LOGINسيبيريت: حين يصبح الصقيع ملاذاً من لهيب الحرب في حلب إلى صقيع سيبيريا الذي لا يرحم، يظن "يوسف" أنه نجا بجسده، لكنه يكتشف أن النجاة في بلاد الجليد لها ثمن باهظ؛ ثمن يُدفع من الروح قبل المال. يصل الشاب السوري بمفرده، محملاً بشهادة في الكيمياء وحلم بسيط بالاستقرار، ليجد نفسه عالقاً في مدينة تميت القلب قبل الجسد. هناك، وسط المختبرات السرية وظلال المافيا الروسية، يدرك يوسف أن ذكاءه هو سلاحه الوحيد. بمزيج من العلم والمكر، يولد "سيبيريت"؛ المركب الذي سيغير موازين القوة ويجعل من الكيميائي الغريب لاعباً أساسياً في عالم لا يعترف إلا بالقوة. بين مرارة الغربة وطموح السلطة، يجد يوسف نفسه محاطاً بشخصيات غامضة: "نيكولاي" الذي يمثل مرساته الأخيرة، و"مارينا" التي تمنحه دفئاً قد يكون هو الأخطر في حياته. ومع تصاعد حدة الصراعات بين أباطرة الجريمة من سيبيريا إلى موسكو، يضطر يوسف لتعلم قواعد اللعبة القاسية: في عالم الجليد، إما أن تكون الصياد أو الفريسة، وإما أن تتجمد مشاعرك تماماً أو تحترق بنيران الطموح. "سيبيريت" هي رواية "نووار" تشويقية تغوص في أعماق الجريمة المنظمة والصراع النفسي. هي قصة التحول من الضحية إلى المهندس البارد لإمبراطورية تُبنى على الصمت والذكاء. فهل سيستطيع يوسف الحفاظ على ما تبقى من إنسانيته، أم أن الصقيع سيتسلل إلى أعماقه حتى يصبح جزءاً من تلك البلاد؟ ادخل عالم سيبيريت.. حيث الصمت أعلى صوتاً من الرصاص، والبرد هو الحقيقة الوحيدة.
View Moreلم أكن أدرك أن البرد يمكن أن يكون بهذه القسوة.
في حلب، كان القيظ يقتل ببطء؛ يذيب روحك قبل جسدك. أما هنا في سيبيريا، فالصقيع يشن هجومه الضاري فور خروجك من بوابة المطار. لا مهلة، ولا رحمة. وقفتُ هناك، وحقيبتي الوحيدة ترتجف في يدي. تنفست بعمق، فشعرت بفتحات أنفي تلتصق من الداخل. تصاعد زفيري كدخان أبيض تلاشى في الهواء. لو كنت أعلم حينها أن هذا البخار هو آخر ما تبقى من دفئي الإنساني، لربما حاولت التشبث به. لكنني لم أكن أعرف شيئاً.. ليس بعد. كانت الحافلة المتجهة إلى الجامعة مكتظة برجال بوجوه خشنة ونساء يرتدين قبعات الفرو الثقيلة. جلستُ بجانب نافذة كساها الجليد، وحككت الزجاج بأصبعي لأسترق نظرة نحو الخارج. كان كل شيء أبيض؛ الأشجار، الطرق، حتى السماء. كأن العالم قد فقد ألوانه للأبد. اهتز هاتفي. رسالة من أمي: "وصلت يا روحي؟ خذ معك بطانية.. لا تمرض." ابتسمتُ بمرارة؛ فبطانية واحدة لا تكفي في بلاد تميت القلب قبل الجسد. في الجامعة، استقبلني مسؤول التسجيل "بافل إيغوروفيتش". رمق أوراقي ثم نظر إليّ وكأنني حشرة غريبة تحت المجهر. سأل بنبرة جافة: "سوري؟" "نعم." "الكيمياء العضوية." لم تكن جملته سؤالاً، بل بدت كحكمٍ قدري. ناولني مفتاحاً صدئاً وأردف: "الغرفة 319. الطابق الثالث. يُمنع الشرب في الممرات، ويُمنع إزعاج الجيران. وإذا رأيت رجالاً ببدلات سوداء.. فلا ترهم." "لماذا؟" سألتُ باستغراب. "لأنهم ببساطة.. غير موجودين." صعدتُ الدرج الخشبي الذي كان يئن تحت قدمي كصرير نعش يُفتح. كانت الممرات مظلمة، والمصابيح تومض كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة. في ذلك السكون، كان كل صوت يتضخم بشكل مرعب: خطواتي، أنفاسي، وحتى دقات قلبي المضطربة. وصلتُ إلى الباب 319. وقفتُ للحظة أسترق السمع. صمت.. ثم سعال خفيف، يعقبه صوت قدحة ولاعة. فتحتُ الباب. الغرفة كانت ضيقة؛ سريران حديديان، منضدة خشبية نخرتها السنين، ونافذة يتسلل منها ضوء رمادي شاحب. على السرير السفلي، كان شاب مستلقياً على ظهره، يدخن سيجارته ببرود ويداه خلف رأسه. رفع رأسه ببطء. بدا في منتصف العشرينيات، بشعر أشعث بلون القمح، وعينين زرقاوين.. لكنهما لم تشبها بحر المتوسط الدافئ في شيء؛ كانتا كجليد بحيرة "بايكال": شفافتين، قاسيتين، وباردتين. ومع ذلك، ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة كشفت عن أسنان غير منتظمة، لكنها بيضاء كالثلج. "أخيراً! صديق جديد." أطفأ سيجارته وتابع: "أنا نيكولاي.. وأنت؟" "يوسف." "يوسف.. اسم جميل. هل تتحدث الروسية؟" "قليلاً." "ستتعلم." جلس على حافة سريره وأضاف بغمزة: "النساء لا يملن للرجال الصامتين، لا تقلق.. سأعلمك كل شيء." ألقيتُ حقيبتي على السرير العلوي وحاولتُ التسلق، لكن قدمي انزلقت بفعل البرد الذي خدر أطرافي. كدتُ أسقط لولا أن يده قبضت على ساقي بسرعة مذهلة. كانت يده دافئة.. دافئة بشكل غير متوقع. ضحك قائلاً: "انزع حذاءك أولاً يا صديقي. أنت في سيبيريا الآن، هنا حتى الأرض قد تخونك." استلقيتُ على السرير، وكان السقف المتشقق يعرض بقعة رطبة تشبه خريطة قديمة. نظرتُ إليها طويلاً وفكرتُ في أمي.. في حلب.. في القصف الذي سوّى حينا بالأرض قبل رحيلي بأسبوع. تذكرتُ جارتنا "لينا" التي غابت تحت الأنقاض؛ ما زلتُ أسمع صراخها المكتوم عبر الهاتف قبل أن ينقطع الخط وإلى الأبد. غرقت عيناي بالدموع، فمسحتها سريعاً خشية أن يلمحها نيكولاي. لكنني كنت واثقاً أنه رآها. ساد صمت طويل، قبل أن يقول بصوت منخفض: "لا تستطيع النوم؟" "لا." "هذا طبيعي. الأسبوع الأول هو الأقسى، بعدها ستتعلم كيف تشرب حتى تفقد الوعي." "أنا لا أشرب." "قلت لك.. ستتعلم." صمت برهة ثم أردف بلهجة تحذيرية: "في الغرفة 320، كان هناك طالب كازاخستاني، مات الشهر الماضي.. نام والنافذة مفتوحة فتجمد في مكانه. لا تفتح النافذة أبداً." "شكراً." "لا شكر على واجب، فنحن الغرباء هنا يجب أن يحمي بعضنا بعضاً." في الظلام، شعرتُ بشيء غريب؛ لم يكن أماناً تاماً، بل كان شعوراً بوجود إنسان آخر يتنفس بجانبي، يعدني ضمناً ألا أموت وحيداً ومتجمداً. في الصباح، أيقظني اهتزاز هاتفي. رسالة أخرى من أمي: "هل أنت بخير؟" أجبتها: "نعم.. وجدتُ صديقاً." نظرتُ إلى السرير السفلي، كان نيكولاي قد غادر، لكنه ترك خلفه على وسادتي سيجارة وورقة صغيرة كُتب عليها: "الليلة الساعة السابعة، حفلة في الطابق الأرضي. تعال.. ستتعلم كيف تنسى. – ن." أمسكتُ الورقة وأنا أدرك أن الليل سيأتي، وأن البرد سيعود، وأن الوحدة قد تكون أفتك من الحرب. طويتها ووضعتها في جيبي، ولم أكن أعلم حينها أن هذا الجيب سيحمل قريباً أشياء أكثر شراً من مجرد ورقة.الأماكن التي هربتَ منها لا تنساك. تنتظرك بصبر الأشياء التي تعرف أنك ستعود. الطائرة بدأت بالهبوط في الساعة العاشرة صباحاً. جلستُ عند النافذة وكانت سوريا تظهر ببطء من تحت الغيوم — أولاً خطوط بنية وصفراء لا تقول شيئاً، ثم تفاصيل أكثر، ثم مدينة. دمشق. نظرتُ إليها من الأعلى وحاولتُ أن أشعر بشيء محدد. لكن ما جاء لم يكن محدداً — كان مزيجاً غريباً من أشياء لا تجتمع عادةً. شيء يشبه الوصول لمكان تعرفه ولا تعرفه في آن واحد. تعرف لغته وهواءه وألوانه. لكن الشخص الذي كان يعرفه بالكامل لم يعد موجوداً — ذهب في طائرة قبل سنوات وترك مكانه لرجل آخر يحمل نفس الاسم. قال ألكسي بجانبي دون أن يرفع عينيه من الملف الذي يقرأه: «أول مرة تعود؟» «نعم.» «كيف تشعر؟» نظرتُ للنافذة. «لا أعرف بعد.» أومأ كأن هذا الجواب كان متوقعاً. «هذا طبيعي. سوريا تحتاج وقتاً حتى تقرر كيف تشعر معها.» «أنت تعرفها جيداً؟» «أعرفها بقدر ما يسمح لي عملي.» نظر من النافذة لثانية. «لكنك ستعرفها بطريقة مختلفة. أنت منها.» الطائرة لامست الأرض. وسوريا استقبلتني بصمت لا يُشبه أي استقبال آخر. المطار كان مختلفاً عما تذكّرتُه. أو ربما
الرجل الذي يغادر مكاناً للمرة الثانية يغادره بطريقة مختلفة. المرة الأولى تغادر لأنك تهرب. المرة الثانية تغادر لأنك قررت. في آخر يوم في سيبيريا، استيقظتُ قبل الفجر. لم يكن هناك سبب محدد. لكن الجسد أحياناً يعرف قبل العقل أن شيئاً ما على وشك أن يتغير، فيستيقظ ليودّع بهدوء قبل أن يبدأ الضجيج. جلستُ على حافة السرير في الظلام. سيبيريا خارج النافذة كانت صامتة بصمتها المعتاد — ذلك الصمت الذي لا تجده في المدن الكبيرة، صمت المكان الذي لا يحاول أن يُثبت شيئاً لأحد. نظرتُ للنافذة وفكّرتُ في كل ما حدث في هذا المكان. المختبر القديم. فيكتور. مارينا. أولغا. دراغان. وفوق كل شيء — نيكولاي. سيبيريا أخذت مني أشياء لن تعود. وأعطتني أشياء لم أكن أعرف أنني أحتاجها. قمتُ. ارتديتُ معطاي. وخرجتُ. مشيتُ في شوارع المدينة وحدي قبل أن يستيقظ أحد. الثلج تحت قدمي يُصدر صوته المعتاد. الهواء بارد بطريقة سيبيريا التي اعتدتُها الآن — لم يعد عدواً، أصبح جزءاً من التنفس. مررتُ بالمقهى الصغير. بالحانة التي التقينا فيها بفيكتور لأول مرة. بالشارع الذي وقف فيه نيكولاي ذات ليلة وقال أتمنى أن ينتهي هذا بسرعة ولم يُكمل ا
