Short
لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ

لم تأتِ بك الريحُ ولا المطرُ

By:  سمكةCompleted
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
23Chapters
1.1Kviews
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

"آنسة ليانة، لقد وافق السيد فراس العزّام بالفعل على إجراءات استقالتك، لكنه لم ينتبه إلى أن الموظفة المستقيلة هي أنتِ. هل تريدين أن أنبّهه إلى ذلك؟" ما إن سمعت ليانة ما جاءها عبر الهاتف حتى أطرقت ببطء وقالت: "لا، لا داعي. فليكن الأمر كما هو." "لكنّك أمضيتِ أربع سنوات إلى جانب السيد فراس سكرتيرةً له، وكنتِ دائمًا الأكثر إرضاءً له، والأشدّ أهميةً في عمله. أحقًّا لا تريدين إعادة النظر في قرار الاستقالة؟" ظلت موظفة الموارد البشرية تحاول إقناعها بإلحاح صادق، غير أنّ ليانة الصيفي لم تفعل سوى أن ابتسمت ابتسامة خفيفة.

View More

Chapter 1

الفصل 1

"في هذه الدنيا، لا أحد يعجز عن العيش من دون غيره. والداي ليسا في أفضل حال صحيًا، وأنا منشغلة أصلًا بالعودة إلى بلدتي لترتيب زواج تقليدي. وما دام السيد فراس قد وافق على الطلب، فسأسلّم العمل وفق الإجراءات المتبعة، وبعد شهر سأغادر. أشكركم على تعبكم."

بعد أن أنهت المكالمة، عادت ليانة إلى ترتيب ما يخصها من أغراض.

كانت قد عاشت في هذه الفيلا ثلاث سنوات. لم تكن أغراضها قليلة، ولا كثيرة، لكنها لم تحتفظ إلا بما هو ضروري، أما الباقي فألقت به كله.

وحين رأت الغرفة تفرغ شيئًا فشيئًا، شردت للحظة، واندفعت الذكريات إلى ذهنها دفعة واحدة.

قبل ثمانية أعوام، كانت ليانة الصيفي فتاة من بلدة صغيرة، تنتمي إلى عائلة بسيطة. وبعد أن التحقت بجامعة الهلال، أصبحت صديقة مقربة جدًا من جُمانة العزّام، ابنة إحدى العائلات الثرية النافذة في إقليم الشمال.

ورغم الفارق الشاسع بين بيئتيهما، فقد انسجمتا على نحو لافت. كانتا تحضران الدروس معًا، وتأكلان معًا، وتتجولان معًا، ولا تكادان تفترقان يومًا واحدًا.

ومع مرور الوقت، أخذتها جمانة إلى دائرتها الاجتماعية، فعرفت ليانة أهلها، وهناك وقعت في حب أخيها، فراس العزّام.

لكنها أخفت هذا الشعور في أعماق قلبها، ولم تصارح به أحدًا.

وبعد التخرج، سافرت جمانة إلى الخارج لإكمال دراستها.

أما ليانة، فبقيت في مدينة الهلال، وأخذت تتقدّم إلى الوظائف هناك، حتى أصبحت سكرتيرته، فقط لكي تراه كثيرًا.

إلى أن وقع ذلك الحادث، حين دسّ له أحدهم عقارًا مثيرًا للشهوة.

وكانت ليانة على وشك الاتصال بالمستشفى، لكنه، وقد فقد السيطرة على نفسه، دفعها إلى الجدار، وانهمرت عليها قبلات جارفة لا فكاك منها.

وبعد ليلة اختلط فيها الارتباك بالشغف، استيقظت لتراه جالسًا أمام النافذة. كان وجهه المحدد الملامح غارقًا في ضباب الدخان، ثابتًا ووحيدًا في آن واحد.

