لم يزر النوم جفني في تلك الليلة التي سبقت لقاء "فيكتور". استلقيتُ فوق سريري الصغير، أراقب بصمتٍ مطبق السقف المتشقق الذي بدت تصدعاته في العتمة كأنها جروحٌ غائرة في وجه قدري. كنتُ أسمع عويل الريح في الخارج، صوتاً موحشاً يضرب زجاج النافذة ويهدد باختراق الغرفة، وكأنه نذير شؤمٍ قادم من أقاصي سيبيريا. كان نيكولاي في السرير السفلي يغط في نومٍ عميق، أو ربما كان بارعاً في ادعاء ذلك ليريح أعصابه المنهكة، أما أنا، فقد كان قلبي يقرع في صدري كطبول حربٍ لا تهدأ، ينبض بجنونٍ جعلني أشعر به في أطراف أصابعي. تسللت صورة أمي إلى مخيلتي.. ماذا لو كانت هذه هي النهاية؟ ماذا لو عثروا على جثتي غداً في خندقٍ مهجور برصاصةٍ باردة تستقر في رأسي؟ من سيخبرها في حلب البعيدة؟ من سيجرؤ على نقل الخبر إليها؟ ومن سيتولى دفني في هذه الأرض الغريبة التي لا تعرفني؟ سيبيريا كانت تبدو لي في تلك اللحظة أبعد من أي وقت مضى، مكانًا مقطوعًا عن كل ما أحببت. لو متُّ هنا، سأكون مجرد رقمٍ باهت في سجلات الشرطة الروسية: "طالب أجنبي قتل في حادث عرضي". لا جثمان سيعود إلى وطنه، ولا قبر سيزوره أحد ليضع عليه زهرة، فقط ثلجٌ أبيض كثيف يغطي كل
Last Updated : 2026-05-04 Read more