All Chapters of سيبيريت: Chapter 11 - Chapter 20

103 Chapters

وجه المافيا

لم يزر النوم جفني في تلك الليلة التي سبقت لقاء "فيكتور". استلقيتُ فوق سريري الصغير، أراقب بصمتٍ مطبق السقف المتشقق الذي بدت تصدعاته في العتمة كأنها جروحٌ غائرة في وجه قدري. كنتُ أسمع عويل الريح في الخارج، صوتاً موحشاً يضرب زجاج النافذة ويهدد باختراق الغرفة، وكأنه نذير شؤمٍ قادم من أقاصي سيبيريا. كان نيكولاي في السرير السفلي يغط في نومٍ عميق، أو ربما كان بارعاً في ادعاء ذلك ليريح أعصابه المنهكة، أما أنا، فقد كان قلبي يقرع في صدري كطبول حربٍ لا تهدأ، ينبض بجنونٍ جعلني أشعر به في أطراف أصابعي. ​تسللت صورة أمي إلى مخيلتي.. ماذا لو كانت هذه هي النهاية؟ ماذا لو عثروا على جثتي غداً في خندقٍ مهجور برصاصةٍ باردة تستقر في رأسي؟ من سيخبرها في حلب البعيدة؟ من سيجرؤ على نقل الخبر إليها؟ ومن سيتولى دفني في هذه الأرض الغريبة التي لا تعرفني؟ سيبيريا كانت تبدو لي في تلك اللحظة أبعد من أي وقت مضى، مكانًا مقطوعًا عن كل ما أحببت. لو متُّ هنا، سأكون مجرد رقمٍ باهت في سجلات الشرطة الروسية: "طالب أجنبي قتل في حادث عرضي". لا جثمان سيعود إلى وطنه، ولا قبر سيزوره أحد ليضع عليه زهرة، فقط ثلجٌ أبيض كثيف يغطي كل
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

الموافقة القسرية

عدنا من ذلك اللقاء المشحون مع فيكتور في المستودع المهجور، ولفّنا صمتٌ مطبق طوال رحلة الحافلة التي كانت تشق طريقها وسط بياض سيبيريا الكئيب. لم يتبادل نيكولاي وأنا كلمة واحدة؛ كان كل منا غارقاً في زنزانة أفكاره الخاصة، يحاول استيعاب وهضم ما حدث وتخيل ما سيأتي. كان عرض فيكتور كالقيد الذي لا يمكن الفكاك منه: إنتاج كيلوغرامين من "سيبيريت" أسبوعياً، مختبر جديد مجهز بالكامل، عشرة آلاف دولار في الأسبوع، ومهلة ثمانٍ وأربعين ساعة للرد النهائي. كان الخيار في الحقيقة خدعة؛ فرفض العرض يعني الموت المحتم، وقبوله يعني بيع الروح للشيطان. ​دخلنا الغرفة رقم 319، وأغلقتُ الباب خلفي بقوة وكأنني أحاول إغلاق باب الماضي. ارتمى نيكولاي على سريره، وبسرعةٍ محمومة أخرج زجاجة الفودكا من تحت وسادته وتجرع منها مباشرة، ثم مدها نحوي بيدٍ ترتجف قليلاً. رفضتُ بصرامة؛ كنتُ بحاجة لأن يظل رأسي صافياً كجليد بايكال لأفكر في الخطوة التالية. ​"ماذا سنفعل؟" سألتُه بصوتٍ منخفض. أجاب دون أدنى تردد وهو يمسح فمه: "ليس لدينا خيار.. سنقبل." "ثم ماذا؟ هل تعتقد أننا سنعمل معه للأبد؟" ارتسمت على وجهه ابتسامة باردة وتابع: "لا، بالط
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

