جميع فصول : الفصل -الفصل 140

150 فصول

الفصل الحادي والثلاثون بعد المئة

لم يكن الضوء الذي انبعث من عيني سيرين مجرد وهج أبيض، بل كان نورًا نقيًا امتد داخل أرجاء المذبح حتى بدت الأحجار العتيقة وكأنها تستعيد الحياة بعد سبات امتد قرونًا، وانحنت الذئاب الثلاثة في صمت؛ الذئب الأبيض، والذئب الأسود، وحتى الذئب الحارس، وكأنهم يعترفون جميعًا بأن وريثة الشفاء قد بلغت المرحلة التي انتظرها التاريخ طويلًا.أما الرجل المظلم، فتراجع لأول مرة دون أن يدفعه أحد.اتسعت عيناه الحمراوان، وقال بصوت اختلط فيه الغضب بشيء يشبه الخوف:"لا... هذا مستحيل."أجابته الحامية الأولى وهي تنظر إلى سيرين بفخر:"إنها القوة التي خشيتها منذ البداية."في تلك اللحظة، انطلقت السلاسل السوداء التي كانت تتجه نحو كايلان، لكن ما إن اقتربت منه حتى رفعت سيرين يدها بهدوء.لم تطلق شعاعًا.ولم تصرخ.اكتفت بأن تقول كلمة واحدة:"توقفي."فاهتزت السلاسل في الهواء.ثم توقفت بالفعل.كأنها تلقت أمرًا لا تستطيع مخالفته.نظر كايلان إليها بدهشة، حتى إنه نسي ألم الجراح التي تغطي جسده.همس:"سيرين..."التفتت إليه.ورغم النور الذي غطى عينيها، بقيت ابتسامتها كما يعرفها؛ هادئة، دافئة، تبعث في قلبه الطمأنينة التي افتقدها ط
اقرأ المزيد

الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة

سقوط المذبح... وامتحان القلبلم يعد صوت انهيار المذبح مجرد اهتزازات تضرب الجدران، بل تحول إلى هدير هائل يشبه غضب جبل بأكمله، بينما أخذت الكتل الحجرية الضخمة تتهاوى من السقف تباعًا، وتناثرت الشقوق في الأرض حتى أصبحت تمتد كشبكة سوداء تحيط بعمود النور من كل الجهات، وكأن المكان الذي صمد قرونًا طويلة قد قرر أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بعد أن اقتربت اللعنة من نهايتها.وقفت سيرين في منتصف القاعة، تضم الزهرة البيضاء بكلتا يديها، بينما كانت بتلاتها تزداد إشراقًا مع كل نبضة تصدر عنها، حتى بدا أن النور الخارج منها هو الشيء الوحيد القادر على مقاومة الظلام الذي يبتلع المذبح شيئًا فشيئًا.أما كايلان، فكان يقف أمامها كالسد، والسيف الفضي بين يديه يلمع بقوة لم يعرفها من قبل، بينما وقف الذئب الأسود إلى يمينه، والذئب الأبيض إلى يساره، في مشهد لم يحدث منذ مئات السنين.نظر الرجل المظلم إليهم، ثم أطلق ضحكة قصيرة مليئة بالاحتقار."جميل... حتى الذئاب قررت تموت معاكم."رفع كايلان السيف قليلًا، وقال بصوت ثابت:"إحنا مش جايين نموت... إحنا جايين ننهي اللي بدأته."اتسعت ابتسامة الرجل المظلم."ما زلت تظن أنني أصل هذا ا
اقرأ المزيد

الفصل الثالث والثلاثون بعد المئة

قلب اللعنةلم يكن الصوت الذي دوّى في العالم الروحي مجرد صرخة غضب، بل بدا وكأنه ارتطام جبلين ببعضهما، حتى إن جذع الشجرة العملاقة اهتز بعنف، وتساقطت آلاف الأوراق البيضاء من أغصانها، بينما خرجت اليد السوداء العملاقة من أعماق الأرض ببطء مخيف، وأصابعها الطويلة المشققة تمتد نحو الختم الأسود المدفون داخل قلب الشجرة، كأنها تعرف أن تدميره هو الفرصة الأخيرة لبقاء اللعنة إلى الأبد.صرخت سيرين دون تردد:"كايلان... الختم!"لم تنتظر ردًا، بل اندفعت بكل ما بقي لديها من قوة نحو الشجرة، بينما كانت خيوط النور الأبيض تتدفق من جسدها تلقائيًا، حتى أصبحت خطواتها تترك خلفها أثرًا مضيئًا فوق الأرض.أما كايلان، فلم يفكر إلا في شيء واحد.حمايتها.قفز أمام اليد العملاقة، ورفع السيف الفضي بكلتا يديه، وما إن اصطدم نصله بالمخالب السوداء حتى دوّى انفجار هائل، ارتجت معه السماء البيضاء، واندفع جسده إلى الخلف عدة أمتار، لكنه غرس السيف في الأرض قبل أن يسقط.ضغط على أسنانه وهو ينهض من جديد.كان الألم يمزق ذراعيه.إلا أنه لم يتراجع خطوة واحدة.ضحك الرجل المظلم، وصوته يملأ العالم كله."حتى الآن... ما زلت تحارب من أجل غيرك
اقرأ المزيد

