All Chapters of لعبة المرايا: Chapter 21 - Chapter 30

30 Chapters

فخ العطر والحرير

عُدنا إلى الشقة، وكانت أكياس المشتريات الفاخرة تثقل كاهلي وكأنني أحمل داخلها أسراراً قذرة لا أطيق مواجهتها. كان الصمت الذي ساد في طريق العودة مشحونا بتوتر انفجاري من جهتي، وبالحيوية والنشاط من جهة راما، وكأننا في عالمين متوازيين لا يلتقيان. بمجرد دخولنا، ألقيت بالأكياس فوق الأريكة الرمادية في الصالة، وأردت الهروب فوراً إلى غرفتي، إلى كتبي الهندسية الجافة، إلى أي مساحة لا تذكرني بظهرها المرمري في غرفة القياس وبنظرات البائعات التي كانت تخترق قناعي. ​"كريم، انتظر! لا تذهب." نادتني راما وهي تخرج القطع من الأكياس بحماس طفولي يقتلني. "أخشى أن تكون بعض القياسات غير دقيقة، أو أن الإضاءة في المحل قد خدعتني. أريد أن أتأكد من مظهرها هنا، في إضاءة بيتنا." ​تجمدت في مكاني كأنني أصبت بصعقة. "راما، أنا متعب جداً.. وأريد البدء في مراجعة مادة تصميم المنشآت." تمتمتُ محاولاً التمسك بآخر خيط من المنطق. ​"عشر دقائق فقط يا مهندسنا العظيم!" قالتها وهي تضحك بصفاء مستفز، وحملت القطع واختفت في غرفتها. بقيت واقفاً في الصالة، أنظر إلى الفراغ. كانت رائحة المتجر الفاخر لا تزال عالقة في ملابسي، ورائحة عطر راما ت
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more

حد السكين

كان الصباح في الشقة يسير بإيقاع مختلف تماماً عن أي صباح عرفته في قريتي البعيدة. هناك، في القرية، الصباح له صوت، له هوية واضحة؛ صياح الديك الذي يمزق الفجر، خطوات أمي الرتيبة على بلاط المطبخ، وصوت الماء في الخزان الحديدي. أما هنا، فالصباح يبدأ بصمت مصقول ومكيَّف، صمت يشبه المتاحف ويضغط على الأذنين بطريقة مريبة، وكأن العالم خارج هذه الجدران قد توقف عن الدوران، وهذه الشقة هي المكان الوحيد الذي لا يزال يتنفس في هذا الكون الصامت. ​فتحتُ كتاب "الاستاتيكا" على الصفحة التي توقفتُ عندها بالأمس، ووضعتُ دفتري وقلمي أمامي فوق الطاولة الزجاجية في زاوية الصالة بترتيب عسكري دقيق. قلم الرصاص على اليمين، المسطرة موازية لحافة الدفتر، والكتاب مفتوح بزاوية هندسية تسمح لي برؤية الصفحتين معاً. كنتُ أعرف أن هذا الترتيب ليس إلا "وهماً"، محاولة بائسة لإقناع نفسي بأن كل شيء تحت السيطرة، لكن الوهم أحياناً يساعد على البقاء.. أو هكذا كنتُ أحاول أن أقنع نفسي. ​قرأتُ السطر الأول. ثم سمعتُ باب غرفتها يُفتح. أعدتُ قراءة السطر الأول مرة أخرى، ولم أفهم حرفاً. ​خطوات راما على السجاد الوثير لا تُسمع تقريباً، وهذا ما جع
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more

أحلامٌ في صندوقٍ خشبي

ساد الشقة في ذلك المساء هدوءٌ شفيف، صمتٌ رقيق كقشرة بيضة يخشى المرء أن يتنفس بقوة فتتحطم. وكأن المدينة في الخارج قد قررت أخيراً أن تمنحنا هدنة بعد أيام التوتر المتلاحقة التي كادت تمزق جدران أرواحنا. جلستُ في الصالة أحاول التركيز في بعض المخططات الإنشائية المعقدة، لكن ذهني كان شارداً، يلاحق ظل راما التي كانت تتحرك بخفة في المطبخ المفتوح وهي تعدّ شاي الأعشاب. لم تكن هناك موسيقى، ولا ضجيج تلفاز، فقط صوت غليان الماء وحفيف خطواتها الرقيقة فوق السجاد، وهو إيقاعٌ أصبح، بمرور الوقت، يسكن أعماق ذاكرتي السمعية، وكأنه نبض البيت الخفي. ​"كريم، هل يمكننا أن نتحدث قليلاً؟ بعيداً عن صخب الدراسة وأخبار أحمد التي لا تنتهي عن البورصة؟" ​التفتُّ إليها، كانت قد وضعت صينية الشاي الصغيرة على الطاولة الخشبية وجلست على الأريكة المقابلة، ضامةً ساقيها إلى صدرها بعفوية تامة، وتمسك بالكوب الساخن بين كفيها وكأنه مصدر الدفء الوحيد في هذا العالم الواسع. في تلك اللحظة، لم أرَ فيها "زوجة أخي" التي تفتنني بملابسها وعفويتها الجسدية، بل رأيتُ إنساناً يبحث عن مرفأ للبوح، روحاً تفتش عن أذنٍ تسمع صراخها الصامت. ​"بالطبع
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more

