظ، على أمل أن تكون قد وصلت أخبار من ليانة.ولم يصل الرد إلا في مساء اليوم التالي."حسنًا، سأقابله مرة واحدة."كانت كلمات قليلة جدًا، لكنها وحدها منحت فراس بصيص أمل جديد. ليانة ما تزال مستعدة لأن تراه! وهذا يعني أن الباب بينهما لم يُغلق تمامًا بعد!وقد اشتعل في صدره أمل لا يكاد يُحتمل، فسارع في الحال إلى حجز أقرب رحلة جوية.لكن جمانة أمسكت به، وعقدت حاجبيها اعتراضًا:"أخي، ارتح يومًا واحدًا أولًا ثم اذهب. يبدو أنك لم تنم جيدًا منذ أيام، أليس كذلك؟ ما دامت ليانة قد قالت إنها ستراك، فهي لن تخلف وعدها."لكن فراس أفلت يده من يدها."لم أعد أستطيع الانتظار. منذ أن رحلت ليانة عني، وأنا لا أكف عن التفكير فيها ليلًا ونهارًا. الآن لا أريد إلا أن أراها." كان في صوته، وفي عينيه، من الرقة ما جعل جمانة تنظر إليه بحيرة لا تخلو من مرار
Read more

الفصل 19

كان المكان الذي اتفقا على اللقاء فيه مقهًى صغيرًا. وحين دفع فراس الباب، رن جرس معلق فوقه رنة خفيفة. دخل إلى الداخل، وما إن رفع عينيه حتى رآها ليانة، كانت تجلس في زاوية هادئة من المكان.لم يمضِ على آخر مرة رآها فيها سوى شهر واحد، لكنه في شعوره كان أشبه بعام كامل من العذاب. حتى إنه، في اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها أخيرًا، انتابه إحساس غريب بالدوار وعدم التصديق.لقد تغيرت كثيرًا.حين كانت إلى جانبه، وبحكم كونها سكرتيرته، كانت غالبًا لا ترتدي إلا الملابس الرسمية، وحتى بعد انتهاء الدوام، ورغم ما كان يحدث بينهما من لحظات خاصة في المنزل، ظلت ليانة في نظره دائمًا امرأة رزينة ومتماسكة.أما الآن، فقد كانت ترتدي ملابس بسيطة ومريحة، وشعرها مرفوع يكشف عن عنق أبيض ناعم. وبمشهدها هذا، شعر وكأنه عاد إلى البداية، إلى تلك الأيام الأولى، حين كانت فتاة خجولة تحبه في صمت.توقف لثوانٍ قبل أن يقترب منها. ثم قال مبتسمًا:"ليانة، لم أركِ منذ وقت طويل."وكان يقاوم بكل ما فيه رغبة جامحة في أن يضمها إلى صدره فورًا، بينما عيناه تتشبثان بملامحها بشغف لا يخفيه.لكنها لم تكن في مزاج يسمح بأي حديث عن الذكريات. ار
Read more

الفصل 20

ظل فراس جالسًا في المقهى على تلك الحال، حتى أُغلقت الأبواب واضطر إلى المغادرة.لم يكن يعرف ماذا يفعل. كان الألم يملأ داخله إلى حد يكاد يخنقه، وكلما ازداد هذا الألم، ازداد يقينه بمدى أهمية ليانة في حياته، وأنه فقدها هكذا بيديه.لو أن لُجين لم تعد…لو أنه أدرك حبه لليانة قبل ذلك بقليل…لو أنه لم يخذلها…مرت في ذهنه احتمالات لا حصر لها، لكن لم يعد هناك طريق للعودة.راح يتسكع في شوارع المدينة الغريبة عليه، تائهًا. وفجأة شق البرق السماء، ثم انهمر المطر بغزارة. أسرع المارة إلى بيوتهم ومداخل الأبنية اتقاءً للمطر، أما فراس فلم يكن يعرف إلى أين يذهب.ظل يمشي تحت المطر وهو يردد اسم ليانة، حتى ابتل جسده كله.وفجأة، رن هاتفه. تناوله بسرعة ولهفة، لكنها كانت رسالة من جمانة."أخي، عد."نظر إلى الجملة القصيرة، وشعر فجأة بعجز هائل. كيف وصلت الأمور بينه وبين ليانة إلى هذا المصير؟وفي قلب العاصفة، خرّ على ركبتيه، يبكي ويصرخ، لكن صوت المطر كان أعلى من كل شيء، حتى من وجعه.سار مترنحًا حتى بلغ البناية التي تقيم فيها ليانة. كان الباب الخارجي مغلقًا، ولم يجرؤ على طرقه، فاكتفى بأن ينكمش عند المدخل. هناك، عند ب
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status