وحين سمع حركتها، استدار إليها، ولم يسأل سوى سؤال واحد:

"أنتِ تحبينني؟"

همّت ليانة بأن تنكر، لكنه واصل بملامح هادئة:

"في كل مرة ترينني فيها تحمر وجنتاك، وتحفظين كل ما أحب وما أكره، وما إن تخرجتِ حتى جئتِ لتصبحي سكرتيرتي…"

"لا تقولي لي إن كل هذا مجرد مصادفة."

كان ينطق كلماته ببطء شديد، كلمة كلمة، حتى احمر وجهها تمامًا، ولم تدرِ أكان ذلك من الخجل أم من الانكشاف.

وفي ذلك الصمت الثقيل، مدّ إليها فجأة بطاقة مصرفية.

"ما حدث الليلة الماضية كان مجرد حادث. أنا أحب امرأة أخرى، ولن أبادل مشاعرك، ولا أستطيع أن أتحمل تجاهك أي مسؤولية. سمعت من جمانة أن عائلتك متواضعة الحال، والمال الموجود في هذه البطاقة يكفيك لتعيشي بقية عمرك من دون قلق. انسي كل ما جرى."

وقفت ليانة مبهوتة، ثم تذكرت فجأة أنه، في الليلة الماضية، كان يردد اسمًا واحدًا على الفراش.

لُجين الخطيب… لُجين.

ومن حديث جمانة، كانت لُجين هي الحب الأول الذي عجز فراس عن نسيانه طوال حياته.

كان يحبها إلى درجة أنه، حتى بعد أن انفصلا وسافرت إلى الخارج، ورغم ما كان يحيط بها هناك من شائعات وعلاقات عاطفية، ظل مصرًا على انتظار عودتها.

وتذكرت ليانة يومًا أن جمانة قالت، وهي تتذمر ساخرة:

"نحن، آل عزّام، معروفون ببرودنا وقلة اندفاعنا، فكيف خرج من بيننا أخي هذا عاشقًا حتى النخاع؟ كل هذه السنين وهو ينتظرها، ثم يقول بكل وضوح إن غيرها مجرد تسوية، وهو لا يريد أن يعيش على التسوية."

كانت ليانة تفهم هذه الكلمات أكثر مما ينبغي. ولهذا، حين تذكرتها في تلك اللحظة، استجمعت شجاعتها فجأة، ونادت فراس وهو في طريقه إلى الخارج.

"أنا لا أريد المال، أريد فقط أن تمنحني فرصة. السيد فراس، أرجوك، جرب أن تكون معي. وإن لم تعد هي، أو… حتى لو عادت، لكنك لم تستطع أن تنساها، ففي ذلك اليوم سأنسحب من تلقاء نفسي."

نظر إلى عينيها الممتلئتين حبًا، وبقي صامتًا لثوانٍ، ثم ترك لها جملة واحدة قبل أن يغادر:

"كما تشائين."

ومنذ ذلك اليوم، كانت ليانة نهارًا سكرتيرته، وليلا شريكته في الفراش.

المكتب، وسيارة المايباخ، والنوافذ الزجاجية الممتدة في الفيلا، كلها شهدت على آثار كثيرة من تلك العلاقة المنفلتة.

ومضت أربع سنوات، ولم يكن أحد يعلم بوجود هذه العلاقة بينهما، وكانت هي أيضًا تتقبّلها عن طيب خاطر.

حتى قبل بضعة أيام، يوم عيد ميلاده. كانت ليانة قد أعدّت له كثيرًا من المفاجآت، وأرادت أن تحتفل به.

لكنها، حتى ما بعد منتصف الليل، لم تنتظر حضوره، بل وصلتها منشور على إنستغرام.

"أفضل هدية في عيد الميلاد أن يعود إليك ما فقدته."

فراس، الذي لم يكن ينشر شيئًا قط على إنستغرام، نشر صورة له وهو يقبّل لُجين تحت سماء تمتلئ بالألعاب النارية.

