جميع فصول : الفصل -الفصل 40

89 فصول

انهيار القناع وسقوط الأباطرة

داخل قاعة المحكمة الجنائية الدولية في روما، تحول الهواء المعبأ برائحة الخشب العتيق والورق القانوني إلى صقيع مميت. كان المشهد أشبه بمسرحية تراجيدية، حيث تهاوى القضاة الإيطاليون من على منصتهم العالية تحت وطأة المفاجأة التي ألقاها ضابط المخابرات المصرية، وكأن رصاصةً غير مرئية قد أصابت قلب العدالة الزائفة. سليم الراوي، الذي كان يجلس في قفص الاتهام بزهوٍ شيطاني قبل دقائق، بدا الآن وكأن جسده قد انكمش، وعيناه الصقريتان اتسعتا بذهولٍ يمتزج بالرعب، بينما بدأت ترتجف يداه الممسكتان بحافة القفص المعدني، فكل مخططاته التي حيكت في أروقة روما لسنوات، كل خيوط "الظل الميت" التي ظن أنها ستخنق مالك وأبيه، قد قطعت بضربة واحدة من جهاز الاستخبارات المصري."مالك الراوي" لم يرمش له جفن. وقف بكامل جبروته، عصاه الأبنوسية الفخمة مستندة إلى جانبه كحارس أوفى، وعيناه تشتعلان بنيران النصر البارد. التفت ببطء مرعب نحو والده "سليم" الذي كان يحدق في الفراغ كالمغيب، ثم مال بجسده للأمام تجاه القاضي الإيطالي المرتجف، وقال بصوت جهوري مسموع ملأ القاعة، صوته يحمل نبرة الملوك الذين يستردون تيجانهم:— القوانين الدولية مش مجرد أ
اقرأ المزيد

أنياب الموج

لم تكن مياه البحر الأبيض المتوسط في تلك الساعة المتأخرة من الليل غطاءً من ظلام فحسب، بل كانت أشبه بكفنٍ سائل بارد يتحرك بإيقاع بطيئ مروّع تحت جسد سفينة الشحن العملاقة ذات البدن الأسود الكالح. كانت السفينة تشق الأمواج العاتية بلا أعلام ملاحية، وبدون أي وميض ضوئي رسمي يكشف عن هويتها بره، وكأنها طيفٌ شيطاني انبعث من أعماق سحيقة ليحكم قبضته على بقايا إمبراطورية عائلة "الراوي". رذاذ البحر المالح المتطاير في الهواء كان يختلط برائحة الدماء الدافئة النازفة من كتف "مالك الراوي" الأيمن، وصوت صفير الرياح الصحراوية البعيدة كان يحمل فحيح الموت الحتمي الذي عاد ليمد أذرعه الغادرة نحو عقر دارهم.فوق السطح الحديدي البارد للسفينة، حيث غمرت المكان إضاءة كشافات يدوية حادة وصفراء شاحبة تبعث الوحشة في النفس، كان الصمت مهيباً وقاتلاً. تيبّس جسد مالك القوي بكامل طوله وعناد ملامحه الحادة التي لم يخطّ عليها الإرهاق الجسدي العنيف أو الغرق أي أثر للتراجع. كان يقف بثبات صخري استدعى معه كل جبروته القديم، رغماً عن غياب عصاه الأبنوسية الفخمة المطعمة بالماس التي كانت الآن مستقرة بقسوة ومكر بين يدي "أركان المنشاوي". ك
اقرأ المزيد

