كانت السيدة فريدة تجلس في ركن غرفتها الصغير، تضم طرف شالها بين أصابع مرتجفة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منها منذ سنوات طويلة. كان الليل ساكنًا من حولها، إلا أن ضجيج الذكريات بداخلهـا كان أعلى من أي صوت. تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لتسحبها الذاكرة إلى زمن بعيد، زمن لم تستطع الهروب منه مهما حاولت.كانت فريدة تجلس وحدها في صمت ثقيل، كأن المكان قد انكمش حولها ليحاصرها داخل دائرة من الذكريات التي لا تهدأ. الضوء الخافت في الغرفة كان ينسحب ببطء على الجدران، بينما ظل عقلها عالقًا في أماكن بعيدة لا يصل إليها الحاضر. لم تكن ترى ما حولها بقدر ما كانت ترى ما بداخلها؛ صور قديمة تتقاطع، وأصوات غائبة تعود بلا استئذان، ووجع لم يبهت مهما مر عليه الزمن. منذ سنوات طويلة، تعلمت فريدة أن بعض اللحظات لا تموت، بل تتحول إلى جزء ثابت من الروح، يوقظك في أكثر الأوقات هدوءًا ويأخذك إلى حيث لا تريد. كانت تحاول دائمًا أن تبدو قوية، أن تمضي في حياتها كما لو أن شيئًا لم يحدث، لكنها في كل مرة تغلق فيها عينيها، يعود ذلك اليوم بكل تفاصيله، بكل صوته، وبكل الألم الذي تركه خلفه.اليوم، وبين
Last Updated : 2026-05-07 Read more