وما إن رأت الصورة حتى انحسر الدم عن وجه ليانة، وانقبض قلبها دفعة واحدة.

وبرغم كل شيء، تمسكت بأمل أخير، فاتصلت به.

لكن التي أجابت كانت لُجين. وبعد أن كررت "ألو" عدة مرات من دون أن تسمع ردًا، بدأت تناديه:

"فراس، من هذه التي اسمها ليانة؟ تتصل بك ولا تقول شيئًا."

وبعد لحظات، وصل صوت فراس إلى أذن ليانة عبر مكبر الهاتف، منخفضًا وخافتًا:

"إنها مجرد فتاة لا أهمية لها، فلا تشغلي بالك بها. هيا، عودي إلى النوم قليلًا."

في تلك اللحظة، أدركت ليانة أن وقت انسحابها قد حان.

جمعت أغراضها وهمّت بالمغادرة، لكنها صادفته عند الباب.

في السابق، وبحكم أنهما كانا يتشاركان الفراش كل يوم تقريبًا، كانت تقيم في فيلته تسهيلا للأمر. أما الآن، فلم يعد لها أن تبقى هنا.

وحين رآها تحمل أغراضها، تضبب نظره قليلًا، لكنه لم يحاول الاحتفاظ بها، وسأل فقط: "هل وجدتِ سكنًا؟"

"نعم. الشقة التي كنت أستأجرها سابقًا. اتفقت مع صاحبها على استئجارها لشهر واحد."

فلما سمع ذلك، عقد حاجبيه قليلًا وقال: "شهر واحد؟ لماذا؟"

كانت ليانة على وشك أن تشرح، لكنه بدا غير مهتم فعلًا، وقال بصوت منخفض: "سأوصلك."

أرادت أن ترفض، لكنه أصر.

"الثلج يتساقط بغزارة، والوقت متأخر أيضًا. لو حدث لك شيء، فسوف تحزن جمانة."

ولم يكن أمام ليانة إلا أن تصعد إلى السيارة.

كانت هذه السيارة نفسها قد شهدت بينهما لحظات كثيرة جامحة، لكنها الآن كادت لا تعرفها.

فقد امتلأت بدمى لطيفة، واستبدلت أغطية المقاعد بأخرى تحمل هالو كيتي، وتناثرت فيها أنواع من الوجبات الخفيفة والحلوى في كل مكان…

وكان من الصعب على ليانة أن تتخيل أن رجلًا مثله، حاسمًا، بارد الطبع، شديد التحفظ، يمكن أن يحول سيارته إلى هذا الشكل.

ولعله انتبه إلى نظراتها، فقال جملة واحدة:

"لُجين تحب هذه الأشياء."

فهمت ليانة ما يرمي إليه، وظلت صامتة طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:

"لقد عادت إليك أخيرًا. أنا حقًا سعيدة لأجلك، السيد فراس."

لم يتوقع منها هذا الكلام. غامت عيناه قليلًا، لكنه لم يقل شيئًا.

وفي منتصف الطريق، اتصلت به لُجين، وقالت إنها تريد أن تبني معه رجلًا من الثلج.

فأوقف السيارة على جانب الطريق. كان يريد أن يذهب إليها في الحال، لكنه تردد حين نظر إلى من تجلس بجانبه.

أما ليانة، فقد فهمت تمامًا ما كان يتردد حياله، ففتحت باب السيارة من تلقاء نفسها.

"السيد فراس، سأعود بسيارة أجرة."

همهم موافقًا، ونزل ليساعدها في إنزال أغراضها.

لكن يدها انزلقت، فسقط الصندوق على الأرض. انحنى ليلتقطه، وتحت ضوء المصباح رأى الأشياء المبعثرة أمامه، فتجمد جسده لوهلة.

رسائل حب تحمل اسمه، ولم تُسلَّم إليه يومًا. صور التقطتها له خلسة. وأشياء رماها بإهمال، لكنها التقطتها واحتفظت بها كما لو كانت كنوزًا…

قفز قلب ليانة بعنف، وراحت تجمع الأغراض على عجل.

