Share

الفصل الرابع (حزن)

last update publish date: 2026-05-07 09:35:39

هل ستستجدي العطف منهم؟ أم إنها ستترفّع عن هذا الألم الذي ينهش قلبها بصمت؟

ابتسمت فريدة بسخرية مريرة من الأقدار التي وضعتها في مثل هذا الموقف. هي نفسها التي كان رأيها يومًا نافذًا لا يُرد، وكلمتها مسموعة بين أبنائها، ها هي اليوم تشعر أن وجودها أصبح هامشيًا، وأن رأيها لم يعد يُؤخذ بعين الاعتبار.

هل للأم حق في العتاب أصلًا؟

أم أنها خُلقت فقط لتسامح، وتحتوي، وتتجاوز؟

وهل يحق لها أن تقف أمام رغبة أحد أبنائها، رافضة هذا الارتباط أو ذاك؟ أم أن دورها أصبح يقتصر على الصمت، ومجاراة قراراتهم مهما آلمتها؟

ليتها تستطيع التماسك أكثر من ذلك...

فما فعله سامر لم يكن هينًا على قلبها كأم. ربما لم يرتكب جريمة، لكنه طعن إحساسها بالمكانة داخل حياته، حين أخفى عنها خطوة مهمة كهذه.

جلست صامتة بعد انتهاء مكالمتها مع رهف، بينما سامر يقف أمامها مترددًا، ينتظر منها أن تسمح له بالكلام. رفعت عينيها إليه للحظة، ثم همست داخلها بألم:

_للدرجادي مبقاش ليا لازمة وسطكم يا ولادي؟

حركت رأسها بأسى، ثم التزمت الصمت.

أما سامر، فبرغم خطئه، لم يكن يرى نفسه مذنبًا بالصورة التي تتخيلها والدته. كان فقط يحاول أن يختار حياته بطريقته، لكنه أدرك متأخرًا أن الطريق الذي سار فيه جرح قلبها دون قصد.

زفر بضيق، ثم قال بخجل وهو يخفض عينيه:

_ حاضر يا ماما... هقولك على كل حاجة. أنا فعلًا غلطت لما خبيت عليكي.

قاطعته هي بهدوء متماسك، رغم النار المشتعلة داخل صدرها:

_ قوم صلي فرض ربنا الأول... وأنا هعملك حاجة تفطر بيها، وبعدها نتكلم براحتنا.

هكذا هو قلب الأم دائمًا...

ينكسر، ثم يحنّ. يغضب، ثم يحتوي.

أومأ سامر برأسه في طاعة، ثم توجه إلى المرحاض ليتوضأ، بينما الخجل واضح فوق ملامحه. وقف يصلي بخشوع، يدعو الله أن يلين قلب أمه، وأن يرزقه رضاها فيما ينوي فعله.

وحين انتهى، بدّل ملابسه وخرج إلى غرفة المعيشة، ليجد والدته قد أعدت له كوبًا من الشاي بالحليب، وبعض المعجنات الساخنة التي يحبها.

جلست أمامه بصمت، تراقبه وهو يأكل، بينما عقلها غارق في ألف سؤال.

قالت بهدوء:

_ اتفضل... كل قبل ما الشاي يبرد.

تناول إحدى المعجنات بصمت، ثم ارتشف قليلًا من الشاي، بينما داخله يتمنى انتهاء هذا الموقف الثقيل الذي وضعته رهف فيه دون قصد.

.....

في مكان آخر...

كانت هناك فتاة رقيقة تقف أمام مرآتها الصغيرة، تعدل حجابها بعناية، بينما قلبها ممتلئ بالقلق.

همست لنفسها برجاء:

_ يا رب ألحق أشوف سامر قبل ما ينزل... معرفش إيه اللي جرى له. بقى بيتهرب مني، بعد ما كان بيتعمد يتأخر مخصوص علشان يقابلني، ياريته كان صريح معايا ويقولي ماله؟.

وسرعان ما انسحبت ذاكرتها إلى الماضي...

عودة إلى ما قبل عام...

_ صباح الخير على الجميل بتاعنا.

قالتها فريدة بحبور وهي تستقبل هيام، تلك الفتاة الرقيقة التي أحبتها كما لو كانت ابنتها.

ابتسمت هيام بخجل، بينما عيناها تبحثان تلقائيًا عن باب غرفة سامر: 

_ صباح الورد عليكي يا ست الكل... قلت أعدي عليكي قبل الامتحان علشان تدعيلي، أصل المادة صعبة أوي ومنيمتنيش طول الليل.

وما إن أنهت كلماتها حتى خرج صوت سامر من خلف باب غرفته: 

_ بقى الهانم سهرانة طول الليل تذاكر؟ ولا ماسكة الفون بس؟

ابتسمت هيام بخجل وهي تهمس:

_ وعلى أساس إني كنت لوحدي ماسكة الفون؟ ما كنت براجع مع أستاذي المحترم... وأظن حضرتك عارف كل حاجة.

اقترب سامر منها بنظرة ممتلئة بالعشق، فهو أحبها منذ كانت صغيرة تكبر أمامه يومًا بعد يوم.

قال بهدوء:

_ طبعًا عارف... وفي حد غيري أصلًا يعرف عنك أي حاجة؟

تدخلت فريدة بينهما وهي تنظر لهما بمشاكسة:

_ جرى إيه يا واد إنت وهي؟! اعملوا حساب إني واقفة... ولا معتبرني طرطور؟

ثم أكملت بحزم خفيف:

_ يلا يا بيه على شغلك... وإنتِ يا قمر روحي امتحانك، وسيبوا الرغي لبعد الامتحانات.

ضحك سامر وهو يقول:

_حاضر يا ريدة... هنأجل كل حاجة لبعد الامتحانات.

ثم التفت إلى هيام قائلًا:

_ يلا أوصلك في طريقي علشان متتأخريش.

ابتسمت فريدة برضا وهي تراهما معًا. كانت ترى في هيام الزوجة المثالية لابنها، وكيف لا؟ وهي التي ربّتها بيديها بعد وفاة والدتها، وكبرت وسط أولادها كواحدة منهم.

قالت بنظرة تشجيع مفعمة بالحنان:

_ روحي معاه يا هيام... بس خدي بالك وإنتِ راكبة على الموتوسيكل.

ضحكت هيام بخفة:

_حاضر يا ست الكل... دعواتك لينا.

خرج الاثنان وسط نظرات فريدة الراضية، وهي تدعو الله أن تكتمل حكايتهما على خير.

— يلا يا قمر... اركبي علشان منتأخرش.

قالها سامر وهو يشغل دراجته البخارية، ثم أعطاها الخوذة الخاصة بها.

جلست خلفه بخجل، وقالت:

_ قمر بالستر يا ابن عمي... طول عمرك بتحب تجاملني.

ضحك وهو يقود الدراجة:

_ أنا مبعرفش أجامل على فكرة... وبجد إنتِ أحلى من القمر كمان.

ازداد خجلها واحمرت وجنتاها تحت الخوذة، ثم قالت بصوت خافت:

_ إنت اللي عينك حلوة، علشان كده شايفني كده.

كانت فتاة بسيطة، متوسطة الجمال، لكنها تملك روحًا نقية ووجهًا هادئًا يبعث الراحة في القلب.

لكن صوتًا أنثويًا قطع عليها ذكرياتها فجأة: 

_يااا هيام... يلا يا بنتي علشان الطابونة متتزحمش.

انتبهت هيام على صوت أمل، زوجة أبيها، التي عاملتها دائمًا كابنتها تمامًا.

أجابت هيام بسرعة وهي تنظر من خلال مرئاتها: 

 حاضر يا ماما... جاية أهو.