مائدة الوداع الأخير

كان الصباح الأخير قبل عودة أحمد محملاً بثقلٍ كونيٍ لا يُفسر، كأن الهواء في الشقة قد فقد أكسجينه وأصبح كثيفاً لدرجة الاختناق. استيقظتُ وفي صدري غصة، زلزالٌ صامت يضرب أعماقي؛ ليس فقط لأنني سأواجه أخي غداً بكل ما أحمله من ذنبٍ بصري وروحي، بل لأنني أدركتُ بمرارة أن هذه هي الساعات الأخيرة التي سأكون فيها وحيداً مع راما في هذا الفضاء الذي أصبح مسرحاً لأكبر هزائمي النفسية. ​"كريم، بما أن أحمد سيعود غداً، فقد قررتُ أن يكون عشاؤنا الليلة مميزاً." قالت راما وهي تطل برأسها من المطبخ، وعيناها تلمعان بحماسٍ طفولي أربك كل حساباتي الهندسية. "لقد أعددتُ قائمة بالأطباق التي تحبها، وأريد أن يكون هذا العشاء تعبيراً بسيطاً عن شكري لك.. لقد كنتَ نِعم الأخ والسند في هذه الأيام الأربعة، ولولا وجودك لماتت روحي من الوحدة." ​كلمة "أخ" كانت في كل مرة تخرج من بين شفتيها تسقط على مسمعي كالنصل المحمي بالنار، تذكرني بموقعي المحرم، وتجلد ضميري ببرودتها أمام نيران مشاعري التي لا تنطفئ. ​قضت راما ساعات المساء وهي تتنقل في المطبخ بخفة غزال، وأنا أراقبها من بعيد كمن يراقب شعلةً تقترب من مخزن بارود. كانت قد ارتدت فستا
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more

عودة سيد الدار

لم يكن صوت مفتاح أحمد وهو يدور في قفل الباب مجرد إعلان عن عودته، بل كان دويّاً زلزل أركان عالمنا الهش الذي شيدناه في غيابه من خيوط الحرير والاعترافات الصامتة. كنتُ أجلس في الصالة، أدّعي الغرق في كتاب الاستاتيكا، بينما كانت راما قد استعدت منذ الفجر؛ ارتدت فستاناً بسيطاً لكنه أنيق يبرز قوامها الذي لم يغب عن خيالي لحظة، ووزعت عطر الفانيليا في أرجاء الشقة لتخنق رائحة "الوحدة" الحميمية التي تقاسمناها. ​انفتح الباب، ودخل أحمد حاملاً حقيبته الجلدية وهالة من الإرهاق والجدية التي تميز رجال الصفقات. وقفتُ بآلية، وشعرتُ بقلبي يقرع في صدري كأنه وحش يوشك على تحطيم ضلوعي وفضح كل ما رأته عيناي؛ من الحلمة الوردية المرتجفة في الفجر إلى ملمس الظهر العاري في غرفة القياس. ​أما راما، فقد اندفعت نحوه بعفوية تامة، وضمت ذراعيه وهي ترحب به بابتسامة باهتة: "الحمد لله على سلامتك يا أحمد! الشقة كانت موحشة تماماً بدونك." ​قبّل أحمد جبينها ببرودٍ ميكانيكي، ونظرة عينيه كانت تجوب الصالة كأنه يتأكد من سلامة "ممتلكاته"، دون أن يلحظ الوميض المضطرب والذعر المخفي في عيني زوجته. "شكراً يا راما. كانت رحلة شاقة، والاجتما
last updateLast Updated : 2026-05-27
Read more

