ログインعودة إلى الحاضر...
وقفت فريدة في اشتياق أمام صورة فوتوغرافية كبيرة تحتل واجهة غرفة المعيشة، تلك الغرفة التي أصبحت عالمها الخاص ومقرها الدائم، تقضي فيها أغلب أوقاتها تستعيد ذكرياتها معه؛ ذلك الزوج الذي كان خير أنيس وجليس، ورفيق رحلة عمر طويلة تشاركا خلالها تربية الأبناء، وعاشا معًا حلو الحياة ومرارتها. وبرغم ما مرّا به من أزمات ومشكلات، ظل دائمًا السند الحقيقي لها، حتى لاقى لقاء ربه منذ أكثر من خمسة عشر عامًا.
رحل وتركها تجاهد وحدها مع الأبناء، فلم يحضر من أفراحهم سوى زفاف ابنهما الأكبر كمال، وابنتهما ابتهال. وبعد رحيله، ساندت هي ابنها الأوسط رأفت حتى أتم زواجه، ثم ابنتها الصغرى رهف، وها هي اليوم تجاهد مع ابنها الأخير السامر، وقلبها يتمنى أن تفرح بزواجه هو الآخر، غير عابئة بما تشعر به من هجرٍ وبُعد، فما دام سيكون بخير فذلك وحده يكفيها.
أنهت قراءة بعض آيات القرآن، وأتبعتها ببعض الأدعية والأذكار، ثم اتجهت نحو أريكتها المفضلة لتستريح قليلًا قبل أن تبدأ يومها المعتاد.
نهضت بعد ذلك لتصنع فنجانها اليومي من الشاي الممزوج بالحليب، محاولة أن تكبت داخلها حزنها الدفين ولوعتها مما اقترفه أبناؤها في حقها. لم تكن تتخيل يومًا أن تصل علاقتها بهم إلى هذا الجفاء، وظلت تتساءل بألم: ماذا فعلت حتى يعاملها أولادها بكل هذا البعد؟
ربما ـ كما كانت تظن ـ تهاونت كثيرًا في حقوقها كأم، حتى غلبت عليهم الأنانية، وأصبحت مصالحهم الشخصية أهم من مكانتها في حياتهم. كانت دائمًا تمنح دون حساب، وتسـامح دون عتاب، وتؤثر راحتهم على راحتها، حتى اعتاد الجميع وجودها كأمر ثابت لا يحتاج إلى اهتمام أو سؤال.
استغفرت ربها سريعًا، ودعت لهم بالهداية، فقلبها أبى أن يدعو عليهم رغم قسوتهم، وغلبت عاطفة الأمومة كل ما تشعر به من حزن وخذلان.
جلست تستعيد بذاكرتها أحداث الأمس، حين استقبلت يومها بسعادة كأي أم في يوم عيدها، وظنت ـ ولو للحظة ـ أنها ستنعم بيوم مليء بالدفء بقرب أبنائها، فقد كانت تشتاق بشدة لاجتماعهم حولها في مثل هذا اليوم. لكنها ضحكت بسخرية موجوعة حين تذكرت كم كانت ساذجة وهي تنتظر ذلك.
تنهدت بألم، ثم نظرت إلى هاتفها القابع بجوارها، والذي أصبح أنيسها الوحيد ونافذتها على العالم الخارجي. تقضي أغلب يومها ممسكة به، تتنقل بين صفحات أبنائها على مواقع التواصل الاجتماعي، فقط لتشعر أنهم ما زالوا قريبين منها. حتى تطبيق الواتساب أصبح عالمها الخاص، تتجول بين أرقامهم وصورهم وحالاتهم اليومية، تطمئن عليهم بصمت، مكتفية بمعرفة أنهم بخير.
كانت أحيانًا تفتح صورهم القديمة لساعات، تتأمل وجوههم حين كانوا صغارًا، وتبتسم بحنين وهي تتذكر شجارهم وضحكاتهم والتفافهم حولها. كانت تتوقف كثيرًا أمام صورة تجمعهم جميعًا في أحد الأعياد القديمة، يومها كان البيت ممتلئًا بالحياة، وكانت هي تشعر أن الدنيا بأكملها داخل جدران منزلها الصغير.