الرابع والثلاثون بعد المئة

ما بعد الضوءلم يكن البياض الذي ابتلع العالم الروحي ضوءًا يعمي الأبصار، بل كان سكونًا مطلقًا، حتى إن كايلان لم يعد يسمع دقات قلبه، ولا صوت أنفاسه، ولا صدى المعركة التي كانت منذ لحظات تهز أركان الوجود كله. بدا الأمر وكأن الزمن نفسه توقف احترامًا للحظة انتظرها هذا المكان منذ قرون طويلة.ثم...سقطت قطرة ماء.ترددت في الفراغ.وتلتها قطرة ثانية.وثالثة.فتح كايلان عينيه ببطء.كان واقفًا وسط سهل أبيض لا نهاية له، تغطيه طبقة رقيقة من الماء الصافي، تعكس السماء كما لو أنها مرآة لا تشوبها شائبة.استدار بسرعة."سيرين!"لم يجدها.ارتفع القلق داخل صدره، وتحرك بخطوات متسارعة، لكن المكان كان صامتًا بصورة مخيفة."سيرين!"تردد صوته بعيدًا.ثم جاءه الرد."أنا هنا."التفت فورًا.كانت تقف على بعد خطوات قليلة، ترتدي الثوب الأبيض نفسه، لكن النور الذي كان يحيط بها اختفى، وعادت عيناها إلى لونهما الطبيعي، إلا أن الابتسامة التي ارتسمت على وجهها جعلته يشعر للمرة الأولى منذ سنوات أن كل شيء يمكن أن يصبح بخير.اقترب منها بسرعة، حتى وقف أمامها مباشرة.ظل يحدق فيها لثوانٍ طويلة، وكأنه يتأكد أنها ليست وهمًا آخر صنعته
اقرأ المزيد

الخامس والثلاثون بعد المئة

قلب اللعنة ينبضساد الصمت داخل المذبح لثوانٍ، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا، بل ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة، حتى إن كايلان استطاع أن يسمع صوت النبض الأسود الخارج من قلب اللعنة، وكان كل خفقان يصاحبه ارتجاف خفيف في العلامة المتبقية فوق صدره، كأن الرابط بينهما لم ينقطع بالكامل بعد.راقبت سيرين وجهه باهتمام.لاحظت انقباض فكه، والعرق الذي بدأ يتجمع فوق جبينه رغم برودة المكان.اقتربت منه خطوة وهمست:"لسه بتوجعك؟"ابتسم ابتسامة صغيرة، أراد أن يطمئنها أكثر مما يطمئن نفسه."أخف من الأول بكتير."لم تقتنع.وضعت كفها فوق صدره، فوق الخط الأسود الرفيع الذي لم يبقَ من اللعنة سواه.أغمض كايلان عينيه تلقائيًا.انتشر دفء هادئ في جسده، حتى خفت الألم تدريجيًا.نظر إليها وهو يبتسم للمرة الأولى منذ بداية المعركة."إنتِ بقيتي تعرفي أنا حاسس بإيه قبل ما أتكلم."ابتسمت بخجل خفيف."علشان بقيت أعرفك."وقبل أن يضيف كلمة أخرى، دوى ضحك الرجل المظلم في أنحاء المذبح.كان ضحكًا متقطعًا، يخرج بصعوبة، لكنه ما زال يحمل كراهية تكفي لإفساد هدوء العالم كله.قال وهو ينظر إليهما باحتقار:"حتى الآن... تضيعان الوقت في كلمات لن تغير
اقرأ المزيد