دموع في الثلج

بعد أسبوعٍ كامل من الانحباس داخل جدران المختبر الجديد، بدأتُ أشعر بأن كينونتي البشرية تتلاشى، لتفسح المجال لآلةٍ بيولوجية مبرمجة. أستيقظ على أزيز الأجهزة، أهرع إلى العمل، أقتات على ما يسد الرمق، ثم أنامُ نوماً مثقلاً بالهواجس.. وأكرر الدورة ذاتها. فقدت الحياة ألوانها الزاهية، وحتى ذلك المال الذي كنتُ أتوهم أنه مفتاح السعادة، غدا مجرد أرقامٍ جامدة في حسابٍ مصرفي سري فتحه لي فيكتور. كنتُ أرسل لأمي مئات الدولارات أسبوعياً عبر قنواتٍ ملتوية لا تسأل عن المصدر، وأغزل لها أكاذيب عن عملي كـ "مستشار كيميائي" لشركة كبرى. كانت تصدقني، أو ربما كانت تمارس فن التغافل لتقتات على الأمل الذي أرسله لها. ​لكن هذا اليوم، كان له وقعٌ مختلف. ​خرجتُ من زنزانتي الفاخرة (المختبر) في الظهيرة، ولأول مرة منذ خمسة أيام، استنشقتُ هواءً لم يلوثه الأثير. كان الثلج يتساقط بخفةٍ كأنه ريشُ ملائكة، والرياح هادئة بشكلٍ مريب. كانت درجة الحرارة تقارب الخامسة عشرة تحت الصفر؛ جوٌ يعد دافئاً ومثالياً بمعايير سيبيريا القاسية. مشيتُ نحو الحرم الجامعي القديم، ولم تكن قدماي تتبع عقلانيتي، بل كانت تتبع حنيناً مكبوتاً في اللاوعي.
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

امرأة من نار

بعد مرور أسبوعين كاملين على ذلك اللقاء الأخير والنهائي مع أولغا تحت الشجرة، كنتُ قد اتخذتُ قراراً باطنياً بدفن حزني تحت طبقات كثيفة من العمل الشاق والمال الوفير وزجاجات الفودكا التي لم تعد تفارق طاولتي. كنتُ قد تحولتُ إلى ما يشبه الآلة البشرية؛ أعمل لست عشرة ساعة يومياً داخل جدران المختبر، محاصراً بين الأنابيب والموازين. وفي كل ليلة، كنتُ أشرب بنهمٍ حتى أفقد الوعي تماماً، وأستيقظ في الصباح بجانب فتيات لا أتذكر وجوههن، ولا أعرف كيف دخلن حياتي أو كيف سيخرجن منها. كان نيكولاي يراقب هذا السقوط المنظم ويشجعني عليه بكل حماس، كان يقول لي دائماً بصوته الأجش: "هذا هو الطريق الصحيح يا يوسف.. لا حب، لا عاطفة، لا قيود روحية.. فقط المتعة المطلقة والمال الذي يشتري كل شيء." ​في إحدى الليالي، التفت إليّ نيكولاي وقال بنبرةٍ غامضة: "تعال معي الليلة إلى نادٍ جديد. هذا المكان ليس للطلاب المفلسين، إنه مخصص للأغنياء وأصحاب النفوذ. هناك سترى فرقاً شاسعاً في كل شيء." ​ارتديتُ معطفي الأسود الفاخر وحذائي الجلدي الذي اشتريته مؤخراً بمال "سيبيريت". كان نيكولاي يرتدي سترة جلدية سوداء، وشعره منسدلاً على كتفيه
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

أول اختبار من فيكتور

بعد مرور ثلاثة أيام على تلك الليلة الصاخبة والدافئة في شقة مارينا، وجدتُ نفسي غارقاً في العمل حتى أذنيّ. كان المختبر الجديد، الذي منحه لنا فيكتور، يعمل بكامل طاقته المحركة؛ كنا ننتج ثلاثة كيلوغرامات من "سيبيريت" أسبوعياً دون تأخير، تماماً كما نص الاتفاق. تقاسمنا الأدوار بدقة؛ نيكولاي تولى مسؤولية التوصيل الخطر والتوزيع في أزقة وشوارع المدينة، بينما انكمشتُ أنا داخل أسوار المختبر، مسؤولاً عن الإنتاج وتطوير الصيغ الكيميائية. كنا فريقاً متكاملاً، أشبه بآلةٍ ضخمة تسير بسلاسةٍ مفرطة، لكن المشكلة أن الآلات لا تشعر بالملل، أما أنا.. فقد بدأ الملل ينخر روحي. ​كنتُ جالساً على كرسي المختبر القاسي في تمام الساعة الثالثة صباحاً، أحدق بذهول في بلورات "سيبيريت-1" البيضاء وهي تلمع تحت ضوء المصباح القوي. كانت تبدو جميلة بشكلٍ مرعب، كأنها حبيبات ثلج من سماء سيبيريا، أو كأنها قطع صغيرة من الموت النقي. كنتُ أفكر في طريقة لتحسينها؛ فمدة الخمس وثلاثين دقيقة كانت جيدة للسوق المحلية، لكنها لم تكن كافية للمنافسة الكبرى. المنافسون في موسكو كانوا ينتجون مواد تدوم لساعتين، وفيكتور، بطموحه الشرس، كان يريد التفو
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