"آسفة."

لم يقل فراس شيئًا. صعد إلى السيارة وحده، وانطلق بها مسرعًا.

وبقيت ليانة وحدها في الثلج تنتظر طويلًا، لكنها لم تستطع إيقاف أي سيارة أجرة.

وفكرت في أن تحمل الصندوق وتمشي به إلى البيت، لكن دراجة كهربائية صدمتها وأسقطتها أرضًا.

وانشق في ساقها جرح تجاوز طوله عشرين سنتيمترًا، وسال الدم على الأرض بغزارة.

كانت تنظر إلى الدراجة التي صدمتها وفرّت هاربة، وتتأوه من شدة الألم، وقد بقيت مطروحة على الثلج وقتًا طويلا عاجزة عن التقاط أنفاسها.

وبعد أن خف الألم قليلا، أخذت تشق طريقها وسط الثلج وهي تعرج، ومشت أربع ساعات كاملة حتى وصلت أخيرًا إلى الشقة المستأجرة.

وبعد أن عالجت جرحها، فتحت هاتفها، فوجدت أن فراس أرسل إليها رسالة بعد مغادرته.

[لا تتعلقي بأحد إلى هذا الحد بعد اليوم. الرجال كثيرون، فلا تربطي عمرك بي وحدي.]

ظلت ليانة تحدق في الرسالة طويلًا… طويلًا جدًا.

وحين طلع الصباح، أوقدت نارًا أسفل المبنى، وأحرقت ذلك الصندوق بما فيه كله.

وفي تلك النار نفسها، تحولت المشاعر التي اشتعلت في داخلها ثمانية أعوام بلا انطفاء إلى رماد.

