LOGINجئتُ إلى العاصمة بحلمٍ واحد. غادرتُها بجرحٍ لا اسم له. أخي هو من فتح لي الباب. لكنّها هي من فتحت في صدري ما لم أعرف أنه موجود. نظرةٌ واحدة، ورائحة فانيليا لن أنساها حتى الممات، وعالمي كله انقلب رأساً على عقب. راما. زوجة أخي. ثلاث كلمات تكفي لتجعل كل ما أشعر به جريمة. لم تفعل شيئاً. لم تقصد شيئاً. وهذا — والله — هو الأصعب. لأن الإنسان يستطيع أن يكره المتلاعبة، لكن كيف يكره البريئة؟ كيف يحارب امرأة سلاحها الوحيد أنها لا تعرف أنها تدمّره؟ كنتُ أبني الجدران، فتهدمها بابتسامة. كنتُ أهرب، فيعيدني عطرها. كنتُ أقسم أنني أقوى من هذا، فتلمسني يدها بالخطأ وأعود من الصفر. وحين ظننتُ أن الأمر لا يمكن أن يزداد سوءاً — اكتشفتُ السر. سرٌّ عن أخي. عن البيت. عن كل من أحببتُ وثقتُ بهم في هذه الحياة. ومنذ تلك اللحظة، أصبحتُ أحمل ما يكفي لأحرق الجميع — بمن فيهم أنا. هل سأصمت وأرى راما تعيش كذبةً لا تستحقها؟ أم سأتكلم وأدمّر كل شيء بيدي؟ وفي الوقت الذي كنتُ أصارع فيه نفسي — كانت الأقدار تطبخ مفاجأةً لم يكن أحدٌ منّا مستعداً لها. لعبة المرايا — حين يصبح الصمت أخطر من الاعتراف.
View Moreاتصلتُ بكريم في صباح الأربعاء وطلبتُ أن نلتقي. لم أشرح السبب بالكامل في الهاتف، فقط قلتُ إنني أريد أن أراه، وهو قال نعم دون أن يسأل كثيراً، وهذا وحده قال لي شيئاً عن الرجل الذي أصبح. اخترتُ مقهى قريباً من بيتي، مكان بسيط بلا ضجيج، النوع الذي يسمح للكلام أن يُقال بالحجم الصحيح. وصل في الوقت المحدد. رأيتُه من بعيد قبل أن يراني، ولاحظتُ ما لاحظتُه منذ اللقاء الأخير: رجل يمشي بطريقة مختلفة عن بداية هذه الأزمة كلها. أكثر استقراراً في الأرض، كأن قدميه باتا تعرفان على أي أرض تقفان. جلس أمامي وطلب قهوة، وبدأنا بالحديث القصير الذي يسبق الحديث الحقيقي. "كيف الاختبار؟" سألتُ. "النتيجة الأسبوع القادم. لكن أشعر أنه كان جيداً." "وراما؟" رفع عينيه نحوي حين سمع الاسم، لا من مفاجأة بل من تنبه. "بخير. حصلت على الوظيفة وبدأت الأسبوع الماضي." "سمعتُ." قلتُ. وصمتُّ لحظة. "أريد أن أقول لك شيئاً، كريم. شيئاً فكّرتُ فيه منذ وقت ولم أُسمّه بصوت عالٍ لأحد." نظر إليّ بعيون تستمع. "راما." بدأتُ ببطء، أختار الكلمات بعناية. "حين كانت في بيت أحمد وكانت تأتي معه في الزيارات العائلية، كنتُ أراها وأشعر بشيء
حجزتُ الموعد دون أن أُخبر أحداً. ليس سراً بالمعنى الثقيل للكلمة، بل قرار شخصي اتخذتُه وحدي، كما تُتخذ القرارات التي تخص الإنسان في عمقه دون أن تحتاج إعلاناً أو مباركة من أحد. وجدتُ الاسم عبر توصية طبيب صديق، دكتور متخصص في الصحة النفسية، مكتبه في منطقة هادئة من المدينة. وصلتُ قبل الموعد بخمس دقائق، جلستُ في الردهة الصغيرة أمام باب مغلق وأنا أُفكر في الأسئلة التي قد تُطرح عليّ والإجابات التي قد أقولها. ثم توقفتُ عن التفكير لأنني أدركتُ أن التحضير لجلسة مع محلل نفسي يُشبه نوعاً من التحكم الذي كنتُ أمارسه في كل شيء، والغرض من الجلسة بالضبط هو التخلي عن هذا التحكم لفترة. فتح الدكتور الباب في الوقت المحدد تماماً. رجل في الخمسينيات، وجهه يحمل هدوءاً لا يبدو مصطنعاً، نوع الهدوء الذي يأتي من سنوات طويلة من الجلوس مع الناس والاستماع لما يصعب قوله. "أحمد؟ تفضل." المكتب كان بسيطاً أكثر مما توقعتُ، كرسيان مريحان، طاولة صغيرة، نافذة تُطل على شارع هادئ. فقط غرفة تدعوك لأن تجلس. "أخبرني لماذا جئتَ." قال الدكتور ببساطة. "مررتُ بفترة اتخذتُ فيها قرارات لا أفخر بها." قلتُ أخيراً. "وانتهت تلك الف