ليلة مع مجهولة

كان الضغط يزداد يوماً بعد يوم، كأن جدران سيبيريا تضيق عليّ لتسحق عظامي. فيكتور يطالب بسيبيريت-2 بنبرة لا تقبل التأجيل، وديمتري يزرع عيونه وجسوسه في كل زاوية، ونيكولاي يغزل خيوط خيانته القادمة، وأنا.. أنا كنتُ العالق الوحيد في ذلك المثلث المميت. كنتُ بحاجة ماسة إلى الهروب، ليس هروباً من حدود المدينة، بل هروباً من زنزانة رأسي الصاخبة. كنتُ بحاجة إلى نسيانٍ مطلق، إلى تخديرٍ كلي، إلى أي شيء يوقف الصراخ والضجيج الذي يمزق صدري من الداخل. ​اتصل بي دينيس في مساء يوم الخميس المظلم، وقال بنبرة مليئة بالإغراء: "يوسف، هناك حفلة خاصة جداً الليلة. ستقام في شقة رجل أعمال ثري للغاية. سيكون هناك فتيات.. جميلات جداً وفوق الخيال. وهناك سيكون الكثير من 'سيبيريت' متاحاً للجميع.. تعال، أنت تحتاج لهذا." ​كنتُ متعباً لدرجة الانحطاط، وكنتُ أرغب فقط في إغلاق عيني والنوم لقرنٍ كامل. لكن جسدي المنهك كان يطالب بشيء آخر؛ شيئاً أعمق، شيئاً أكثر ظلمة وقذارة ليقتل الطهر المتبقي فيّ. قلتُ له بجمود: "سآتي." ​كان نيكولاي في ذلك الوقت مشغولاً بشكل مريب في المختبر، لم أخبره بوجهتي، وخرجتُ من سجننا الصغير وحدي. ​كان ا
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

نيكولاي في خطر

كانت الأيام التي تلت تهديد فلاديمير الصريح كأنها كابوس ممتد لا ينتهي. أصبحتُ أنام وعيناي مفتوحتان كطريدة يطاردها الموت، وأستيقظ كل صباح وأنا أتحسس عنقي، متوهماً أن رأسي سيفصل عن جسدي ويُلقى على وسادة أخرى. لم يكن فلاديمير يطلق تهديدات جوفاء؛ بل سرعان ما تجسدت وعوده في رجال يرتدون بدلات سوداء قاتمة، يتجولون كظلال مشؤومة حول المختبر، وحول سكن الطلاب، وفي كل زاوية أطأها. كانوا يراقبونني ببرودٍ مرعب، ينتظرون سقطة واحدة أو لحظة غفلة لينقضوا. ​قال لي نيكولاي بنبرة غلب عليها القلق الحقيقي: "أنت بحاجة ماسة إلى حراسة مشددة يا يوسف، لا تخرج من الآن وصاعداً وحدك أبداً." سألتُه بسخرية مريرة: "ومن تراه سيحميني؟ أنت؟" أجاب بجدية: "لدي أصدقاء قدامى، رجال سابقون في الجيش السوفيتي، مقاتلون يبيعون ولاءهم لمن يدفع.. يمكنهم مرافقتك كظلك." "وبكم يثمنون هذا الولاء؟" "ألف دولار في اليوم الواحد." ضحكتُ ضحكة جافة ومرة: "أدفع ألف دولار يومياً لمجرد أن أضمن استمرار أنفاسي؟" هز رأسه ببرود وقال: "هذا هو سعر البقاء على قيد الحياة في سيبيريا." رفضتُ عرضه بكبرياء أحمق؛ كنتُ أظن واهماً أنني أستطيع حماية نفسي،
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