فراس، سأفعل كما تريد.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
23 Chapters
الفصل 1
"في هذه الدنيا، لا أحد يعجز عن العيش من دون غيره. والداي ليسا في أفضل حال صحيًا، وأنا منشغلة أصلًا بالعودة إلى بلدتي لترتيب زواج تقليدي. وما دام السيد فراس قد وافق على الطلب، فسأسلّم العمل وفق الإجراءات المتبعة، وبعد شهر سأغادر. أشكركم على تعبكم."بعد أن أنهت المكالمة، عادت ليانة إلى ترتيب ما يخصها من أغراض.كانت قد عاشت في هذه الفيلا ثلاث سنوات. لم تكن أغراضها قليلة، ولا كثيرة، لكنها لم تحتفظ إلا بما هو ضروري، أما الباقي فألقت به كله.وحين رأت الغرفة تفرغ شيئًا فشيئًا، شردت للحظة، واندفعت الذكريات إلى ذهنها دفعة واحدة.قبل ثمانية أعوام، كانت ليانة الصيفي فتاة من بلدة صغيرة، تنتمي إلى عائلة بسيطة. وبعد أن التحقت بجامعة الهلال، أصبحت صديقة مقربة جدًا من جُمانة العزّام، ابنة إحدى العائلات الثرية النافذة في إقليم الشمال.ورغم الفارق الشاسع بين بيئتيهما، فقد انسجمتا على نحو لافت. كانتا تحضران الدروس معًا، وتأكلان معًا، وتتجولان معًا، ولا تكادان تفترقان يومًا واحدًا.ومع مرور الوقت، أخذتها جمانة إلى دائرتها الاجتماعية، فعرفت ليانة أهلها، وهناك وقعت في حب أخيها، فراس العزّام.لكنها أخفت هذا
Read more
الفصل 2
بعد يومي الراحة في عطلة نهاية الأسبوع، ذهبت ليانة إلى الشركة صباح الاثنين في موعدها المعتاد.ومضت، كما في كل يوم، تنجز ما بين يديها من أعمال، ثم أبلغت فراس بأن موعد الاجتماع قد حان.وحين وصلت إلى المكتب، لمحت لُجين من خلال الباب الموارب.كانت جالسة في حضنه، وتطعمه من قطعة بسكويت أكلت نصفها.أما ذلك الرجل المعروف بشدة حرصه على النظافة، فقد تناولها مبتسمًا، ثم طبع قبلة حميمة على أطراف أصابعها، وقال لها بصوت تغمره الرقة:"أمس ظللتِ تقولين إنك تشتهين حلوى هذا المحل، لذلك وقفت هذا الصباح في الطابور ثلاث ساعات كاملة لأشتريها لك. كيف طعمها؟""لذيذة جدًا، مثل السابق تمامًا… حلوة من دون أن تكون ثقيلة. في الماضي كنت تذهب من مكان بعيد لتشتريها لي كل بضعة أيام، أما الآن فأنت رئيس مجموعة، فكيف ما زلت تذهب بنفسك؟ كان يكفي أن تطلب من إحدى السكرتيرات إحضارها."وكان فراس يدلك كاحلها برفق، فيما يكاد الدلال يفيض من عينيه. "كل ما يتعلق بك، أحب أن أفعله بنفسي. لا أريد أن أوكله إلى أحد."ارتسمت على وجه لُجين مسحة حلوة من السعادة، فلفّت ذراعيها حول عنقه، وبادرته بقبلة.فبادلها العناق، وعمّق القبلة، غارقًا في
Read more
الفصل 3
وهي تنظر إلى ظهره وهو يبتعد شيئًا فشيئًا، انهمرت أخيرًا الدموع التي حبستها ليانة طويلًا.وتماسكت بصعوبة، ثم نهضت على ألمها، وأحضرت المكنسة والممسحة لتزيل هذا الكم من الأكواب المحطمة والقهوة المسكوبة على الأرض.وجاء بعض الزملاء الطيبين لمساعدتها، وكانت نظرات الشفقة بادية في أعينهم.قالت إحداهن: "لقد سمعتها بنفسي تقول: مثلج ومن دون سكر. كيف قلبت الحقيقة بهذا الشكل؟ ليانة، هل أسأتِ إليها في شيء؟"وقالت أخرى: "وهل تحتاج أصلًا إلى سبب؟ سمعت كثيرين يقولون إنها هكذا دائمًا: متعجرفة ومتسلطة، وما إن يفسد مزاجها قليلا حتى تنفجر في وجه من أمامها. كثيرون في دائرتهم لا يطيقونها، لكن بما أن السيد فراس يدللها، فلا أحد يجرؤ على استفزازها.""آه… لم أرَ السيد فراس يومًا يحب أحدًا بهذا الشكل. ليانة، كوني أكثر حذرًا من الآن فصاعدًا. نحن مجرد أناس عاديين، ولا يمكننا أن نقارن أنفسنا بهؤلاء الفتيات المدللات من العائلات الثرية. وهي فوق هذا كله تستند إلى السيد فراس. حتى لو تعرضتِ للظلم فعلا، فلن ينتهي بك الأمر إلا وأنتِ من تتحملين كل الإهانة."كانت ليانة تعرف أنهن يقلن هذا من باب حسن النية.لكن، وهي تسمع تلك ا
Read more
الفصل 4
وقفت ليانة على مسافة غير بعيدة، تستمع إلى كل ذلك بصمت، من دون أن تنبس بكلمة.ثم تقدمت لُجين نحوها مزهوة بنفسها، تنظر إليها بكل ازدراء."أحسنتِ تنظيم الحفل، لكن فيه مشكلة صغيرة. لا توجد سجادة في القاعة، ولذلك اتسخ طرف فستاني. ولتعوضي هذا التقصير، أمسكي بذيل فستاني وارفعيه عن الأرض."أخفضت ليانة رأسها، وقالت بنبرة هادئة لا خضوع فيها ولا تحدٍّ:"لحظة من فضلكِ، لا تزال هناك سجادة في الخلف، سأطلب من أحدهم أن يفرشها حالًا."وما إن رأت لُجين أنها لا تزال تجرؤ على الرفض حتى أظلم وجهها على الفور.وفي تلك اللحظة دخل فراس، ولمّا لاحظ ضيقها أسرع إليها."ما الأمر؟""فراس، لا أريد أن يتسخ فستاني، فطلبت من سكرتيرتك أن تمسك ذيله، لكنها رفضت. أهي ما تزال تحمل في نفسها شيئًا بسبب ما حدث في المرة الماضية؟"وحين رأى تلك الملامح المظلومة على وجهها، ضمها فراس إلى صدره فورًا، ثم رفع عينيه إلى ليانة بنظرة باردة."إنه مجرد حمل لفستان، وهذا من صميم عملك أصلا. لستِ جديدة في عمل السكرتارية، أتعجزين حتى عن معالجة أمر بسيط كهذا؟"وفي الجوار، بدأت الهمسات تنهال بنبرات ساخرة ملؤها التهكم."سكرتيرة وتجرؤ على إظهار الا
Read more
الفصل 5
كانت مجرد جملة عابرة في ظاهرها، لكنها انغرست في صدر ليانة كحد نصل حاد، تمزق لحم القلب تمزيقًا.ذلك القلب المثقل بالشقوق والجراح بدا وكأنه يُنتزع من مكانه، حتى صار الألم فوق ما يُحتمل.كان رأسها يطن طنينًا متواصلًا، ولم يبقَ في عينيها سوى خدرٍ أجوف وفراغ بارد.ولم تدرِ متى غادر الجميع القاعة، حتى لم يبقَ فيها سواها، وسوى الأضواء الحادة التي كشفت آثار الجراح على جسدها بلا رحمة.تحاملت على نفسها ونهضت بصعوبة، ثم التقطت معطفًا كان أحد الندل قد تركه قربها بحسن نية، ولفته حول جسدها، وغادرت المكان مترنحة الخطى.وفي الخارج، كانت السماء تمطر بغزارة. لكنها دخلت المطر وكأنها لا تشعر بشيء.كانت قطرات المطر الباردة ترتطم بوجهها، ثم تنساب عليه واحدة تلو الأخرى، فتشبه الدموع إلى حد موجع.إلا أنها لم تعد قادرة على ذرف دمعة واحدة.لم تكن تعرف إلى أين تمضي، فظلت تمشي بلا هدف، تشق الشوارع على غير هدى.وبعد وقت قصير، توقفت سيارة إلى جوارها.وانخفض زجاج النافذة، فظهر وجه فراس، بملامحه الباردة الوسيمة."اركبي."لكن ليانة مضت في طريقها كأنها لم تسمع شيئًا، تجر جسدها المثقل بصعوبة تحت المطر.فعقد حاجبيه، واشت