أما الآن، فقد صار الصمت هو الضيف الدائم.
فرت دمعة حبيسة من عينيها، فمسحتها سريعًا بباطن كفها فور شعورها بحرارتها، ثم سحبت شهيقًا طويلًا محاولة استعادة تماسكها، قبل أن تعود بذاكرتها مرة أخرى إلى يوم مضى...
عودة إلى يوم مضى...
استيقظت فريدة مع أذان الفجر، فتوضأت وأدت فرضها بخشوع، ثم جلست تتمتم ببعض الأدعية والآيات القرآنية، قبل أن تبدأ وردها اليومي بالدعاء لأمواتها الذين رحلوا عنها واحدًا تلو الآخر؛ أمها، وأبيها، وزوجها، وأخوها الأكبر. جميعهم تركوها وحيدة، رغم أنها محاطة بخمسة أبناء، لكنها كثيرًا ما شعرت أنها غريبة في عالمهم، بعدما انغمس كل واحد منهم في حياته الخاصة.
كان البيت هادئًا بصورة مبالغ فيها، حتى صوت عقارب الساعة بدا واضحًا داخل السكون. نظرت حولها إلى الأثاث المرتب بعناية، وإلى الطاولة التي كانت يومًا تمتلئ بأصوات أبنائها، ثم تنهدت وهي تردد:
_ الحمد لله على كل حال.
قطع شرودها صوت رنين هاتفها معلنًا عن اتصال مرئي من ابنتها الصغرى رهف، تلك الابنة التي فرضت عليها الغربة الابتعاد عن أمها بعد انتقالها مع زوجها إلى إحدى الدول العربية. وبرغم المسافات، ظلت رهف الوحيدة التي تحرص دائمًا على التواصل معها والسؤال عنها.
التقطت فريدة الهاتف بابتسامة واسعة، وضغطت زر القبول، لتظهر أمامها صورة طفلين جميلين يرددان بفرح أغنية وردة الشهيرة:
_ كل سنة وإنتِ طيبة يا مامتي... وبعودة الأيام...
ابتسمت فريدة بسعادة حقيقية، وشاركت حفيديها التوأم ريم وكريم الغناء بصوت ممتلئ بالحنان: — يا حبايبي يا حلوين... يا طعمين... يخليكم لماما وبابا طول السنين.
ضحك الطفلان بعفوية، بينما كانت هي تتأملهما وكأنها تحاول أن تعوض قربهما من خلف الشاشة الصغيرة. لم تكن تحفظ كلمات الأغنية جيدًا، لكنها أرادت فقط أن تشاركهما فرحتهما، وأن تشعر للحظات أن البيت عاد حيًا من جديد.
ظهرت رهف بعدها على الشاشة، فازدادت ابتسامة فريدة اتساعًا وهي تقول بلهفة:
_ حبيبة ماما... وحشتيني أوي يا نور عيني.
قابلتها رهف بحنين مماثل، تخفي خلفه دموعًا كادت تنساب:
_ وإنتِ كمان يا أمي وحشتيني أوي... كل سنة وإنتِ طيبة يا أجمل أم في الدنيا.
_ وإنتِ طيبة يا قلبي... وفرحانة بحبايبي دول. أخبارك إنتِ ونديم إيه؟
أجابتها رهف بحب:
_ الحمد لله كويسين... بس إنتِ عارفة نديم، بيخرج من الصبح ومبيرجعش غير بعد العشا.
قالت الأم بحنان:
_ ربنا يعينه ويوفقه يا حبيبتي... وإنتِ خلي بالك من نفسك ومن الولاد. لازم الزوجة تكون سند لجوزها، خصوصًا في الغربة.
تنهدت رهف بيأس وهي تعدل حجابها:
_ عارفة يا ماما... بس أنا تعبت. إحنا هنا غرب، والولاد بينزلوا المدرسة وأنا بقعد لوحدي بالساعات. مبقتش قادرة على الوحدة، وهو كمان مبيحبش الاختلاط بحد.
شعرت فريدة بألم ابنتها، فهي تعرف جيدًا معنى الغربة والوحدة، حتى وإن كانت داخل وطنها. لذلك حاولت أن تخفف عنها:
_ بس هو بيحبك وبيخاف عليكم يا حبيبتي، وعمره ما قصر معاكم.