في مساء الثلاثاء، بعد أسبوع من العشاء وثلاثة أيام من انتظار نتيجة الاختبار التي لم تصل بعد، جلسنا أنا وراما في شقتها وتحدثنا بطريقة مختلفة عن كل المرات السابقة. لم يكن الحديث عن الأزمة ولا عن أحمد ولا عن الأسابيع الماضية. كان حديثاً عن المستقبل البعيد الذي لا تزال ملامحه ضبابية ولم نتحدث فيه بصدق من قبل لأن الحاضر كان دائماً يملأ كل المساحة. بدأ الأمر بسؤال بسيط طرحتُه دون أن أُخطط له. "ماذا تريدين بعد سنة من الآن؟" نظرت إليّ راما للحظة كأنها تتأكد أنني أسأل بجدية. "سنة من الآن؟" "نعم. ليس غداً ولا الأسبوع القادم. بعد سنة." فكّرت بصمت لدقيقة كاملة. ولم أملأ الصمت بكلام لأن السؤال كان يستحق وقتاً حقيقياً. "أريد أن أكون في العمل بشكل مستقر." قالت أخيراً. "بعد أن تنتهي فترة التجربة وأعرف أنني بقيتُ لأنني جيدة لا لأنهم لطيفون. وأريد أن أكون على التواصل الطبيعي مع أمي الذي لا يحتاج مناسبة لكل اتصال." توقفت. ثم أضافت بصوت أخفض قليلاً: "وأريد أن أعرف ماذا نحن، أنت وأنا، بشكل أكثر وضوحاً مما نحن عليه الآن." جملتها الأخيرة وقعت في الغرفة بثقل لم تُخففه ولم تستعجل في شرحه. "ماذا تقصدي
أخبرني كريم بتفاصيل العشاء حين عاد في مساء الجمعة، جلسنا على الكنبة في صالتي وهو يحكي ببطء مدروس، كأنه يُعيد بناء المشهد في ذهنه أولاً قبل أن ينقله إليّ. أسمعه يصف الصالة والكراسي المعتادة وكيف وصل أحمد قبله، ونصف ساعة الصمت الذي لم يكن ثقيلاً بالطريقة التي كانا يخشيانها. أسمعه يحكي عن الضحكة التي خرجت منهم جميعاً دون أن يُخطط لها أحد، تلك الضحكة التي جاءت على جملة بسيطة قالتها أمه عن الجيش. وكيف أن أحمد وكريم التقت عيناهما في تلك الثانية وكلاهما يضحك. استمعتُ بتركيز حقيقي، لكن في مكان ما من داخلي كان هناك شيء آخر يعمل بالتوازي، شيء لم أُسمّه حتى انتهى كريم من كلامه وجلس ينتظر ردّي. بقيتُ صامتة للحظة أطول من المعتاد. "أنتِ بخير؟" سأل. "نعم." قلتُ. ثم بعد ثانية طويلة أضفتُ: "أشعر بشيء لم أكن أتوقعه." "ماذا؟" نظرتُ إلى الجدار أمامي وحاولتُ أن أجد الكلمات الصحيحة. "أشعر بنوع من الوحدة." قلتُ أخيراً، والكلمة خرجت بهدوء لا بحزن. "ليس منك، ولا من أي شيء فعلته. لكن وحدة غريبة من أنني لن أكون أبداً جزءاً من تلك الغرفة بالطريقة التي كنتَ أنتَ فيها الليلة." توقفتُ لحظة ثم تابعتُ. "تلك ا
قضيت تلك الليلة في جحيم لا يُطاق، أتقلب فوق السرير الواسع الذي بدا وكأنه ساحة معركة لأفكاري المحرمة، بينما تلفني ملاءات باردة لا تمنحني أي عزاء. كلما أغمضت عيني، رأيت نظرات راما وهي تتفحص جسدي، وشعرت برنين صوتها المبحوح وهو ينطق اسمي، يخترق صمتي كسهم ملتهب. كنت أسمع خطوات أحمد المكتومة في الممر، خف
كان مشهد احتضان أحمد لزوجته ينبغي أن يكون دافئاً، لكنه بالنسبة لي كان كصب الزيت على حريق اندلع في أعماقي. وقفت هناك، متجمداً كتمثال من جليد، وعيناي مسمرتان على يد أحمد التي استقرت بملكية مطلقة على خصر راما.. الخصر ذاته الذي كاد يذهب بعقلي قبل ثوانٍ. كان أحمد نقيضه تماماً؛ ببدلته الرسمية ورائحة ال
فتحت الباب.لم تكن ربة البيت العادية التي تخيلتها في ذهني طوال رحلة القطار المتعبة. كانت شيئاً آخر تماماً. كانت تقف هناك، تؤطرها إضاءة المدخل الدافئة، ترتدي ثوباً منزلياً حريرياً بلون الياقوت الداكن. قصير. قصير لدرجة أن قلبي توقف عن النبض لثانية كاملة. انسدل الحرير على جسدها بنعومة قاتلة، لا يخفي
في صباح اليوم التالي، كان جحيمي لا يزال مستمراً، بل وتطور ليتخذ شكلاً جديداً من العذاب المنظم الذي لا مفر منه. كنا نجلس ثلاثتنا حول مائدة الإفطار؛ أحمد يرتشف قهوته وعيناه مسمرتان على شاشة جهازه اللوحي يتابع مؤشرات الأسهم ببرود، وراما تجلس قبالتي، تقضم قطعة من الخبز المحمص وتدندن مع الموسيقى الهادئة






reviews