سيبيريت

سيبيريت

last updateآخر تحديث : 2026-05-06
بواسطة:  Alaa issaتم تحديثه الآن
لغة: Arab
goodnovel4goodnovel
لا يكفي التصنيفات
22فصول
120وجهات النظر
قراءة
أضف إلى المكتبة

مشاركة:  

تقرير
ملخص
كتالوج
امسح الكود للقراءة على التطبيق

سيبيريت: حين يصبح الصقيع ملاذاً ​من لهيب الحرب في حلب إلى صقيع سيبيريا الذي لا يرحم، يظن "يوسف" أنه نجا بجسده، لكنه يكتشف أن النجاة في بلاد الجليد لها ثمن باهظ؛ ثمن يُدفع من الروح قبل المال. ​يصل الشاب السوري بمفرده، محملاً بشهادة في الكيمياء وحلم بسيط بالاستقرار، ليجد نفسه عالقاً في مدينة تميت القلب قبل الجسد. هناك، وسط المختبرات السرية وظلال المافيا الروسية، يدرك يوسف أن ذكاءه هو سلاحه الوحيد. بمزيج من العلم والمكر، يولد "سيبيريت"؛ المركب الذي سيغير موازين القوة ويجعل من الكيميائي الغريب لاعباً أساسياً في عالم لا يعترف إلا بالقوة. ​بين مرارة الغربة وطموح السلطة، يجد يوسف نفسه محاطاً بشخصيات غامضة: "نيكولاي" الذي يمثل مرساته الأخيرة، و"مارينا" التي تمنحه دفئاً قد يكون هو الأخطر في حياته. ومع تصاعد حدة الصراعات بين أباطرة الجريمة من سيبيريا إلى موسكو، يضطر يوسف لتعلم قواعد اللعبة القاسية: في عالم الجليد، إما أن تكون الصياد أو الفريسة، وإما أن تتجمد مشاعرك تماماً أو تحترق بنيران الطموح. ​"سيبيريت" هي رواية "نووار" تشويقية تغوص في أعماق الجريمة المنظمة والصراع النفسي. هي قصة التحول من الضحية إلى المهندس البارد لإمبراطورية تُبنى على الصمت والذكاء. فهل سيستطيع يوسف الحفاظ على ما تبقى من إنسانيته، أم أن الصقيع سيتسلل إلى أعماقه حتى يصبح جزءاً من تلك البلاد؟ ​ادخل عالم سيبيريت.. حيث الصمت أعلى صوتاً من الرصاص، والبرد هو الحقيقة الوحيدة.

عرض المزيد

الفصل الأول

الجليد

لم أكن أدرك أن البرد يمكن أن يكون بهذه القسوة.

​في حلب، كان القيظ يقتل ببطء؛ يذيب روحك قبل جسدك. أما هنا في سيبيريا، فالصقيع يشن هجومه الضاري فور خروجك من بوابة المطار. لا مهلة، ولا رحمة.

​وقفتُ هناك، وحقيبتي الوحيدة ترتجف في يدي. تنفست بعمق، فشعرت بفتحات أنفي تلتصق من الداخل. تصاعد زفيري كدخان أبيض تلاشى في الهواء. لو كنت أعلم حينها أن هذا البخار هو آخر ما تبقى من دفئي الإنساني، لربما حاولت التشبث به.

​لكنني لم أكن أعرف شيئاً.. ليس بعد.

​كانت الحافلة المتجهة إلى الجامعة مكتظة برجال بوجوه خشنة ونساء يرتدين قبعات الفرو الثقيلة. جلستُ بجانب نافذة كساها الجليد، وحككت الزجاج بأصبعي لأسترق نظرة نحو الخارج. كان كل شيء أبيض؛ الأشجار، الطرق، حتى السماء. كأن العالم قد فقد ألوانه للأبد.

​اهتز هاتفي. رسالة من أمي: "وصلت يا روحي؟ خذ معك بطانية.. لا تمرض."