قالت رهف بتذمر طفولي:
_ عارفة... بس متملك أوي، وبيغير زيادة عن اللزوم.
ابتسمت فريدة على طريقتها، ثم قالت بحنان:
_ يا روفي... الحب ساعات بيكون خوف زيادة شوية. حاولي تحتويه وتفهميه، الحياة بينكم لازم تمشي بالمودة والتفاهم، مش كل حاجة تتاخد بعصبية.
أومأت رهف برأسها مقتنعة، فهي وحدها تعلم كم كانت نصائح أمها تنقذ بيتها من كثير من الخلافات، ثم قالت بامتنان:
_ والله يا ماما من غيرك مكنتش هعرف أعيش.
اغرورقت عينا فريدة بالدموع وهي تهمس: — ربنا ما يحرمنيش منكوا أبدًا يا بنتي.
ثم سألتها رهف فجأة:
_ صحيح يا ماما... فين إخواتي؟ محدش جنبك ليه؟
تغيرت ملامح فريدة للحظة قصيرة، لكنها سرعان ما أخفت ألمها خلف ابتسامة هادئة. كانت تتذكر اتفاق أبنائها قديمًا ألا يتركوها وحدها، وأن يتناوبوا على زيارتها ورعايتها، لكن الحياة أخذتهم واحدًا تلو الآخر، حتى صار السؤال عنها مجرد مكالمة سريعة أو رسالة مقتضبة.
أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بهدوء مصطنع:
_ كلهم بخير يا حبيبتي... وهييجوا على الغدا إن شاء الله. إنتِ عارفة ظروفهم وشغلهم.
لكن رهف شعرت بما تحاول أمها إخفاءه، فازداد حزنها عليها، وتمنت لو أن المسافات لم تبعدها عن حضن أمها في مثل هذه الأيام.
حاولت تغيير الحديث سريعًا حتى لا تفضح حزنها، فقالت بابتسامة خفيفة:
_ أكيد عاملة وليمة بقى؟
ضحكت فريدة أخيرًا، ضحكة حقيقية خرجت من قلبها وهي تتذكر ما يحبه كل واحد من أبنائها: — طبعًا... عاملة محشي الكرنب لكيمو، والباذنجان لرأفت، وورق العنب لسامر، والكوسة والفلفل لأختك ابتهال.
ثم أضافت بأسف صادق:
_يا ريتك كنتِ هنا إنتِ كمان... كنتِ شاركتي سامر في ورق العنب، عارفة قد إيه بتحبيه.
ابتسمت رهف بحنين موجع:
_ تسلم إيدك يا أمي... خلاص، قربت الأجازة، وهجيلك وأقعد في حضنك كمان.
حينها فقط شعرت فريدة أن قلبها هدأ قليلًا، ولو للحظات قصيرة، قبل أن تعود الوحدة فتجلس بجوارها من جديد.
"أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ
قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان
نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م
ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب
في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح
حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،
زفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، و
جلست تدعو لهذه الفتاة التي تركتها ورحلت متمزقة القلب، بعدما جعلتها في حالة يتقطع لها نياط القلب حزنًا عليها.. فهيام ابنة قلبها، ولم تتمنَّ يومًا أن يحدث هذا مطلقًا.بل كانت تتهيأ للجمع بينها وبين ابنها المعتوه ـ كما لقبته ـ وهي تحدث نفسها بعد رحيل الأخرى قائلة: _الله يسامحك يا بني.. أنا مش عارفة إي
نعم، هي تواسيها، ولكن دون اقتناعٍ حقيقي، فتلك الحماة القاسية تعدّت القسوة بمراحل مع تلك السيدة الصغيرة التي تقطع حالتها نياط القلب. لماذا تتعامل معها بهذا الجفاء، وهي التي تعمل على راحتها ليلًا ونهارًا دون كلل أو تذمر؟ بل وربما تكون زوجة ابنها أفضل من ابنة خرجت من رحمها، فهي تتقي الله فيها، وتصبر ع
في بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب. وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما