جميع فصول : الفصل -الفصل 140

141 فصول

131

يتطلع سادن إليها بـملامح صخرية حادة، مستنكراً بـشدة تلك البراءة المزيفة التي ارتسمت بـبراعة على وجهها، بـينما راحت هي تلوح بـيديها بـعفوية مصطنعة، وتردد بـرقة ونبرة هادئة - وإيه المشكلة بس يا حبيبي؟ حقها طبعاً تفرح.. طنط مارتينا عاشت عمرها كله في حزن، ومن حقها تعوض كل السنين دي بـيوم تفتكره .. متقفلهاش في وشها بقى انتقل سادن في جلسته لـيجلس بـالمواجهة تماماً بـجوار فيروز، مضيقاً ما بين عينيه الرماديتين بـشك لا يرحم؛ فـهو يحفظ كل خلية في وجهها، ويعلم جيداً نظرات المكر اللذيذة تلك التي تخفيها وراء رموشها، فـعيونها النيلتية تلتمع الآن بـشرارات الشغب والمؤامرات النسائية التي يعشقها، ولكنها تثير جنونه في آن واحد. سألها سادن بـنبرة خافتة تحمل الكثير من الحذر والوعيد الدافئ - فجر.. ركزي معايا كدة وبـلاش لف ودوران.. هو أنتِ ليكِ يد في موضوع الفرح والـمهرجان اللى والدتي بـتتكلم فيه ده؟ اتكلمي بـصراحة. تـلجلجت فيروز بـارتباك طفولي، واهتزت نظراتها وهي تحاول النفي جاهدة بـحركات سريعة من رأسها، فـهي في مأزق حقيقي؛ والأسوأ من ذلك، أنه ليس لديها أي طاقة أو قدرة على الركض والهروب منه الآن كما ك
اقرأ المزيد

132

اجتمع الأهل والأقارب في المساء البهيج؛ لـحضور ذلك الحفل العائلي الرقيق والدافئ، الذي شهد ميلاداً جديداً لـروحٍ طاهرة.. ميلاد رقية، الاسم الجديد الذي اختارته فيروز لـمارتينا بـكل حب ونقاء، ليصبح واجهتها الجديدة نحو دنيا الإيمان. ولم يكن الحفل مجرد إشهار لإسلامها فحسب، بل كان بـالفعل حفل توثيق لعشقٍ جارف طال لـسنوات طويلة مضت، تآمرت عليها الظروف والمسافات بـالقسوة، دون أن ينقص من طهارته أو صدقه ذرة واحدة؛ بل إن ذلك العشق ازداد بـمرور الأيام وتضاعف حتى بلغ ذروة الـهيام الليلة. أطلت رقية بـطلتها الملائكية الساحرة، ترتدي فستانها الأبيض الرقيق الفضفاض الذي جعلها تبدو كـقطعة من الغيم، ويحيط بـوجهها حجابها الحريري الناصع الذي يزينه تاج ماسي صغير وراقٍ فوق رأسها، فـخطفت بـالفعل قلب ماجد وعقله منذ الوهلة الأولى. تسمر ماجد في مكانه بـذهول عاشق عاد إليه شبابه لـلتو؛ وفور أن وصلت إليه وباتت أمام عينه، تقدم منها بـخطوات مرتعشة من فرط الجلال، وانحنى يطوق كتفيها بـحنو جارف وطبع قبلة عميقة، لاهفة على رأسها طالت لـثوانٍ، وكأنه يختزل فيها اعتذار السنين. ثم اقترب أكثر، وراح يعزف بـهمسات ونبرات صوته ال
اقرأ المزيد

133

دلف سادن من باب الفيلا بـخطوات مثقلة بـالتعب؛ فـقد عاد من العمل الليلة الماضية في وقت متأخر بـسبب ضغط الصفقات المعلقة، ورغم ذلك الـإنهاك الذي ينهش جسده، اضطر لـلذهاب لـلشركة في الصباح الباكر بـلا نيل قسط كافٍ من الراحة. كان جسده يطالب بـالنوم، لكن روحه كانت تتلهف لـرؤية ملاكه. ولم تكد عيناه ترتفعان نحو السلم، حتى تلاشت كل ذرة تعب من كيانه؛ وجدها في إنتظاره عند منتصف الدرج، تقف بـشموخ طفولي عذب، واضعة كفيها الصغيرتين في وسطها بـتحدٍّ صارخ، بـينما بطنها المنتفخة بـجنينهما تتقدمها بـشكل لطيف. كانت تبدو في هيئتها تلك كـطفلة مشاكسة تتصنع الغضب بـبراعة لـتخطف قلبه، مزمجرة بـشفتيها الكرزيتين بـدلال لا يقاوم. صعد سادن درجات السلم بـسرعة هائلة اختصرت كل مسافات الشوق بـداخله؛ تطلعت عيناه الرماديتان لـتلك الحورية التي بدت في عينه كـقطعة شوكولاتة شهية غارقة في اللذة، واجتاحته رغبة لاهبة في قضمها وضّمها إلى صدره بـعنف عاشق يود لو يخبئها بـين ضلوعه. اقترب منها حتى تلامست أنفاسهما، وانحنى يطبع قبلة عميقة، حارة على جبينها بـعشق جارف، مردداً بـنبرة رجولية دافئة أذابت جمود الموقف - الجميل واقف الوق
اقرأ المزيد

134

شعر سادن بـغليان مرعب، وكأن الدماء تفور وتغلي في عروق رأسه بـهستيريا؛ ضغط على فكه بـغيظ وغضب أعمى، وشعر بـأن هناك فخاً قذراً قد نُصب له بـإحكام لـتدمير بيته، ليردد بـصوت متحشرج - إيه الكلام الفارغ والقذارة دي؟ أنتِ.. أنتِ بـعقلك ونقائك تصدقي التفاهة والفوتوشوب ده؟! تعالي بس هنا وأنا هـفهمك الملعوب ده وراه إيه مسحت فيروز دموعها بـكف متمرش، لتردد بـنبرة حاسمة، ميتة تفيض بـالانكسار الصامت - أصدق ولا مـأصدقش مـبقتش تفرق معايا في حاجة يا سادن.. أنا قولتلك ويوم إلا الخيانة.. وأنت خنتني وكسرت ظهري.. طلقني يا سادن.. طلقني وسبني في حالي.... سيبنى ارجع لاهلى هنا.. تخطت فيروز كل الحدود الحمر معه، لـينقشع قناع الصبر ويظهر ذلك الوجه الآخر المرعب لـسادن الأسيوطي، الوجه الذي تراه وترتعد منه لـأول مرة في حياتها. تقدم منها بـخطوات فهد هائج، وردد بـصوت جهوري متوعد، وعروق وجهه ناتئة من شدة غضبه - أنتِ أكيد اتجننتي...... طلاق إيه البـتنطقي اسمه في بيتي وعمرك الـ مربوط بـعمري؟!ليه مـش عاوزة تشغلي عقلك وتفهمي؟ قولتلك اسمعيني وأنا هـفهمك انهارت فيروز انهياراً كاملاً تلاشت معه كل قواها، وجعلت الدموع
اقرأ المزيد

135

استقلت فيروز السيارة بـخطوات واهية منكسرة بـجوار كايلا، وقد صممت بـعناد وكبرياء جريح على إرتداء إحدى فساتينها القديمة البسيطة، رافضة أن تحمل معها أي قطعة ثياب أو مجوهرات اشتراها لها سادن بـأمواله؛ والتفتت لـتطلب من السائق بـصوت متهدج، مخنوق بـالدموع، التوجه فوراً لـمنزل شقيقتها فريدة. بـينما في الناحية الأخرى، كان سادن يقف في شرفة الجناح بـجسده الفخم كـتمثال من صخر، وعيناه الرماديتان تشتعلان بـالعجز والقهر وهو يتابع خروجها؛ كان يشعر بـالفعل بـهجران روحه له، وبـأن نبضات قلبه تُسحب من صدره بـالقوة. تضاعف الألم ويمم النيران في ضلوعه كلما تحركت السيارة بـعاطفة مبتعدة عنه، حتى اختفت بـالكامل عن الأنظار خلف أسوار الفيلا، لـيضرب بـقيد كفه على سور الشرفة الحديدي، واضعاً رأسه بـينهما وهو يشعر بـتمزق قلبه وتفتته كـالرماد. بعد قليل، دلفت فيروز إلى شقة شقيقتها بـخطوات متعثرة، وصحبتها فريدة إلى الغرفة بـلهفة؛ كانت فريدة تشعر بـالألم والتمزق الداخلي لـرؤية حالتها الانهيارية الشديدة وشحوب وجهها الذي يطرد العافية، ولكنها لم تكن تملك في يديها شيئاً سوى محاولة التخفيف عنها فقط بـالكلمات الدافئة واللم
اقرأ المزيد

136

اليوم هو ميعاد المتابعة الطبية الهام والخاص بـحملها؛ حضرت كايلا بـلهفة حارقة إلى منزل فريدة لـكي تصطحبها إلى الطبيب والاطمئنان على صحة الجنين، ولكن فيروز فاجأتها بـرفض قاطع، شديد، مستميت لـلخروج من الغرفة أو مفارقة فراشها، متمسكة بـعزلتها بـشكل يثير الضيق. ​أمام هذا العناد، اقتربت كايلا منها بـحذر لـتتفاجأ بـمنظرها الصادم؛ لاحظت شحوب وجهها الشديد الذي بات كـورقة بيضاء خالية من دماء العافية، وعيونها النيلتية الساحرة التي انطفأ بريقها تماماً بـعد أن أُحيطت بـتلك الهالات السوداء القاتمة من فرط السهر والقهر. ​لم تحتمل كايلا رؤية شقيقة روحها بـهذا المنظر المأساوي؛ فـخرجت من الغرفة على الفور بـخطوات متسارعة، وتوجهت نحو المطبخ لـتسأل فريدة بـاندفاع وخوف حقيقي تلمسه بنبرتها - فريدة.... فيروز شكلها متغير خالص وتعبان بـشكل يرعب.. هي مـش بتاكل كويس؟ إيه الهالات والشحوب الـلى في وشها ده؟ ​هزت فريدة رأسها بـقلة حيلة ونظرات مكسورة، لـتردد بـألم ومرارة وعيناها تترقرق بـالدموع - من يوم ما جت هنا يا كايلا.. كل اللى أكلته لا يذكر، لقم بـالعافية عشان بس البيبي الـلى في بطنها.. غير كدة مفيش على لس
اقرأ المزيد

137

يفحصها الطبيب بـجهاز السونار بـتمهل، وعيناه ترتكزان على الشاشة بـتركيز شديد، بـينما أخذ يطلق زفرات خافتة ويبدي علامات واضحة من عدم الرضا والقلق، مما جعل الأجواء داخل غرفة الكشف تزداد توتراً. انتهى الطبيب من الفحص، وهو يلاحظ بـذكائه الإكلينيكي ذلك التوتر الرهيب والذعر الذي يجتاح وجدان سادن، بالرغم من محاولات الأخير المستميتة لإخفاء مشاعره خلف قناع البرود الصخري والجمود واللامبالاة المصطنعة. نهض الطبيب متوجهاً إلى مكتبه الفخم، تاركاً لـفيروز بعض الخصوصية لتعديل ملابسها بـمساعدة الممرضة. تحرك سادن بـخطوات لاهثة وجلس أمامه على المقعد، ولم يعد قادراً على الصمود أكثر، فـسأله بـلهفة حارقة ونبرة رجولية مرتعشة - خير يا دكتور طمني.. فيروز فيها حاجة؟! ابني جرى له حاجة بـسبب قلة أكلها؟ عدل الطبيب من وضع نظارته الطبية فوق جسر أنفه، ثم ردد بـعملية هادئة وجادة - بـصراحة يا بشمهندس سادن، أمور المدام الزيارة دي مش تمام خالص بـالمقارنة بـالشهور الفاتت.. ضغطها واطي لـدرجة خطيرة ومقلقة، وكمان خاسة اتنين كيلو كاملين في أسبوع واحد، وده مؤشر مش كويس لـجنين في مرحلة نمو. ابتلع سادن تلك الغصة المُرّة ال
اقرأ المزيد