زيارة غير متوقعة

بعد حادثة الاختطاف المريرة التي تعرض لها نيكولاي، صار الحذر هو القانون الوحيد الذي يحكم تحركاته. لم يعد يجرؤ على مغادرة أي مكان وحده؛ فكان يجر خلفه رجلين ضخمين من حرس "فكتور" المدججين بالسلاح في كل رحلة توصيل يقوم بها. بل إنه هجر غرفته في سكن الطلاب تماماً، وأصبح ينام فوق أرضية المختبر الصلبة، مسكوناً بخوفٍ دائم من العودة إلى الأماكن المفتوحة. كان يشرب أقل من المعتاد، ويدخن بصمتٍ مطبق، ويتحدث بكلماتٍ مقتضبة كأن الكلام أصبح عبئاً عليه. لقد غيره الخوف جذرياً؛ غير ملامح روحه وجعله نسخةً باهتةً مني، يشبهني في ذلك البرود الذي استوطنني. ​أما أنا، فلم يكن الخوف هو ما يحركني في تلك الأيام، بل كان الغضب.. غضبٌ عارم يشتعل في صدري ضد فلاديمير، وضد فيكتور، وضد نفسي أولاً وأخيراً. كنتُ أرغب بشدة في الانتقام، كنتُ أتوق لاستعادة ذلك الشعور الزائف بالقوة؛ أردتُ أن أكون الشخص الذي يثير الرعب في قلوب الآخرين، لا الشخص الذي يرتعد في الزوايا. ​في أحد الأيام، كنتُ جالساً في المختبر وحدي تماماً. كان نيكولاي قد خرج لتوصيل شحنة جديدة تحت حراسة مشددة، وديمتري كان قد أخذ إجازته المعتادة. لم يكن يشاركني المكا
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

حفلة الدماء

بعد مرور ثلاثة أيام على الزيارة المباغتة التي قامت بها أولغا للمختبر، تلك الزيارة التي قلبت كياني وتركتني في صراع مع أشباح الماضي، تلقيتُ دعوة شخصية من "فيكتور". لم تكن مجرد دعوة عادية لمناسبة اجتماعية؛ بل كانت أمراً صريحاً مغلّفاً بطبقة رقيقة وزائفة من المجاملة. اتصل بي فيكتور بنفسه، وهو أمر نادر الحدوث، مما جعل قلبي ينقبض توجساً. ​"يوسف، غداً مساءً، سأقيم حفلة كبرى في قصري الخاص. أريدك أن تحضر أنت ونيكولاي.. لا مجال للاعتذار." سألتُه بحذر، محاولاً جس نبضه: "وما المناسبة لهذه الحفلة؟" أجاب بصوته الذي يشبه صرير الجليد: "لا توجد مناسبة محددة. فقط أرغب في أن يرى شركائي المكان الذي أعيش فيه، وأيضاً... هناك بعض الأمور الهامة التي أريدك أن تعاينها وتراها بنفسك." ​كان صوته بارداً كالعادة، هادئاً لدرجة تثير الرعب. لكنني شعرتُ بشيء ما يختبئ تحت ذلك البرود؛ شعرت بتهديد خفي، برسالة مشفرة لم أستطع فك رموزها، لكنها كانت كافية لتجعل القشعريرة تسري في كامل جسدي. ​أخبرتُ نيكولاي بالأمر فوراً. ساد صمت طويل بيننا، كان ينظر إلى الفراغ ويفكر بعمق، ثم قال بنبرة حذرة: "سأذهب معك. لكن استمع إليّ جيداً
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more

قبل أن أتحول كلياً

استيقظتُ في الصباح التالي لحفلة الدماء المشؤومة، وأنا أشعر بثقلٍ غريب وجاثم يطبق على صدري. لم يكن وجعاً جسدياً يمكن مداواته، بل كان شعوراً مريراً بأنني فقدتُ شيئاً جوهرياً مني، شيئاً ضاع في زحام الدماء والرخام، دون أن أدرك كنهه تماماً. جلستُ على حافة سريري الضيق داخل المختبر؛ فقد أصبحتُ أقضي معظم لياليّ سجيناً هنا بين هذه الجدران الباردة. نظرتُ حولي أتأمل ملامح حياتي الجديدة: القوارير الزجاجية، الأنابيب الملتوية، البلورات البيضاء التي تلمع بغواية، المسدسان اللذان ينامان تحت وسادتي كحارسين للموت، وكاميرات المراقبة التي ترصد صمتي وتحصي أنفاسي. هذا هو عالمي الآن؛ لا غرف دافئة تضم أيقونات مسيحية تمنح الطمأنينة، ولا رائحة شمع الفانيليا، ولا أولغا، ولا ذكريات حلب البعيدة. فقط هذا القبو المتجمد، ورائحة الأسيتون النفاذة، وظلال الموت التي تحوم في الأركان. ​نهضتُ بتثاقل، ومشيتُ نحو الحمام الصغير القابع في زاوية المختبر. وقفتُ أمام المرآة المكسورة المعلقة على الحائط ونظرتُ إلى الانعكاس الذي أمامي. رأيتُ شخصاً غريباً تماماً لا تربطني به صلة؛ عيناي كانتا غائرتين في محجريهما، داكنتين، وتحيط بهما ه
last updateLast Updated : 2026-05-04
Read more
PREV
123456
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status