الفصل السادس والثلاثون بعد المئة

تحرير الروحلم يكن الضوء المنبعث من الخط الأسود فوق صدر كايلان يشبه أي ضوء عرفه من قبل، إذ لم يكن أبيض ولا فضيًا، بل كان مزيجًا غريبًا بين النور والظل، وكأن القرون التي حمل فيها أسلافه اللعنة تحاول أن تتنفس للمرة الأخيرة قبل أن تنطفئ إلى الأبد، حتى إن الهواء المحيط به بدأ يتموج ببطء، بينما راحت الصخور المنهارة ترتفع عن الأرض ثم تعود لتستقر من جديد، وكأن العالم كله يستجيب لما يحدث داخل روحه.تراجعت سيرين خطوة دون أن تفلت يده.كانت تشعر بحرارة كفه ترتفع تدريجيًا، حتى أصبحت أنفاسه مضطربة بصورة أقلقتها.همست وهي تنظر إلى عينيه:"كايلان... بصلي."رفع بصره إليها بصعوبة.ابتسم ابتسامة صغيرة أراد بها طمأنتها، لكن الألم الذي انعكس في عينيه كان أصدق من أي كلمة.قال بصوت مبحوح:"أنا كويس..."هزت رأسها بسرعة."لا... إنت بتتوجع."وقبل أن يجيبها، انطلقت من صدره موجة ضوء جديدة دفعت الجميع عدة خطوات إلى الخلف، حتى الذئبان الأبيض والأسود اضطرا إلى غرس مخالبهما في الأرض حتى لا تجرفهما القوة المتصاعدة.أما الحامية الأولى، فقد أغمضت عينيها للحظة، ثم قالت بصوت امتزج فيه الحزن بالفخر:"اللعنة تقاوم الرحيل.
اقرأ المزيد

السابع والثلاثون بعد المئة

يسير الرجل خارج الضباب بخطوات ثابتة، حتى إن وقع قدميه فوق أرض المذبح بدا مختلفًا، خفيفًا، خاليًا من ذلك الثقل الذي لازمه منذ عرف نفسه، بينما أخذ الضوء الفضي المحيط به يخفت تدريجيًا، كأنه أدى مهمته أخيرًا، ولم يبقَ سوى رجل عاد إلى الحياة بروح لم تعد تحمل قيود الماضي.حبست سيرين أنفاسها.لم تتحرك.كانت تخشى أن يكون ما تراه مجرد وهم آخر صنعه العالم الروحي، أو اختبارًا جديدًا لم ينتهِ بعد.لكن عندما رفع كايلان رأسه، والتقت عيناه بعينيها، اختفى كل شك.لم تعد عيناه تحملان ذلك البريق المختلط بالألم والوحشية الذي لازم نظرته طويلًا، بل عاد إليهما اللون الفضي الصافي، هادئًا وعميقًا، كسماء ليلة انقشعت عنها العاصفة.همس باسمها، وصوته هذه المرة لم يكن مثقلًا بالصراع."سيرين..."لم تنتظر أكثر.اندفعت نحوه بكل ما بقي لديها من قوة، حتى وصلت إليه وارتمت بين ذراعيه، وكأنها تعوض كل اللحظات التي خشيت فيها أن تخسره، بينما أحاطها هو بذراعيه دون تردد، وأغمض عينيه وهو يستنشق أنفاسها بارتياح لم يعرفه من قبل.قال بصوت خافت وهو يضمها إليه أكثر:"انتهى..."ابتعدت قليلًا، ورفعت يدها المرتجفة نحو صدره.تحسسته ببطء
اقرأ المزيد

الثامن والثلاثون بعد المئة

العهد الجديدما إن عبر كايلان وسيرين عتبة الباب الأبيض حتى اهتز العالم الروحي بأسره اهتزازة عنيفة، وانطلقت شقوق مضيئة عبر أرضية المعبد العتيق، كأن المكان الذي احتضن اللعنة طوال قرون قد أدرك أخيرًا أن مهمته انتهت، وأن الوقت قد حان ليدفن نفسه معها إلى الأبد.توقف الاثنان لوهلة، والتفتا خلفهما في الوقت نفسه.ارتفع هدير عميق من قلب المعبد، ثم بدأت الأعمدة الحجرية الضخمة تتصدع واحدة تلو الأخرى، قبل أن تتحول إلى ذرات من نور فضي امتزجت بالغبار المتلألئ، بينما أخذ السقف ينهار ببطء، لا كأن قوة عمياء تحطمه، بل كأن التاريخ نفسه يطوي آخر صفحاته.وقفت سيرين صامتة تراقب المشهد، ثم همست وهي تشعر بقشعريرة تسري في جسدها:"خلص..."نظر كايلان إلى الأنقاض التي كانت قبل دقائق ساحة آخر معركة في حياته، ثم أطلق زفرة طويلة لم يدرك أنه كان يحتبسها منذ سنوات."أيوه..."لم يكن يصدق أنه قالها أخيرًا.انتهى كل شيء.وعندما استدارا ليكملا طريقهما، وجدا الذئبين الأسطوريين ينتظرانهما عند نهاية الممر.وقف الذئب الأبيض شامخًا، يحيط بجسده وهج هادئ، بينما وقف الذئب الأسود إلى جواره، وقد اختفت من عينيه تلك الوحشية التي راف
اقرأ المزيد