الغداء المسموم

كانت مائدة الغداء عامرة بكل ما لذّ وطاب، تفوح منها روائح التوابل التي أعدتها راما بعناية فائقة احتفالاً بعودة زوجها، لكن بالنسبة لي، كانت تلك الروائح تختنق برائحة "الفانيليا" التي لا تزال تسكن ذاكرتي الحسية وتطارد أنفاسي. جلسنا نحن الثلاثة في صمتٍ مريب، لم يقطعه سوى رنين أدوات المائدة المعدنية فوق أطباق البورسلين، صوتٌ كان يقع على أذني كأنه مطرقة تحطم ما تبقى من ثباتي المنهار. أحمد كان يتحدث بنشوة وثقة مطلقة عن نجاح رحلته، وعن الأرقام والصفقات التي حققها، بينما كانت راما توزع نظراتها بيننا بارتباكٍ لم تعهده من قبل، وكأنها تشعر بالكهرباء الساكنة التي تملأ هواء الغرفة لدرجة الانفجار. ​"أنت لا تتخيل يا كريم كيف تُدار الأمور في مراكز القرار المالي." قال أحمد وهو يقطع قطعة من اللحم ببرودٍ وثقة، وكأنه يشرح معادلة رياضية لا تقبل الخطأ. "الهندسة تشبه البنوك؛ إذا لم تكن قواعدك صلبة، سينهار كل شيء فوق رأسك. لهذا أنا سعيد لأنك تقضي وقتك هنا في هدوء لتأسيس مستقبلك." ​نظرتُ إلى أحمد، ثم انزلقت عيناي نحو راما التي كانت تحاول رسم ابتسامة باهتة وهي تضع طبقاً آخر أمام زوجها بيدٍ مرتعشة. في تلك اللحظ
last updateLast Updated : 2026-05-28
Read more

غبار المواجهة الصامتة

غادرتُ غرفة الطعام وصدى نشيج راما المكتوم يلاحقني كأنه صرخةٌ في وادٍ سحيق، صرخةٌ تخترق ضلوعي وتمزق ما تبقى من قناعي البارد. دخلتُ غرفتي وأغلقتُ الباب، لكن الجدران الخرسانية لم تكن كافية لعزل التوتر الانفجاري الذي زلزل أركان الشقة. كنتُ أسمع في الخارج صوت أحمد الغاضب، صوته الرجولي الخشن وهو يروح ويجيء، ووقع خطواته الثقيلة فوق الرخام كان يترجم حجم الإهانة التي طعنت كبرياءه كـ "كبير للعائلة". ​"هل رأيتِ؟" هدر صوت أحمد وهو يوجه الكلام لراما بحدة. "هذا هو جزاء الإحسان! نفتح له بيتنا، وتخدمينه بعينيكِ، وفي النهاية يقرر الرحيل هكذا.. دون مقدمات، وبحججٍ واهية عن المختبرات والدراسة! هل يظنني أحمق لا أفهم أن هناك شيئاً آخر خلف هذا القرار؟" ​لم أسمع رداً من راما، بل سمعتُ فقط صوت إغلاق باب غرفتها بقوة، دويٌّ أعلن انسحاب الملاك المنكسرة إلى صومعتها، تاركةً الرجلين يتصارعان؛ أحمد مع ذنبٍ لا يدرك منه سوى قشور "الكرامة الجريحة"، وأنا أكتوي بنار الحقيقة كاملةً تحت جفوني. ​بعد دقائق، لم يطرق أحمد الباب، بل دفعه بعنفٍ هزّ أركان الغرفة. كان وجهه محتقناً كدمٍ محبوس، وعيناه تلمعان بشرر الشك والعتب. وقف
last updateLast Updated : 2026-05-28
Read more

ممر الهروب الأخير

كان الفجر يزحف ببطء كئيب فوق جدران الشقة الصامتة، حاملاً معه برودةً غريبة لم تكن برودة طقس، بل كانت صقيع النهايات الذي يسكن العظام. وقفتُ في غرفتي أحكم إغلاق حقيبتي الأخيرة؛ كان صوت "السحاب" المعدني وهو يزحف ليغلق الحقيبة يشبه إغلاق فصلٍ كامل من حياتي قبل أن يبدأ فعلياً. لم أذق طعم النوم لدقيقة واحدة؛ قضيتُ الليل أراقب عقارب الساعة كأنني أعدُّ الدقائق المتبقية قبل لحظة القصاص.. أو لحظة النجاة من غرقٍ محقق في بحر الفانيليا. ​حملتُ حقائبي وخرجتُ إلى الممر بخطواتٍ حاولتُ أن تكون صامتة كي لا أوقظ أحمد، لكنني كنتُ أعلم في أعماقي أن أحداً في هذا البيت لم ينم؛ فالأرواح كانت معلقة بخيوط التوتر. وبمجرد أن اقتربتُ من الباب، انفتح باب غرفتها ببطء، وخرجت راما. ​كانت تبدو كطيفٍ هائم في ذلك الضوء الخابط؛ وجهها شاحب كالقمر في محاقه، وعيناها اللتان لم تعرفا الهجوع غارقتان في حزنٍ صامت يمزق نياط القلب. لم تكن تبكي، بل كانت تنظر إليّ بنظرة تساؤلٍ وجودي عميق، نظرة تبحث عن إجابة في حطام الوعود التي لم تُنطق قط، واللمسات التي كادت أن تقع. ​"هل هذا هو الوداع إذاً؟" همست بصوتٍ واهن، صوتٍ جرحه السهر والان
last updateLast Updated : 2026-05-28
Read more