138

استقلت فيروز السيارة بـخطوات واهية ثقيلة، وجلست بـجوار سادن كـالغريبة؛ لم تلتفت إليه ولم تنظر في عينيه بـالرغم من قربه الطاغي الذي يزلزل كيانها، بل آثرت الهروب بـملامحها المشحونة بـالوجع لتستند بـرأسها المثقل على زجاج النافذة البارد. كان يتأملها بـطَرف عينيه، فيشعر بـأن روحها قد غادرت جسدها وبـأنها باتت تعيش في عالم آخر مجهول لا يملك مفاتيحه. أغمضت عيونها النيلتية بـأسى واستسلام تام لـتلك الدوامة السوداء العنيفة من الشك والوجع التي سقطت بـداخلها بـلا رحمة. التفت سادن نحو الأمام، وبـنبرة رجولية حازمة منخفضة، أمر السائق بـالتمهل الشديد في القيادة وتفادي أي مطبات أو اهتزازات في الطريق؛ فـهو لم يكن أعمى، بل كان يرى وهنها وجسدها المرتجف، ويلمح امتعاضة الألم والـتعب الـ مرت على وجهها النقي بـفعل هبوط ضغطها، مما كان يسبب له نغزات حارقة، قاتلة في يسار صدره إثر ألمها وفجيعتها.. فـألمها هو ألمه بـالضعف. بعد مدة من السير الوئيد الصامت، وقفت السيارة الفارهة بـانسيابية أمام بوابة الفيلا الفخمة؛ أفاقت فيروز على صوته الرجولي الرخيم وهو يوجه لها الحديث بـشكل مباشر لـلمرة الأولى منذ صعودهما، مردداً
اقرأ المزيد

139

تتمدد فيروز على الفراش الوثير بـجسدها الذي أثقله الحمل في شهوره الأخيرة، وتستند بـرأسها على الوسائد الحريرية، تاركة عينيها النيلتية تسبحان في سقف الغرفة، لـتستعيد بـتفصيل تفاصيل ذكريات ذلك اليوم المشهود؛ فـتطفو على شفتيها الكرزيتين ابتسامة عذبة تفيض بـالانتصار والتشفي. تتذكر كـيف انتفض سادن كـالأسد الهائج لـينتقم لـكرامتها وعشقها الجريح من تلك الحية الرقطاء "هايدي"؛ كيف جاء بها ذليلة، مكسورة، تذرف الدموع الحارة وتتمرغ عند الأقدام تطلب العفو والغفران بـلا طائل، بـصحبة والدها الذي جثا هو الآخر بـكبريائه لـيطالب بـالرحمة بـعد أن هدده سادن بـسحقه بـالنفوذ وإعلان إفلاس شركاته بـالكامل جزاءً وفاقاً لـما اقترفته يدا ابنته الخبيثة من دمار. أما ذلك الشاب الأجير الذي اشترك معها في التقاط الصور وتزييف الحقائق، فـقد كان أهون عليه بـمليون مرة إن كان سادن قد سلمه لـرجال الشرطة والقانون، من ذلك العذاب والـجحيم الذي لاقاه وتجرعه بـين جدران المخزن المظلم على يد سادن الأسيوطي، الذي لقنه درساً في الرجولية جعل عظام جسده ترتعد بـالرعب كلما مر طيف الأسيوطي بـمخيلته. ولكن.. وبالرغم من ثبوت براءته الطاهرة
اقرأ المزيد

140

دلف سادن من باب الجناح الملكي بـخطواته العسكرية المعهودة، ملامحه الصارمة متشحة بـالتجهم والبرود كـالعادة في الأيام الماضية؛ ولم يلتفت نحوها أو يخصها بـنظرة واحدة تهدئ من روع قلبها، بل تحرك بـخطواته الواسعة ليدلف إلى الحمام مباشرة، ومنه إلى غرفة الملابس لتبديل ثيابه الرسمية بـملابس بيتية مريحة. كل هذا وفيروز تتابعه بـعيونها النيلتية الذابلة، وتشعر بـالغليان والغيظ ينهش صدرها من فرط جفائه القاسي وتجاهله المتعمد الذي بات يفوق قدرتها على التحمل؛ فـاستجمعت أنوثتها المتمردة وتوعدت له في سرها، مقررة الليلة أن تستخدم أسلحتها الأنثوية الفتاكة، والتي تدرك يقيناً أنها سـتأتي بـثمارها وتذيب جبال ثلجه. انقطع الصمت بـدخول الخادمة بـخطوات حذرة، حاملة صينية الطعام الفاخرة كـعادتهم اليومية، وبـجوارها كوب اللبن الدافئ الخاص بـالمتابعة الصحية؛ وضعتها على الطاولة جانباً بـأدب ثم انصرفت. تحرك سادن بـصمت، وحمل صينية الطعام لـيضعها أمامها على الفراش، واجفاً في أثره بـانتظار أن تتناوله بـنفسها حتى يقدم لها جرعتها الدوائية بـانتظام. ولكن، صدمته فيروز بـحركة متمردة ساحرة؛ إذ مدت يدها ونقلت الصينية بـلا مبال
اقرأ المزيد
السابق
1
...
101112131415
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status