Read more
الفصل 6
بعد أن مكثت ليانة في المستشفى بضعة أيام، لم يزرها فراس مرة أخرى، بل اكتفى بأن يطلب من مساعده إرسال رسالة إليها يخبرها فيها أن ترتاح حتى تتعافى تمامًا، ثم تعود إلى العمل.أما ليانة، فلم تعد تظلم نفسها كما كانت تفعل من قبل. ولهذا لم تغادر المستشفى إلا بعد أن تعافى جسدها المنهك من فرط الإرهاق تعافيًا كاملًا.وخلال تلك الأيام، ظلّت مجموعة الدردشة الداخلية في الشركة تعج بالأخبار، والجميع يتحدثون عن فراس ولُجين.لقد حجز ديزني كاملة لمدة أسبوع ليحتفل بعيد ميلادها، واستمرت الألعاب النارية المبهرة ثلاثة أيام متواصلة من دون توقف.وأخذها معه إلى مأدبة عائلية، وسلمها السوار الذي لا يُعطى إلا لكنة العائلة.واشترى قطعة أرض لينشئ عليها منتجعًا خاصًا للتزلج، حتى إن الاسم الذي اختاره له كان مرتبطًا بلُجين ارتباطًا واضحًا…كانت ليانة تقرأ تلك الرسائل بهدوء، من غير أن يتحرك في قلبها أي موج.وبعد خروجها من المستشفى، عادت إلى العمل كالمعتاد، تسجل حضورها في موعده، وتنجز مهامها بدقة لا يشوبها تقصير.فقط، كلما تعلق الأمر بما يحتاج إلى تدخل فراس شخصيًا، كانت تعهد به إلى زميلات أخريات من مكتب السكرتارية التنفيذ
Read more
الفصل 7
"لا، يجب أن تُنقل لُجين إلى المستشفى أولًا. لا يمكنني أن أسمح بأن يصيبها مكروه. لا شيء… لا شيء أهم عندي من سلامتها!"وكان ذلك الصراخ المذعور، المنفلت من صدر فراس، آخر ما سمعته ليانة قبل أن تفقد وعيها تمامًا.ثم اندفعت العتمة من كل صوب، وابتلعتها كليًا…شعرت ليانة وكأنها غرقت في كابوس طويل لا نهاية له.وحين أفاقت أخيرًا، فتحت عينيها فرأت جمانة أمامها، وعيناها محمرتان من البكاء."ليانة! ما إن عدت إلى البلد حتى سمعت أنك تعرضت لحادث ودخلت المستشفى. قال الطبيب إنك نزفتِ بشدة، وإنهم كادوا يعجزون عن إنقاذك، لقد أفزعني الأمر إلى حد الموت!"وما إن رأتها ليانة حتى اندفعت كل المظالم التي خبأتها في قلبها إلى السطح.احمرت عيناها، ولم تستطع أن تمنع نفسها من الارتماء في حضنها."لا تخافي… أنا بخير…"ولا أحد يعلم كم لبثتا على تلك الحال من التعانق، قبل أن تسكب جمانة لها كوبًا من الماء وتساعدها على شربه، ثم، تذكرًا لوصايا الطبيب، بدأت تتحدث في أمور أخف وأهون."هل كنتِ سعيدة خلال هذه السنوات هنا؟ هل ضايقك أخي يومًا؟ ألم يكن لديك حبيب؟ متى ستعرّفينني إليه؟ سأختبره جيدًا، وإن لم يحسن معاملتك، فلن أوافق على
Read more
الفصل 8
حين سمعت ليانة هذا الكلام، شردت لوهلة.لكنها ما لبثت أن استعادت وعيها الكامل.لقد جمع الدم من أنحاء المدينة كلها، فقط لأنه لم يكن يريد لها أن تموت.أما بينها وبين لُجين، فلو كان لا بد أن يسقط أحدهما، لكانت هي من سيُترك للموت بلا تردد.ولهذا، لم يعد لديها حياله أي وهم ولا أي أمل.وفي أيامها الأخيرة في مدينة الهلال، بقيت ليانة في المستشفى تستريح وتتعافى.وكانت الممرضات، كلما جئن لتفقد المرضى، يذكرن بين الحين والآخر ما يجري في الجناح الخاص في الطابق العلوي."يقال إن رئيس مجموعة العزّام حجز الطابق كله، بل واستدعى أولئك الأساتذة الكبار في مدينة الهلال، الذين تقاعدوا منذ سنوات، فقط ليشرفوا على رعاية حبيبته!""لقد رأيته أكثر من مرة بنفسه، يناولها الماء ويهتم بها، ويشتري لها كثيرًا من المجوهرات والهدايا ليرضيها، ويسهر عند سريرها طوال الليل من دون أن يغمض له جفن. كم هو مدللٌ لها على نحو لا يُصدق!"كانت ليانة تسمع هذه الأحاديث بصمت، ثم ترفع يدها إلى صدرها وتلمس قلبها.لم يكن هناك أي إحساس، سوى نبضٍ كان أبطأ قليلًا.ويبدو أن الجرح القابع في قلبها أوشك هو الآخر على أن يلتئم.في يوم خروجها من المست
Read more
الفصل 9
ما إن سمعت جمانة اسم لُجين، حتى اشتعل الغضب في صدرها. أسندت ليانة بيدها، ثم اندفعت بها مباشرة إلى مكتب فراس."لُجين، لا تتمادي أكثر من هذا! ليانة لم تسئ إليك في شيء، فعلى أي حق أجبرتها على الركوع؟ هي سكرتيرة أخي، ولا صلة لها بك أصلًا، فلماذا تتصرفين هنا وكأنك سيدة هذا المكان؟"وكان فراس موجودًا هناك أيضًا. وما إن رأى الهيئة البائسة التي كانت عليها ليانة حتى عقد حاجبيه، وكاد يسأل عمّا حدث، لكن لُجين أسرعت ترتمي في حضنه."فراس، أقسم أنني لم أفعل شيئًا. ليست بيني وبين السكرتيرة ليانة أي عداوة، فلماذا أعاقبها فجأة؟ لا أدري بأي شيء أسأتُ إليها حتى تلفق لي هذا الاتهام…"وحين سمعت جمانة لُجين تقلب الحقائق بهذه الوقاحة، بلغ غضبها حدّه، فاندفعت نحوها وصفعتها مباشرة."كاذبة! ليانة لا تكذب أبدًا!"كانت تلك أول مرة تتعرض فيها لُجين لمثل هذه الإهانة، فغطت وجهها بيدها وانفجرت بالبكاء، "فراس، سكرتيرتك تتهمني ظلمًا، والآن حتى أختك تساعدها على إهانتي! حسنًا، أنتم عائلة واحدة، فلننتهِ هنا. أنا أريد الانفصال."وما إن سمع فراس هذه الكلمات حتى اضطربت ملامحه لوهلة، ثم نهض بوجه بارد، ورفع يده وصفع جمانة."كف
Read more
الفصل 10
في اللحظة التي أُرسلت فيها تلك الرسالة، كان فراس يجفف شعره. وحين سمع صوت الإشعار من هاتفه، همّ أن يتناوله، لكن لُجين سبقته إليه."سأرى أنا ما الذي وصلك." قالتها وهي تلوح بالهاتف مبتسمة ابتسامة حلوة.لم يجد فراس أمامه إلا أن يسايرها، فاكتفى بابتسامة وقال: حسنًا.كان قد سجّل بصمتها على الهاتف منذ وقت طويل، لذلك فتحته بسهولة، ثم تنقلت بخفة إلى نافذة المحادثة الخاصة بليانة، فرأت الرسالة. ومرّ في عينيها خيط رفيع من الازدراء، ثم حرّكت أصابعها ومسحت الرسالة.ومنذ اليوم الأول لعودتها، علمت بما كان بين فراس وليانة. لكنها لم ترَ في الأمر سوى حب من طرف واحد من ليانة، فالجميع يعرف أن فراس رجل عاشق حتى النخاع، وأن حبه لها متجذر في أعماقه، فكيف يمكن أن يحب امرأة غيرها؟وبعد أن حذفت تلك الرسالة، وقعت عيناها على عدة رسائل عمل مرسلة من شركاء التعاون، فحذفتها هي الأخرى دفعة واحدة. وفي تلك الأثناء، كان فراس قد انتهى من تجفيف شعره، واقترب منها، يفوح منه عبير جل الاستحمام، ثم أحاط خصرها بذراعيه."ما الرسالة؟"استدارت لُجين وعانقته في المقابل، ثم وضعت الهاتف جانبًا."رسالة مزعجة، لا تهتم بها. لنكمل ما كنا ف
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status