​ابتسمتُ بمرارة؛ فبطانية واحدة لا تكفي في بلاد تميت القلب قبل الجسد.

​في الجامعة، استقبلني مسؤول التسجيل "بافل إيغوروفيتش". رمق أوراقي ثم نظر إليّ وكأنني حشرة غريبة تحت المجهر.

سأل بنبرة جافة: "سوري؟"

"نعم."

"الكيمياء العضوية." لم تكن جملته سؤالاً، بل بدت كحكمٍ قدري. ناولني مفتاحاً صدئاً وأردف: "الغرفة 319. الطابق الثالث. يُمنع الشرب في الممرات، ويُمنع إزعاج الجيران. وإذا رأيت رجالاً ببدلات سوداء.. فلا ترهم."

"لماذا؟" سألتُ باستغراب.

"لأنهم ببساطة.. غير موجودين."

​صعدتُ الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدمي كصرير نعش يُفتح. كانت الممرات مظلمة، والمصابيح تومض كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. في ذلك السكون، كان كل صوت يتضخم بشكل مرعب: خطواتي، أنفاسي، وحتى دقات قلبي المضطربة.

​وصلتُ إلى الباب 319. وقفتُ للحظة أسترق السمع. صمت.. ثم سعال خفيف، يعقبه صوت قدحة ولاعة.

​فتحتُ الباب.

​الغرفة كانت ضيقة؛ سريران حديديان، منضدة خشبية نخرتها السنين، ونافذة يتسلل منها ضوء رمادي شاحب. على السرير السفلي، كان شاب مستلقياً على ظهره، يدخن سيجارته ببرود ويداه خلف رأسه.

​رفع رأسه ببطء. بدا في منتصف العشرينيات، بشعر أشعث بلون القمح، وعينين زرقاوين.. لكنهما لم تشبها بحر المتوسط الدافئ في شيء؛ كانتا كجليد بحيرة "بايكال": شفافتين، قاسيتين، وباردتين. ومع ذلك، ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة كشفت عن أسنان غير منتظمة، لكنها بيضاء كالثلج.

​"أخيراً! صديق جديد." أطفأ سيجارته وتابع: "أنا نيكولاي.. وأنت؟"

"يوسف."

"يوسف.. اسم جميل. هل تتحدث الروسية؟"

"قليلاً."

"ستتعلم." جلس على حافة سريره وأضاف بغمزة: "النساء لا يملن للرجال الصامتين، لا تقلق.. سأعلمك كل شيء."

​ألقيتُ حقيبتي على السرير العلوي وحاولتُ التسلق، لكن قدمي انزلقت بفعل البرد الذي خدر أطرافي. كدتُ أسقط لولا أن يده قبضت على ساقي بسرعة مذهلة. كانت يده دافئة.. دافئة بشكل غير متوقع.

​ضحك قائلاً: "انزع حذاءك أولاً يا صديقي. أنت في سيبيريا الآن، هنا حتى الأرض قد تخونك."

​استلقيتُ على السرير، وكان السقف المتشقق يعرض بقعة رطبة تشبه خريطة قديمة. نظرتُ إليها طويلاً وفكرتُ في أمي.. في حلب.. في القصف الذي سوّى حينا بالأرض قبل رحيلي بأسبوع. تذكرتُ جارتنا "لينا" التي غابت تحت الأنقاض؛ ما زلتُ أسمع صراخها المكتوم عبر الهاتف قبل أن ينقطع الخط وإلى الأبد.

​غرقت عيناي بالدموع، فمسحتها سريعاً خشية أن يلمحها نيكولاي. لكنني كنت واثقاً أنه رآها.

​ساد صمت طويل، قبل أن يقول بصوت منخفض: "لا تستطيع النوم؟"

"لا."

"هذا طبيعي. الأسبوع الأول هو الأقسى، بعدها ستتعلم كيف تشرب حتى تفقد الوعي."

"أنا لا أشرب."

"قلت لك.. ستتعلم." صمت برهة ثم أردف بلهجة تحذيرية: "في الغرفة 320، كان هناك طالب كازاخستاني، مات الشهر الماضي.. نام والنافذة مفتوحة فتجمد في مكانه. لا تفتح النافذة أبداً."

"شكراً."

"لا شكر على واجب، فنحن الغرباء هنا يجب أن يحمي بعضنا بعضاً."

​في الظلام، شعرتُ بشيء غريب؛ لم يكن أماناً تاماً، بل كان شعوراً بوجود إنسان آخر يتنفس بجانبي، يعدني ضمناً ألا أموت وحيداً ومتجمداً.

​في الصباح، أيقظني اهتزاز هاتفي. رسالة أخرى من أمي: "هل أنت بخير؟"

أجبتها: "نعم.. وجدتُ صديقاً."

​نظرتُ إلى السرير السفلي، كان نيكولاي قد غادر، لكنه ترك خلفه على وسادتي سيجارة وورقة صغيرة كُتب عليها:

"الليلة الساعة السابعة، حفلة في الطابق الأرضي. تعال.. ستتعلم كيف تنسى. – ن."

​أمسكتُ الورقة وأنا أدرك أن الليل سيأتي، وأن البرد سيعود، وأن الوحدة قد تكون أفتك من الحرب. طويتها ووضعتها في جيبي، ولم أكن أعلم حينها أن هذا الجيب سيحمل قريباً أشياء أكثر شراً من مجرد ورقة.