ثم عدلت حجابها واتجهت نحوها قائلة: 

_ أنا هجيب العيش وأعدي على المطعم أجيب الفطار... عايزة حاجة تانية؟

ابتسمت أمل بحنان: 

_ربنا يرضى عنك يا بنتي... بس عدي كمان على مرات عمك شوفيها ناقصها حاجة ولا لأ.

أومأت هيام بحبور، فهي في الأصل كانت تنوي المرور على فريدة، لعلها ترى سامر ولو للحظة.

قالت: 

_حاضر... أصل النهاردة عندهم عزومة، أكيد محتاجين حاجة.

ضحكت أمل: طبعًا... أمبارح كنت بلف معاها المحشي. الست عاملة كل الأصناف علشان عيالها.

ثم تنهدت بأسف وقالت:

_ والله يا بنتي الست دي طيبة زيادة عن اللزوم... ولادها متعلمين ومراكزهم حلوة، بس قدام مراتاتهم شخصيتهم ضعيفة.

شعرت هيام بالحزن، فهي ترى بنفسها كيف تُعامل فريدة أحيانًا بجفاء لا تستحقه، رغم أنها لا تتوقف عن خدمتهم وإرضائهم.

خرجت بعدها متجهة إلى بيت عمها، وقلبها يدق بأمل صغير...فقط تريد أن تراه.

أن تنظر في عينيه مرة واحدة، وتفهم لماذا ابتعد عنها فجأة، بعدما كان يومًا أقرب الناس إليها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٨ (غضب)

    "أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٧ (خروج بلا عودة)

    قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٦( عودة للواقع)

    نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٥( صحوة ضمير)

    ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٤(حكمة أم)

    في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٣( مغادرة )

    حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل التاسع (كشف الحقيقة)

    زفرت أم سعد بضيق عندما تذكرت حديثها مع أم أحلام، والدة زوجة كمال، ثم أردفت بحسرة: _والنبي يا بنتي ما عارفة الست الطيبة دي عملت إيه في دنيتها علشان تقع في بنات زي دول.. مابيقبلوهاش!وبعيد عنك، حتى أم أحلام ذات نفسها مش عاجبها اللي بنتها بتعمله هي وسلفتها.. مش عايزين رجالتهم يساعدوا أخوهم في جوازه، و

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الثامن ( مؤامرة)

    جلست تدعو لهذه الفتاة التي تركتها ورحلت متمزقة القلب، بعدما جعلتها في حالة يتقطع لها نياط القلب حزنًا عليها.. فهيام ابنة قلبها، ولم تتمنَّ يومًا أن يحدث هذا مطلقًا.بل كانت تتهيأ للجمع بينها وبين ابنها المعتوه ـ كما لقبته ـ وهي تحدث نفسها بعد رحيل الأخرى قائلة: _الله يسامحك يا بني.. أنا مش عارفة إي

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل السابع ( فراق)

    نعم، هي تواسيها، ولكن دون اقتناعٍ حقيقي، فتلك الحماة القاسية تعدّت القسوة بمراحل مع تلك السيدة الصغيرة التي تقطع حالتها نياط القلب. لماذا تتعامل معها بهذا الجفاء، وهي التي تعمل على راحتها ليلًا ونهارًا دون كلل أو تذمر؟ بل وربما تكون زوجة ابنها أفضل من ابنة خرجت من رحمها، فهي تتقي الله فيها، وتصبر ع

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل السادس (تجاهل وجفاء)

    في بعض الأحيان لا تكون المسافات الحقيقية هي تلك التي تفصل بين الأماكن، بل تلك التي تنمو فجأة داخل القلوب دون إنذار. فالكلمات الباردة قادرة على أن تهدم أعوامًا كاملة من الألفة، ونظرة واحدة جافة قد تترك في النفس وجعًا يفوق ألف عتاب. وبين صمتٍ ثقيل يخفي الأسرار، وقلوبٍ تحاول التظاهر بأن كل شيء على ما

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status