جدران الصدأ والذاكرة

لم تكن جدران غرفتي في السكن الجامعي تشبه تلك التي فارقتها في شقة أحمد؛ هنا، لا وجود لطلاء "الأوف وايت" الناعم ولا لوحات الفن التجريدي التي كانت راما تعتني بنظافتها بيديها الرقيقتين كل صباح. كانت الجدران هنا متعبة، تتآكل أطرافها بلونٍ رمادي كئيب يذكرني بلون السماء قبل هطول مطرٍ حزين، وسقفي لم يكن يخبئ الثريات الكريستالية، بل كانت تقطعه أسلاك كهربائية مكشوفة تشبه الشرايين النابضة في جسدٍ مريض.. تماماً كأعصابي التي ظلت مكشوفة أمام طيفها. ​استلقيتُ على سريري الحديدي الذي يصدر صريراً حاداً مع كل حركة، كأنه يصرخ اعتراضاً على وجودي. شعرتُ بخشونة اللحاف الرخيص تحت يدي، فكانت تلك الخشونة هي "الصفعة" الحقيقية التي أحتاجها الآن لأستفيق من حلم الرخام والحرير وعطر الفانيليا. ​كان اليوم التالي في كلية الهندسة طويلاً ومرهقاً بشكلٍ متعمد؛ فقد اخترتُ أن أجلس في المقاعد الأولى، محاصراً بالأرقام والمخططات، محاولاً إقناع عقلي بأن مستقبلي يكمن في "قوانين الاستاتيكا" و"توازن القوى". كنتُ أحاول دفن "كريم" الذي كان يرتجف أمام رائحة الأوركيد تحت أكوام من الملاحظات التقنية. لكن، وبمجرد أن يسكن الضجيج، كان طي
last updateLast Updated : 2026-05-28
Read more

ظلالٌ خلف العدسة

استيقظت راما في ذلك الصباح على سكونٍ لم تعهده من قبل؛ سكونٌ ثقيل لا يقطعه صرير قلم كريم فوق الأوراق الهندسية، ولا وقع خطواته الهادئة وهو يتجه نحو المطبخ ليعدّ قهوته المرة التي كانت رائحتها تملأ الممر كل فجر كطابعٍ للطمأنينة. كانت الشقة تبدو شاسعة بشكلٍ موحش، وكأن الجدران قد تباعدت عن بعضها البعض لتعمق إحساسها بالوحدة، وتذكرها بأن الفراغ الذي تركه رحيل "الأخ" لا يمكن ردمه بالصمت. ​وقفت راما في وسط الصالة، حيث كانت خيوط الشمس تتسلل عبر الستائر المخملية لترسم خطوطاً ضوئية فوق الرخام البارد، لكن الضوء بدا لها باهتاً، خالياً من تلك الحيوية التي كان يضفيها وجود كريم. تذكرت كلماته الأخيرة التي كانت تدوي في رأسها كصاعقة: "افتحي ذلك الصندوق، لا تتركيه مغلقاً للأبد". وبأيدٍ مرتعشة، سحبت الصندوق الخشبي القديم من أقصى زاوية مظلمة في الخزانة، وأصدر القفل صريراً حاداً كأنه يئن من هجرٍ طال خمس سنوات؛ رائحة جلدٍ قديم وغبار، رائحة أحلامٍ نُحيت جانباً لتفسح المجال لواقعٍ رتيب. ​أخرجت الكاميرا الاحترافية وعدساتها التي بدت كعيونٍ تنتظر من يوقظها من سباتها. مسحت الغبار عن جسد الكاميرا الأسود، وشعرت وكأن
last updateLast Updated : 2026-05-28
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status