توسيع
الفصل التالي
تحميل

أحدث فصل

فصول أخرى
لا توجد تعليقات
22 فصول
الجليد
لم أكن أدرك أن البرد يمكن أن يكون بهذه القسوة. ​في حلب، كان القيظ يقتل ببطء؛ يذيب روحك قبل جسدك. أما هنا في سيبيريا، فالصقيع يشن هجومه الضاري فور خروجك من بوابة المطار. لا مهلة، ولا رحمة. ​وقفتُ هناك، وحقيبتي الوحيدة ترتجف في يدي. تنفست بعمق، فشعرت بفتحات أنفي تلتصق من الداخل. تصاعد زفيري كدخان أبيض تلاشى في الهواء. لو كنت أعلم حينها أن هذا البخار هو آخر ما تبقى من دفئي الإنساني، لربما حاولت التشبث به. ​لكنني لم أكن أعرف شيئاً.. ليس بعد. ​كانت الحافلة المتجهة إلى الجامعة مكتظة برجال بوجوه خشنة ونساء يرتدين قبعات الفرو الثقيلة. جلستُ بجانب نافذة كساها الجليد، وحككت الزجاج بأصبعي لأسترق نظرة نحو الخارج. كان كل شيء أبيض؛ الأشجار، الطرق، حتى السماء. كأن العالم قد فقد ألوانه للأبد. ​اهتز هاتفي. رسالة من أمي: "وصلت يا روحي؟ خذ معك بطانية.. لا تمرض." ​ابتسمتُ بمرارة؛ فبطانية واحدة لا تكفي في بلاد تميت القلب قبل الجسد. ​في الجامعة، استقبلني مسؤول التسجيل "بافل إيغوروفيتش". رمق أوراقي ثم نظر إليّ وكأنني حشرة غريبة تحت المجهر. سأل بنبرة جافة: "سوري؟" "نعم." "الكيمياء العضوية." لم تكن
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
الفودكا
في المساء، نزلتُ الدرج بخطوات مترددة. ​كانت الأصوات الصاخبة تنبعث من الطابق الأرضي: موسيقى تضجُّ بالقلق، ضحكات متعالية، وصوت زجاج يتكسر بين الحين والآخر. وقفتُ أمام الباب الخشبي الثقيل، ترددتُ لبرهة، ثم دفعته ليدقَّ جرس دخولي عالمًا لم أعهده. ​اجتاحتني رائحة نفاذة لمزيج من التبغ الرديء والكحول والعرق. نحو عشرين شاباً وشابة، معظمهم من الروس وقليل من آسيا الوسطى، يتكدسون في المكان. وفي الزاوية، كان هناك مسجل شرائط قديم ينفث أغاني حزينة بصوت رجل يبدو وكأنه يبكي؛ فالموسيقى هنا لا تُصنع لتبهج، بل لتعول. ​كان نيكولاي يتوسط الحشد، يطوق بذراعه امرأة شقراء ترتدي فستاناً أحمر قصيراً يتحدى برودة المكان. لمحني، فاتسعت ابتسامته وصفق بيديه بحماس: "صديقي العربي قد وصل!" ​التفتت الرؤوس نحوي، ورمقتني الشقراء بنظرات فضولية فاحصة. شعرتُ بحرارة تجتاح وجهي؛ فلم أعتد قط أن أكون مركز الاهتمام، ففي حلب، كنتُ أتقن فن الاختفاء في الزوايا. ​جذبني نيكولاي من كتفي نحو طاولة ازدحمت بالزجاجات، وملأ كأساً صغيراً بالفودكا ثم دفعه نحوي: "اشرب.. جرعة واحدة، ولا تتوقف." ​تأملتُ السائل؛ كان شفافاً كالماء، لكن رائحت
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
المختبر
في اليوم التالي، كنتُ أجلس في قاعة المحاضرات، أستمع لدرس الكيمياء العضوية. كان البروفيسور "أندرييف"، ذاك العجوز ذو اللحية الرمادية الكثيفة والعينين الزرقاوين الحادتين، يشرح تفاعلات "الإسترة" بحماس. كان يتحدث بسرعة فائقة، والمصطلحات الروسية المعقدة تتطاير في الهواء كشظايا، بينما يكتفي معظم الطلاب بنسخ ما يكتبه على السبورة دون أدنى استيعاب. ​لكنني كنتُ في عالم آخر؛ كنتُ أفهم لغة الروابط الجزيئية جيداً، بل لاحظتُ خطأً جسيماً في إحدى المعادلات التي دونها. ​رفعتُ يدي بتردد، فصمت أندرييف وقال بدهشة: "نعم؟" "هذا التفاعل يحتاج إلى محفز حمضي قوي، وإلا لن تكتمل الرابطة،" قلتُها بنبرة واثقة. ​نظر إليّ البروفيسور طويلاً، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة جافة: "أنت السوري الجديد؟" "نعم." "ممتاز.. أخيراً نطق طالب يفهم ما أقول." صحح المعادلة على السبورة ثم أردف: "بعد المحاضرة، تعال إلى مختبري الخاص؛ سأعطيك عملاً إضافياً كمنحة بحثية. لا ترفض، فالمنحة الدراسية لا تكفي لشراء قطعة خبز في هذا البلد." ​وافقتُ دون تفكير؛ كنتُ بحاجة إلى المال، وبحاجة أكبر لأي شيء يشغل عقلي عن الفراغ القاتل الذي ينهش روحي م
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
المكتبة
بعد ثلاثة أيام، كنتُ غارقاً بين أروقة مكتبة الجامعة. كنتُ أتصفح كتاباً في الكيمياء العضوية المتقدمة، وأدون ملاحظات سريعة في دفتري. كانت المكتبة معقلاً للسكينة؛ جدرانها الخشبية العتيقة تفوح برائحة الورق القديم والغبار الممزوج بالوقار. لم يكن هناك سوى قلة من الطلاب، مما جعل الصمت هنا رفيقاً طيباً، وليس عدواً متربصاً كما هو الحال في غرفتي. ​سمعتُ وقع خطوات خفيفة تقترب. رفعتُ رأسي، فوجدتُ "أولغا" تقف أمامي، تحتضن كومة من الكتب الدراسية. سألتني بنبرة هامسة: "هل هذا المقعد شاغر؟" "نعم، تفضلي." ​جلست بجانبي وشرعت في القراءة بصمت. حاولتُ العودة لتركيزي، لكن عيني كانت تخونني وتتجه نحوها بين الحين والآخر؛ كان شعرها الأسود ينسدل بنعومة على كتفيها، وتفوح منها رائحة صابون طبيعي منعشة، بعيدة كل البعد عن العطور الرخيصة التي تملأ حفلات الصخب. ​"لماذا ترقبني؟" قالتها دون أن ترفع بصرها عن كتابها. اجتاحتني موجة من الخجل: "أنا.. لا أفعل." "بلى، أنت تفعل،" رفعت عينيها الخضراوين نحوي وأردفت بابتسامة خافتة: "لكن لا بأس، فأنا أيضاً كنتُ أراقبك." ​عجزتُ عن الرد. في حلب، لم أعتد خوض حوارات بهذه الصراحة
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
التحليل
في اليوم التالي، تسللتُ إلى المختبر المهجور وحدي؛ كان نيكولاي منشغلاً في إحدى المحاضرات، وهي فرصة مثالية لأختلي بمملكتي الجديدة. أخرجتُ الكيس الذي يحتوي على تلك البلورات البيضاء، ووضعتُ عينة مجهرية منها تحت العدسة. ​بتركيزٍ حاد، بدأتُ عملية التحليل الكيميائي. استخدمتُ جهاز الاستشراب الغازي، وراقبتُ بصبر نبضات الرسم البياني وهي ترتسم على الشاشة العتيقة. قارنتُ النتائج بالمعادلات المحفوظة في ذاكرتي، وسرعان ما برزت الحقيقة أمام عيني. ​لقد وجدتُ العلة. ​المركب كان ملوثاً بشوائب تصل نسبتها إلى 18%، وهي ناتجة عن تفاعل جانبي طفيلي بسبب تذبذب درجات الحرارة أثناء التحضير. تلك الشوائب اللعينة هي المسؤولة عن الغثيان والصداع الفتاك. ​فتحتُ دفتري، ودونتُ بصرامة: ​"الحل: تبريد الخليط وصولاً إلى 5 درجات مئوية قبل إضافة المحفز. هذا الإجراء سيمنع التفاعلات الجانبية. النقاء المتوقع: 98%." ​شرعتُ في العمل فوراً. سحبتُ العبوات من الرفوف: أسيتون، إيثر، وحمض الهيدروكلوريك. ارتديتُ قفازاتي المطاطية، وأشعلتُ الموقد ليتراقص لهبه الأزرق في عتمة القبو. كنتُ في حالة من التركيز المطلق؛ يداي تتحركان بدقة جرا
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
القرار