التاسع والثلاثون بعد المئة

عودة الملكما إن وطأت قدما كايلان وسيرين ساحة المملكة حتى انفرجت الصفوف تلقائيًا، وساد المكان صمت مهيب لم يقطعه سوى حفيف الرياح وهي تعبر بين الرايات المرفوعة فوق أسوار القلعة. احتشدت آلاف الذئاب من السلالتين إلى جانب سكان المملكة، رجالًا ونساءً وأطفالًا، وقد انعقدت أنظار الجميع عليهما في ترقب امتزج بالأمل والرهبة، وكأنهم ينتظرون كلمة واحدة تؤكد أن الكابوس الذي خيم على حياتهم قرونًا قد انتهى حقًا.تقدم الحكماء وشيوخ القبائل أولًا، وكانت أعينهم مثبتة على كايلان. لم يبحثوا في ملامحه عن القوة التي اعتادوها، بل عن العلامة السوداء التي لازمته طوال حياته. اقترب أحدهم بخطوات مترددة، ثم توقف أمامه، وحدق في عنقه وصدره طويلًا، قبل أن ترتجف شفتاه وهو يهمس بصوت بالكاد سمعه من حوله:"اختفت..."انتقلت الهمسات بين الواقفين كالنار في الهشيم."اللعنة... انتهت.""اختفت فعلًا."ولم تمضِ سوى لحظات حتى انحنى شيوخ القبائل جميعًا على ركبهم، ثم تبعهم المحاربون وسكان المملكة، في مشهد لم تشهده القلعة من قبل. لم يكن انحناء خوف، بل انحناء امتنان لرجل حمل وحده عبء لعنة لم يخترها، حتى استطاع أن يحرر الجميع منها.أم
اقرأ المزيد

الفصل الأربعون بعد المئة

يسود الصمت لثوانٍ، لا لأن أحدًا ينتظر جواب كايلان، بل لأن الجميع كان يترقب رد سيرين أكثر من أي شيء آخر. كانت مئات العيون تتنقل بينهما، بينما وقفت هي وقد انعقد لسانها من فرط المفاجأة، تحاول استيعاب أن الحديث عن زفافها وتاجها لم يعد حلمًا بعيدًا، بل قرارًا اتخذه مجلس المملكة بأكمله.نظر إليها كايلان مبتسمًا، ثم مال نحوها هامسًا بصوت لا يكاد يسمعه سواها:"واضح إنهم سبقوني."رمقته بنظرة خجولة امتزجت بالاعتراض."يعني حتى طلب الجواز... المجلس هو اللي هيعمله بدالك؟"اتسعت ابتسامته، ولمعت عيناه بالمشاكسة."لو مش عاجبك... ألغي الاجتماع كله، وأطلب إيدك دلوقتي."اتسعت عيناها بسرعة، ثم ضربته بخفة على ذراعه."إنت مستحيل تبطل تحرجني."ضحك بصوت منخفض، بينما التقط رئيس المجلس تلك اللحظة، فابتسم هو الآخر قبل أن يتنحنح قائلًا:"يبدو أننا قاطعنا حديثًا مهمًا."اعتدل كايلان في وقفته، ثم أعاد نظره إلى أعضاء المجلس."اقتراحكم يشرفني... لكن المملكة أولًا."تبادل أعضاء المجلس النظرات، فقال كبير المستشارين:"ولهذا السبب بالذات اخترنا أن يكون التتويج والزفاف في يوم واحد. الشعب لا يحتاج فقط إلى ملك، بل يحتاج إل
اقرأ المزيد
السابق
1
...
101112131415
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status