Share

الفصل الثالث (صدمة أم)

last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-07 09:05:13

أجابتها الأم بحبور واضح:

_ لا يا حبيبتي، تعالي إنتِ بس وملكِيش دعوة بأي حاجة. أنا بخلي أم سعد، جارتنا، تشتريلي كل اللي محتاجاه متوضب وجاهز للحشو، والست بصراحة مبتتأخرش أبدًا، ومرات ابنها سعد بتجيبلي الطلبات لحد البيت، ربنا يسعدهم زي ما بيساعدوني.

ثم أكملت بابتسامة ممتنة لبعض احبائها:

_ وكمان هيام ومرات عمك بيساعدوني كتير و معايا على طول.

ظلت تتجاذب أطراف الحديث مع ابنتها، تبثها حنانها من خلف شاشة الهاتف، بينما قلبها يتوق لاحتضانها ولملامسة وجهها الذي اشتاقت لكل تفصيلة فيه. كانت رهف الوحيدة التي ما زالت تمنحها شعور الأمومة الحقيقي، رغم المسافات والغربة التي تفصل بينهما.

استمر حديثهما لأكثر من ساعة، حتى استيقظ شاب متوسط الطول، وسيم الملامح إلى حد كبير، يرتدي ملابس منزلية بسيطة، وشعره مبعثر من أثر النوم. اقترب من والدته ليظهر خلفها في إطار المكالمة، ثم بدأ يداعب أخته بنظراته المرحة وهو يلوح لها بيديه: _روفي الجميلة عاملة إيه؟ وحشتيني.

بادلته رهف النظرات نفسها، ثم غمزت له بمشاكسة: _سمور عامل إيه يا راجل؟ إيه اللي صحاك بدري كده؟ كنت لسه هقطع في فروتك مع ماما.

لوّح سامر بيديه باعتراض ساخر:

_يا ساتر يا رب! مش هتسبوني في حالي إنتِ والست الوالدة؟! أنا بقولك عاملة إيه يا رخمة، تقوليلي هقطع في فروتك؟ خسارة فيكي السؤال أصلًا.

لكزته أمه بخفة في ذراعه وهي تقول بغيظ لطيف:

_ اختك عايزة تطمن عليك يا عبيط، وإنت دبش كده ليه؟

عقدت رهف حاجبيها ثم قالت بمكر وهي تضيق عينيها: 

_تصدق إنك رخم؟ وأنا اللي كنت هسأل ماما على العروسة بتاعتك وأقنعها بيها يا غتيت!

نظر لها سامر بحدة مفاجئة، بينما ارتسم الصمت على وجه فريدة فور سماعها كلمات ابنتها. شعرت للحظة أن هناك أمرًا يُخفى عنها، وأن أبناءها صاروا يتبادلون أسرارهم بعيدًا عنها.

لكنها أخفت حزنها سريعًا خلف ابتسامة باهتة، وقالت بسخرية موجوعة:

_ ههه... ماما إيه بس؟ هو بقى فيها ماما دلوقتي؟

شعرت رهف فورًا بأنها أخطأت حين رأت الحزن يمر سريعًا بعيني والدتها، بينما انسحب سامر من أمام الكاميرا متعللًا بأي حجة، هاربًا من الموقف حتى تنتهي المكالمة.

تنهدت رهف ثم قالت محاولة تدارك الأمر:

_ حبيبتي يا ماما، متزعليش نفسك... الأستاذ سامر كان حكالي أنا ونديم إنه مرتبط ببنت كويسة جدًا ومن عيلة محترمة، وكان ناوي يكلمك بنفسه، بس هو اللي غبي ومستعجل كعادته.

تملكت فريدة نفسها بصعوبة، ثم قالت بحزن خافت: _ يعني خلاص... بنت عمك اللي شرياك من صغرك يسيبها كده ويروح لواحدة إحنا منعرفش أصلها ولا فصلها؟

قالت رهف محاولة تهدئتها: 

_يا ماما، هو اللي هيتجوز مش إحنا... سيبيه يجرب ويمكن تكون مناسبة ليه.

ضحكت فريدة بسخرية موجوعة:

_أسيبه يجرب؟! والبنت الغلبانة اللي مستنياه دي ذنبها إيه؟ دي راضية بظروفه ومطلبتش منه حاجة زي باقي البنات... بس أقول إيه، ملوش نصيب في الطيب.

أنهت حديثها مع ابنتها بالدعاء لها ولأحفادها، ثم أغلقت الهاتف ببطء، قبل أن تعود كعادتها تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، باحثة عن تلك العلامة الخضراء الصغيرة التي تدل على وجود أحد أبنائها متصلًا الآن، فتطمئن لمجرد رؤيتها.

ولأن لا أحدًا منهم لم يكن متواجدًا، بدأت ترسل إليهم بعض الصور المحملة بالأدعية والعبارات الدينية التي تحفظها على هاتفها. كانت تتفنن في جمع تلك الملصقات والرسائل، وتستخدمها يوميًا للتواصل مع صديقاتها وجاراتها، نساء يشبهنها كثيرًا، يجمعهن فراغ الوحدة ويحاولن الهروب منه داخل هذا العالم الإلكتروني البارد.

وبعد أن نشرت دعاءها اليومي على صفحتها الخاصة، أغلقت هاتفها واتجهت نحو غرفة سامر، الذي هرب سريعًا إلى غرفته فور انتهاء المكالمة.

وقفت أمام الباب ثم قالت بعتاب هادئ: 

_ ها يا أستاذ... مش ناوي تفهمني إيه الكلام اللي كانت أختك بتقوله ده؟

زفر سامر بضيق، فقد كان يعلم أن موقفه لا يُحسد عليه. صحيح أنه لم يتقدم رسميًا بعد، لكنه أخفى عنها الأمر طويلًا، وهو يعرف جيدًا مدى تعلقها بفكرة زواجه من ابنة عمه.

قال بخجل: 

_حاضر يا ماما... هقولك على كل حاجة.

لكنها قاطعته سريعًا:

_ الأول قوم صلي فرض ربنا، وأنا هعملك حاجة تفطر بيها وبعدها نتكلم.

أومأ برأسه مطيعًا، ثم توجه إلى المرحاض ليتوضأ، قبل أن يقف للصلاة وقلبه ممتلئ بالتوتر. دعا الله في سجوده أن يلين قلب أمه ويمنحه رضاها.

بعد انتهائه، خرج ليجدها قد أعدت له كوبًا من الشاي بالحليب وبعض المعجنات الساخنة التي يحبها. جلست تنتظره بصمت، بينما هو يدرك أن الحديث القادم لن يكون سهلًا.

جلس بجوارها، ثم قال بخزي واضح: 

_ ماما... أنا آسف إني خبيت عليكِ، بس دي حياتي، وأنا معملتش حاجة غلط غير إني مأقولكيش. وده بس لأني عارف إنك مصرة على هيام، وأنا مش شايف نفسي معاها.

نظرت إليه فريدة بدهشة ممزوجة بالألم، وقالت: — وده يديك الحق تاخد خطوة زي دي من غير ما ترجعلي؟ وبعدين بنت عمك مالها؟ ما إنت كنت بتموت فيها! إيه اللي اتغير؟ وبعدين مين الناس اللي وافقوا عليك من غير ما يشوفوا أمك وأهلك؟! ولا قلتلهم إنك ملكش حد؟

ثم أكملت بصوت مكسور: 

_ اللي ملوش كبير يشتريله كبير يا بني... ولا خلاص مبقاش ليا لازمة وسطكم؟

شعر سامر بوخز الضمير، فاقترب منها قائلًا: — حقك عليا يا أمي... والله ما قصدت أزعلك. وبعدين أنا لسه ماخدتش خطوة رسمية، الموضوع مجرد تعارف، وإنتِ أول واحدة هتيجي معايا لو حصل نصيب. حتى إخواتي كلهم عارفين، وكنت ناوي نتكلم النهارده.

هزت رأسها بيأس وهي تقول: 

_ براحتك يا بني... مش أنا اللي هتتجوز. بس قولي، هي هترضى تعيش معايا؟ ولا هتأجر شقة وتاخدك بعيد زي الباقي؟

تاهت نظرات سامر للحظة، فهو نفسه لم يكن يملك إجابة واضحة، ثم قال مترددًا:

_لسه مقررنـاش... كل حاجة بتيجي بوقتها يا ست الكل. المهم إنك توافقي، والباقي ربنا يسهلـه.

ضحكت فريدة ضحكة ساخرة قصيرة، فقد كان دائمًا يؤكد لها أنه لن يتركها مهما تزوج، لكنها بدأت تشعر أن الأيام تغيّر الجميع.

ورغم ألمها، بدأ عقلها ينشغل فورًا بشيء آخر؛ كيف سيتحمل كل تلك الأعباء؟ من أين سيأتي بمصاريف الزواج والسكن والأثاث والشبكة؟ كانت تعلم أن ما تملكه لا يكفي، لكنها في الوقت نفسه لم تكن قادرة على التخلي عنه أو تركه يواجه الحياة وحده.

تنهدت بعمق، ثم تمتمت بحزن: — ربنا المعين يا بني... ويقويني أقدر أساعدك. بس أشوف إخواتك هيقفوا جنبك إزاي...؟

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٨ (غضب)

    "أمي... يا نهر الخير والأمان، يا من يفيض قلبها بعذب الحنان. سأظل أنحني امتنانًا لأقبّل قدميكِ، ففيهما جنةٌ وعد الله بها عباده. يا من سُلِبت أنفاسها في ألم المخاض، ثم استقبلتني بعده بفرحٍ وسعادة وحنان..."كانت تلك الكلمات آخر ما خطّته ابتهال على صفحتها بموقع "فيسبوك"، لعلها تكون رسالةً تصل إلى والدتها، رغم اختفاء علامتها الخضراء وانقطاعها عن جميع وسائل التواصل، وكأنها أعلنت انسحابها من الدنيا قبل أن تغادرها.---وقفت ابتهال في غرفتها، تحدق في حقيبتها المفتوحة، وكأنها تحاول أن تجد بين طياتها مخرجًا من المأزق الذي أُلقيت فيه.لم يخطر ببالها يومًا أنها قد تضطر إلى العودة إلى بيت والدتها بهذه الصورة المهينة، بعدما أفنت سنوات عمرها في خدمة زوجها، وأولادها، ووالدته، دون أن تمنّ أو تشتكي، فإذا به في لحظة غضب يهدم كل ما بنته بكلماتٍ جارحة، لا تعرف للرحمة طريقًا.همست لنفسها في حيرة، وقد بدأت الدموع تزاحم عينيها:— إنتِ فين يا أمي؟... بحاول أكلمك، وتليفونك مقفول! يا رب أعني، وخليك معايا علشان أقدر أتجاوز الموقف الصعب ده.. يارب قلبي وجعني عليها قوي.كانت منذ الصباح تحاول الاتصال بها دون جدوى، لذ

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٧ (خروج بلا عودة)

    قالت ابتهال بثبات، وقد استجمعت ما تبقى من صبرها، بينما كانت تنظر إليه بعينين امتلأتا بالخذلان:— أظن عيب عليك الكلام ده يا محمد. ماهي أمي دي اللي ربتني، وخلتني أعرف أسمع كلامك وأحترمك. وأظن إنه مش فرض عليَّ أخدم والدتك أو أستحملها، زي ما مرات أخوك بتعمل. أنا اللي بعمله مع مامتك بعمله عن رضا، وبما يرضي ربنا، مش غصب عني.ثم أردفت وقد اشتد ألمها:— وأختك بتيجي بحملها وولادها، وأنا بشيلهم على كفوف الراحة بمزاجي، محدش أجبرني على ده. ولو كنت عايزة أعمل زي مرات أخوك، كنت طلبت منك تسيب البيت ونعيش لوحدنا، زي ما أخوك عمل ومشي ورا مراته. لكن أنا عمري ما طلبت منك ده، ولا حتى فكرت فيه... يبقى ليه ترد عليَّ بالطريقة دي، لمجرد إني بطلب منك تساعدني أبر أمي؟ما إن انتهت من حديثها حتى اشتعل الغضب في صدر محمد، خاصة بعدما أعادت إلى ذاكرته موقف شقيقه، الذي طالما رفض أن يسلك طريقه.فهدر بها بصوت مرتفع:— إنتِ بتعيدي الكلام ده، مفكرة إني هتنازل وأسمع كلامك؟! ده حلم يا هانم. وأنا مش زي أخويا... وأمي تخدميها ورجلك فوق رقبتك. أمي دي خط أحمر!ارتجفت شفاهها، لكنها تماسكت، وقالت بحدة لم يعهدها منها:— وأنا كمان

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٦( عودة للواقع)

    نهض محمد في هدوء، وقد تبدلت مشاعره تمامًا. خرج وهو يشعر أن كلمات فريدة أعادت ميزان العدل إلى قلبه، وجعلته يرى الأمور من زاوية لم يكن يلتفت إليها من قبل، وعزم في داخله أن يكون أكثر إنصافًا مع زوجته، دون أن يقصر في حق والدته.أما ابتهال، فكانت تقف في الخارج شاردة الذهن، تستعيد كلمات والدتها ومواقفها التي طالما كانت سببًا في احتواء بيتها كلما أوشك على الانهيار. أدركت أن الفضل بعد الله يعود إلى تلك المرأة الحكيمة التي لم تكن تنحاز لأحد، بل كانت تنحاز للحق دائمًا، وتسعى بكل ما أوتيت من حكمة إلى جمع الشمل، لا إلى تفريقه.خرجت من شرودها على صوته الدافئ، وقد اقترب منها بابتسامة خفيفة لم ترها على وجهه منذ أيام:— إيه يا ابتهال... رحتي فين؟ إحنا خلصنا فطار من بدري.ساد الصمت للحظات، فقطعته ابتهال وهي تحاول أن تبدو طبيعية حتى لا ينكشف اضطرابها، فعادت إلى واقعها قائلة بهدوء مصطنع:— تمام يا محمد... رفيدة وشروق هيوضبوا السفرة.ثم فركت كفيها في توتر، وأخذت نفسًا عميقًا، بينما كانت تجمع شجاعتها للحديث الذي ظلت تؤجله طويلًا. رفعت عينيها إليه، وقد اختلط فيهما القلق بالأمل، قبل أن تقول بصوت خافتچج:— م

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٥( صحوة ضمير)

    ليست كل الحروب تُخاض بالصوت المرتفع، فبعضها يولد في صمت القلوب، حين تتزاحم الحقوق، ويقف الإنسان حائرًا بين واجبٍ يراه فرضًا، وآخر يغفل عنه وهو يظنه هينًا.فالعدل لا يكون بالميل إلى طرفٍ على حساب الآخر، وإنما بأن يُعطى كل ذي حقٍ حقه، دون ظلم أو إجحاف. وما أصعب أن يختل ذلك الميزان داخل بيتٍ جمعه الله بالمودة والرحمة، فيتحول الحب إلى عتاب، والسكينة إلى صراعٍ صامت، يخفيه الجميع خلف ابتساماتٍ باهتة.وفي ذلك الصباح، كانت ابتهال تقف على مفترق طرق، وقد أثقل قلبها سؤال واحد...هل سيستطيع محمد أن يرى حقها كما يرى حق والدته؟ أم أن قلبه سيظل يميل إلى كفةٍ واحدة، لتبقى الأخرى مثقلةً بالخذلان؟شعرت فريدة بقلة الحيلة أمام حديث ابنتها، فهي تعلم في قرارة نفسها أن ابتهال محقة في كثير مما تقول، لكنها في الوقت ذاته لم تكن تريد أن تؤيدها، حتى لا يتفاقم الخلاف بين الزوجين أكثر مما هو عليه.كانت تدرك جيدًا أن محمد يميل بقلبه وعقله إلى والدته وشقيقته، ويقف في صفهما حتى وإن أيقن أن زوجته هي صاحبة الحق، ليس ظلمًا لها، وإنما لأنه لا يقوى على تخطئة والدته أمام أحد. لذلك آثرت الصمت، وتركت زمام الحديث بين يديها، ب

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٤(حكمة أم)

    في منزل الابنة الكبرى، ابتهال...جلست ابتهال بعدما انتهت من تجهيز طعام والدة زوجها، وبعد أن شاركها زوجها هذا العام في إعداد بعض الأمور، لتنصرف من بينهم بخطوات بطيئة، بينما يعتصر الضيق صدرها. كانت تنظر إليه بنظرات ممتلئة بالعتاب؛ فهو الابن البار بوالدته، الذي لا يدخر جهدًا في إرضائها، لكنه – من وجهة نظرها – لا يعينها على بر والدتها كما تفعل هي مع أمه.استقرت في مجلسها، وعقلها يعيد ترتيب الكلمات التي ظلت ترددها طوال ليلتها الماضية. كانت تحدث نفسها مرارًا وتكرارًا، تبحث عن الطريقة الأنسب لفتح ذلك الحديث معه، علّها تجد سبيلًا يخفف ما يثقل قلبها، أو يمنحها بعض الراحة التي افتقدتها منذ زمن.فمنذ أن عادت إلى منزلها في الليلة الماضية برفقة ابنتيها وابنيها الصغيرين، لم تغب عن مخيلتها نظرات صغيرتيها، تلك النظرات الصامتة التي اخترقت ضميرها وأثقلت قلبها، بعدما حاولت أن تواري شعورها بالذنب وهي تترك والدتها وحدها، رغم أنها السيدة التي لم تتأخر يومًا عن مساندتها، ولم تبخل عليها بنصيحة أو عون.كانت والدتها دومًا تدفعها إلى أداء واجباتها تجاه زوجها وأسرتها، وتشجعها على بناء بيت هادئ تسوده المودة والرح

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل ٣٣( مغادرة )

    حين تضيق القلوب بمن كانت لهم وطنًا، لا يبقى للأم سوى الطريق... وحقيبةٌ صغيرة تحمل ما تبقى من عمرها. رحلةٌ موجعة بين الذكريات، تكشف كيف يتحول العطاء غير المشروط إلى صمتٍ يسبق الندم.بخطواتٍ مثقلة بالخذلان، تغادر أمٌ بيتًا أفنت عمرها في بنائه، حاملةً حقيبةً صغيرة وقلبًا أثقلته الذكريات. وبين شوارعٍ تحفظ تفاصيل عمرها، تسترجع رحلة كفاحها مع أبنائها الخمسة، وتتساءل: هل كانت التضحية تستحق كل هذا الجفاء؟تسير في الطرقات بتيهٍ ظاهر، تحمل بين يديها المتعبتين حقيبةً صغيرة تضم بعض الأغراض البسيطة التي لا غنى لها عنها. كانت الدموع تنساب من عينيها في صمت، حسرةً على ما آلت إليه حياتها مع أبنائها. لم يخطر ببالها يومًا أن تصبح كبش فداءٍ لسعادتهم، تلك السعادة التي أفنت عمرها كله وهي تحارب من أجلها.كم ابتعدت عن كل خلاف قد ينشب بينها وبين زوجات أبنائها، وآثرت الصمت حتى لا تُنغص حياة أولادها. وكم انسحبت في هدوء كلما اشتدت الصعاب، واختارت أن تتحمل الأذى وحدها حتى يظل السلام مخيمًا على بيوتهم. كم آثرتهم على نفسها، وضحت براحتها وأحلامها، ولم تطلب منهم سوى القليل من الود والاحتواء.لم تكن يومًا عبئًا عليهم،

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الخامس (آسف غير مرضي)

    ليست كل الخيبات تأتي من الأغراب، فبعضها يولد داخل البيوت التي أفنينا أعمارنا نبني دفئها بأيدينا، حتى إذا ما اشتد بنا التعب اكتشفنا أننا نقف وحدنا أمام جدران باردة لا تشبه ما حلمنا به يومًا.كانت فريدة تظن أن سنوات التضحية الطويلة كفيلة بأن تزرع داخل قلوب أبنائها شيئًا من الوفاء، وأن ذلك البيت الذي

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الرابع (حزن)

    هل ستستجدي العطف منهم؟ أم إنها ستترفّع عن هذا الألم الذي ينهش قلبها بصمت؟ابتسمت فريدة بسخرية مريرة من الأقدار التي وضعتها في مثل هذا الموقف. هي نفسها التي كان رأيها يومًا نافذًا لا يُرد، وكلمتها مسموعة بين أبنائها، ها هي اليوم تشعر أن وجودها أصبح هامشيًا، وأن رأيها لم يعد يُؤخذ بعين الاعتبار.هل ل

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الثاني (عودة إلى الواقع)

    عودة إلى الحاضر...وقفت فريدة في اشتياق أمام صورة فوتوغرافية كبيرة تحتل واجهة غرفة المعيشة، تلك الغرفة التي أصبحت عالمها الخاص ومقرها الدائم، تقضي فيها أغلب أوقاتها تستعيد ذكرياتها معه؛ ذلك الزوج الذي كان خير أنيس وجليس، ورفيق رحلة عمر طويلة تشاركا خلالها تربية الأبناء، وعاشا معًا حلو الحياة ومرارت

  • إشارة المرور الحمراء (أبناء فريدة)   الفصل الاول (نبذة من الماضي)

    كانت السيدة فريدة تجلس في ركن غرفتها الصغير، تضم طرف شالها بين أصابع مرتجفة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنهما تبحثان عن شيء ضاع منها منذ سنوات طويلة. كان الليل ساكنًا من حولها، إلا أن ضجيج الذكريات بداخلهـا كان أعلى من أي صوت. تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها لتسحبها الذاكرة إلى زمن بعيد، زمن لم

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status