​مر أسبوع كامل وأنا أستوطن ذلك المختبر القبو فور انتهاء المحاضرات. كنتُ أعكف على تحسين الصيغة بمهارة صائغ؛ أطلتُ أمد المفعول إلى 25 دقيقة، وقلصتُ الشوائب حتى بلغت 2% فقط. أصبح المركب مستقراً، براقاً.. وخطيراً. ​كان نيكولاي يراقب النتائج بعينين يلتمع فيهما الجشع: "لقد أزفت ساعة البيع." "ولمن سنبيع؟" سألتُ بتوجس. "طلاب الطب.. إنهم يملكون المال، والفضول القاتل لتجربة كل جديد." ​في ليلة الجمعة، انطلقنا إلى حانة وضيعة قرب الجامعة تُدعى "تحت الجسر". كان المكان يغصُّ بالبشر، والدخان يعلق في الهواء كضباب كثيف فوق ألحان صاخبة تمزق السكون. اتخذنا ركناً قصياً في العتمة، وبعد هنيهة، انضم إلينا شابان: "دينيس"، طالب في السنة الخامسة طب، وصديقه "إيغور" طالب الصيدلة. ​قدمني نيكولاي بنبرة فخر: "إليكما صديقي.. الكيميائي العبقري." رمقني دينيس بنظرة ازدراء فاترة: "عربي؟" "سوري،" أجبتُ باقتضاب. "لا فرق،" قالها بلامبالاة. ​كظمتُ غيظي، وكان بوسعي أن أرد الصاع صاعين، لكنني استحضرتُ فلسفة نيكولاي: "القوة هي اللغة الوحيدة التي يتقنها هؤلاء". لم أكن قوياً بعد، لذا كان الصمت هو درعي الوحيد. ​استخرج نيك
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
أولغا مرة أخرى
مر أسبوعان منذ أن بعتُ الغرام الأول من "سيبيريت". أسبوعان منذ أن استغلت القوة ثغرات روحي لتستقر فيها. كنتُ قد تغيرت؛ ليس في ملامحي الداخلية فحسب، بل في غلافي الخارجي أيضاً. اشتريتُ معطفاً أسود جديداً من متجر للمقتنيات المستعملة، لكنه كان يفوق معطفي البالي القديم فخامةً. ابتعثُ حذاءً جلدياً أسود يلمع كمرآة تعكس صقيع الطريق، وقبعة صوفية رمادية تحمي أذنيّ من أنياب البرد. لم أعد أبدو كلاجئٍ لفظته الحرب؛ بل بدوت كطالب روسي ميسور، أو كشخصٍ يملك في جيبه أكثر من مجرد ثمن وجبته التالية. ​لاحظ نيكولاي هذا التبدل. قال لي ذات صباح ونحن نتجه نحو القاعة: "تبدو كرجل الآن." نظرتُ إليه ببرود: "كنتُ رجلاً دائماً." هز رأسه بابتسامة صفراء: "لا، كنتَ فتىً مسكوناً بالخوف. كنتَ تكنس الأرض بنظراتك حين تمشي، وتهمس بالكلمات كأنها خطيئة. الآن.. الآن تمشي كمن يملك المكان، حتى نبرة صوتك استقامت." لم أعقب، لكنني كنتُ أدرك صدق قوله. بتُّ أخاف أقل، وأتردد أقل، وأصبح أكثر برودة وصلابة.. كأنني بدأتُ أتحول إلى نسخة منه. ​في أحد الأيام، وبينما كنتُ أعبر الحرم الجامعي عائداً من المحاضرة، كان الثلج يهطل بهدوء كذ
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
الليلة الأولى
بعد ثلاثة أيام من ذلك اللقاء العاصف فوق مقعد الجليد، لم أرَ أولغا. لم أتصل بها، ولم أسعَ خلف أثرها. كنتُ أمارس فن الهروب من الأماكن التي قد تجمعنا: المكتبة، المقهى، وحتى الممرات الضيقة في مبنى الأحياء. كنتُ أخشى مواجهة عينيها الخضراوين؛ أخشى أن ألمح فيهما ذلك الانكسار الذي تعجز روحي عن ترميمه. ​لكنها هي من بادرت بكسر الصمت. ​كان المساء قد بسط رداءه، وكنتُ مستلقياً على سريري أراقب الشقوق في السقف وهي ترسم خرائط وهمية، بينما كانت الريح تعوي خارج النافذة كذئبٍ جريح. اهتز هاتفي معلناً وصول رسالة منها: "هل تمانع في المجيء إلى غرفتي؟" ​ترددتُ، وكان نبض قلبي يقرع طبول التوجس. ماذا تريد؟ هل ستمطرني بالتوبيخ؟ أم ستضعني أمام خيارٍ مستحيل بينها وبين عالمي المظلم؟ كتبتُ مقتضباً: "لماذا؟". فجاء الرد بعد دقيقة: "لنتحدث.. فقط نتحدث". ​نهضتُ وارتديتُ معطفي الأسود بنوع من العجلة. خرج نيكولاي من الحمام، ورمقني بنظرة فاحصة: "إلى أين الوجهة؟" "إلى الخارج،" أجبتُ باقتضاب. "إلى أولغا؟" سأل بابتسامة ماكرة، ثم أردف محذراً: "احذر يا يوسف، أولغا ليست كباقي العابرات، قلبها ليس ساحة للعب." "أنا لا ألعب،"
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
فلسفة المتعة
في المساء التالي، كنا أنا ونيكولاي في قلب المختبر المهجور، نعكف على إنتاج دفعة ضخمة من "سيبيريت-1". كان الطلب ينفجر ككرة ثلج تتدحرج، ودينيس يمارس ضغوطه المعهودة لتوفير كميات أكبر. كنتُ واقفاً أمام الطاولة المعدنية الباردة، أصبُّ كامل تركييزي على الموازين والقوارير؛ يداي تتحركان بدقة آلية، وعيناي لا ترمشان. أما نيكولاي، فكان يقبع على كرسي قديم في الزاوية، ينفث دخان سجائره المتلاحقة ويراقبني بصمتٍ مريب. ​كان القبو بارداً كعادته، مشبعاً برائحة الأسيتون والأثير التي تملأ الرئتين. مصباح النيون الوحيد فوقنا كان يرمش بريبة، كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. في هذا الركن المنعزل من سيبيريا، صنعتُ لنفسي عالماً خاصاً؛ مكاناً بعيداً عن ذكريات الحرب، وعن ذل الفقر، وحتى عن طهر أولغا. هنا، كنتُ السيد المطاع.. هنا، كنتُ إلهاً صغيراً يتحكم بمصائر الجزيئات. ​"يوسف،" ناداني نيكولاي فجأة. كان صوته هادئاً، لكنه اخترق السكون كشفرةٍ حادة. "همم؟" لم أكلف نفسي عناء رفع رأسي. "لماذا يتعاطى الناس السموم في رأيك؟" "للهروب،" أجبتُ باقتضاب؛ كان الجواب البديهي الجاهز في ذهني. ​"خطأ،" أطفأ سيجارته في علبة صفيح قديمة
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
أول خطوة نحو الظل
استيقظتُ في الصباح التالي وشعرتُ بتبدلٍ جذري؛ لم يكن في الغرفة، ولا في طقس سيبيريا، ولا في نيكولاي الغارق في نومه. كان التبدل في أعماقي، كطبقة رقيقة من الجليد غطت بحيرة روحي: هادئة، شفافة، وقاتلة. نظرتُ في المرآة، فرأيتُ وجهاً شاحباً وعينين غائرتين، لكن الخوف الذي سكنهما طويلاً قد تبخر، وحل مكانه برودٌ صلد يشبه بريق عيني نيكولاي. ​نزلتُ إلى المختبر وحدي قبل أن يستيقظ شريكي، مدفوعاً برغبةٍ عارمة في إثبات استقلالي عن توجيهاته. عملتُ لثلاث ساعات بتركيزٍ آلي؛ يداي كانتا أسرع وأدق، ولم أعد أراجع الحسابات مرتين. كنتُ واثقاً كمن يملك الحقيقة المطلقة. ​بحلول الظهر، استقر بين يدي 50 غراماً من "سيبيريت-1". بلورات ناصعة البياض، أنقى مما صنعتُ يوماً. دسستُ الكيس في جيبي الداخلي، وجلستُ على كرسي نيكولاي المتهالك، وأشعلتُ سيجارة. لم أكن مدخناً، لكنني شعرتُ بضرورة أن يملأ الدخان ذلك الفراغ المتسع في صدري. ​حين جاء نيكولاي، اتسعت عيناه ذهولاً وهو يقلب الكيس بين يديه كأنه عثر على ألماسة نادرة. "50 غراماً؟ بنقاوة 98%؟ أنت عبقري يا يوسف.. أنت بحق تلميذي." "لستُ تلميذك،" قاطعتُه بجمود، "أنا شريكك..
last updateآخر تحديث : 2026-05-04
اقرأ المزيد
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status