الأماكن التي شهدت بداياتك لا تنساك. تحتفظ بك في جدرانها وهوائها وصمتها. وحين تعود إليها لا تعود كزائر — تعود كجزء منها كان غائباً. في الصباح الثاني في سيبيريا، ذهبتُ للمختبر القديم. لم يطلب مني أحد الذهاب. ولم أُخطط له. استيقظتُ وعرفتُ أن هذا ما يجب أن أفعله قبل أي شيء آخر — قبل أن أرى ميلان وديمتري وقبل أن أُراجع الأرقام وقبل أن أبدأ ما جئتُ لأبدأه. أن أذهب لهناك أولاً. مشيتُ وحدي. الطريق لمبنى الفيزياء القديم لم يتغير. نفس الممرات ونفس الأشجار التي تحمل الثلج على أغصانها كأنها اعتادت هذا الثقل منذ الأزل. الجامعة في الصباح الباكر كانت شبه فارغة — بعض الطلاب يمشون بسرعة برؤوس محنية في مواجهة البرد. لم يلتفت أحد إليّ. وصلتُ لمبنى الفيزياء. الباب الخارجي لم يكن مقفلاً — لم يكن مقفلاً يوماً بطريقة تمنع من يعرف. نزلتُ الدرج الحلزوني الصدئ. رائحة الرطوبة والعفن لا تزال هناك، نفسها تماماً، كأن الوقت لم يمس هذا المكان. وقفتُ أمام الباب الحديدي الثقيل. أخرجتُ المفتاح. لا أعرف لماذا أبقيتُه معي كل هذا الوقت. حملتُه من سيبيريا لموسكو ومن موسكو لكل مكان ذهبتُ إليه. مفتاح صدئ لا قيمة له
المكان الذي بدأتَ فيه لا يتذكرك. لكنك تتذكره. وهذا الفرق هو كل شيء. قررتُ العودة لسيبيريا في صباح عادي. لم يكن قراراً مدروساً بالطريقة التي أتخذ بها القرارات عادةً — لا جداول ولا أوراق ولا اجتماعات. استيقظتُ وعرفتُ. أحياناً الأشياء الصحيحة تأتي هكذا، بدون مقدمات، كأن جزءاً من داخلك كان يعرف منذ وقت وانتظر حتى تلحق به. اتصلتُ بفاسيلي. «فاسيلي، أنا قادم.» صمت قصير. ثم: «متى؟» «بعد يومين.» «سأكون في المحطة.» لم يسأل لماذا الآن. لم يسأل عن خطط أو أعمال أو اجتماعات. فقط قال سأكون في المحطة. وهذا كان كافياً. أخبرتُ بوريس. جلس أمامي وسمع. ثم قال: «كم ستبقى؟» «لا أعرف.» «يوسف، هناك أشياء هنا تحتاج—» «بوريس.» توقف. «الشبكة تعمل وحدها. هذا ما بنيناه من أجله. أعطني أسبوعاً.» نظر إليّ بعيون تُقيّم ثم أومأ. «أسبوع.» في اليوم الأخير في موسكو، مشيتُ في الشوارع وحدي. مشيتُ في أربات — الشارع الذي مررتُ به أول أيامنا حين أخذنا بوريس في جولته. مررتُ بالمطعم الصغير الذي جلسنا فيه مع فولكوف في أول لقاء حقيقي. مررتُ بالمقهى الذي كان نيكولاي يذهب إليه وحده في تلك الأيام الصعبة. وقفتُ أمام