ظهور غير متوقع

انسابت نسمات المساء السكندرية العليلة عبر النوافذ الزجاجية الفسيحة للجناح الطبي، محملة برائحة اليود الممزوجة بعبير زهور الأوركيد البيضاء التي ملأت الأركان. كان كل شيء في الغرفة يوحي بالهدوء؛ لم يعد هناك دوي للرصاص، ولا صراخ سفن مشتعلة، ولا صفقات بورصة تُدار بالدم. ساد صمت مطبق، من ذلك النوع الذي تلتف فيه الأنفاس حول بعضها لتتحسس مواضع الوجع الباقي.​كان "مالك الراوي" يجلس في مقعده الخشبي الأرستقراطي الوثير، مفرود الظهر بكبرياء عنيد رغم الضمادة البيضاء التي كانت تلف كتفه المصاب. عيناه الصقريتان الحادتان كانتا مثبتتين على الأفق البحري البعيد، بينما استقرت يده اليمنى على المقبض الفضي لعصاه الأبنوسية، يضغط عليها ببطء كعادته عندما تثقل الأفكار في رأسه. لم يكن يفكر في الملايين ولا في الإمبراطورية التي صفت له بالكامل؛ بل كان يغرق في ملامح زوجته "تولين" التي كانت تجلس على طرف الفراش القريب، تمشط شعرها الحريري الحالك بنعومة وعيناها الواسعتان تلمعان ببريق هادئ ممتزج بعشق جارف طالما دافعت عنه وسط النيران.​تحركت "تولين" بخطوات ناعمة كالحرير فوق الرخام، واقتربت منه حتى جلست على حافة مقعده، ممسكة ب
اقرأ المزيد

الرماد والياسمين

ساد حديقة القصر بجاردن سيتي سكونٌ وحشيّ، صلب كصخر الممرات الجبلية، سكونٌ تكسرت عليه زقزقة العصافير الرقيقة وباتت أصداء الرياح بين أوراق الياسمين أشبه بفحيح خفيّ ينهش العروق. كانت تلك القسيمة الرسمية المذهبة، الملقاة فوق الرخام الأبيض لحوض الورد، تتوهج تحت شمس الظهيرة الحارقة كأطلال عهدٍ قديم رُفع من أنقاض النسيان ليخنق الحاضر بالمليم.لم تكن "تولين" لترى الأوراق المذهبة وحدها؛ بل كانت ترى حصن عمرها، ونقاء حبها الجارف، وكل ليلة بكت فيها بجوار هذا الحوض وهي تدعو لـ "مالك الراوي" بالسلامة، يتفتت في جزء من الثانية أمام ثقة هذه المرأة الأرستقراطية الباردة. شعرت ببرودة هستيرية تسرع في أطراف جسدها، وتلونت بشرتها الوردية بشحوب مميت كالمرمر، بينما كانت عيناها الواسعتان اللامعتان ببريق الصدمة تنتقلان بين الحبر الأسود العريض للوثيقة وبين وجه مالك الرخامي الصارم.وقفت "نورسين الهواري" تتمايل بكبرياء ترفُّعي، مفرودة الظهر بمعطفها الأبيض الناعم الذي عكس أشعة الشمس بكبرياء حاقد. كانت عيناها الزرقاوان تنضحان بمكر ثعلبي وشيء من الشماتة المبطنة وقسوة لا ترحم، وهي تتابع لوعة الغيظ والاضطراب التي غلفت ملا
اقرأ المزيد

فصل الرماد الأخير

لم تكن أنوار الممر الخارجي للمحكمة الدولية لتنطفئ فجأة بحكم عطلٍ كهربائي عابر، بل كانت عتمةً مقصودة، انسحبت معها خطوط الضياء كأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة فوق الرخام البارد. دويّ تعمير الأسلحة الآلية خلف الظلال أحدث رنيناً حاداً جمد الدماء في العروق، وفي تلك الأجزاء الخاطفة من الثانية، تجسد جبروت "مالك الراوي" في أقصى درجات ضراوته. لم ينتظر الموت ليدق عنقه؛ بل وبحركة فهدٍ جريح استدعى فيها كل قوى جسده الطاغية، ألقى بسلاحه الشخصي نحو الحارس الأقرب الذي انسل من عتمة الباب، وبذراعه اليسرى القوية كالكُلاب الحديدي، جذب "تولين" نحو صدره العريض، متخذاً من جسده درعاً صخرياً يحمي فستانها الحريري الناعم من أي رصاصة غادرة.​هتف "مالك" بصوت جهوري زلزل أركان الممر المظلم، وهو يوجه ضربة عنيفة بنهاية عصاه الأبنوسية نحو ساق المسلح الأول الذي ترنح أرضاً:— ياسين!!! خديجة والرجالة يلتفوا من المخرج الخلفي!! العربيات المصفحة تتحرك حالا نحو القصر.. القصر فيه تصفية الحساب الكبيرة!!!​تحركت "تولين" وسط العتمة بجنون وعشق جارف، دافنةً وجهها الشاحب كالمرمر في تجويف عنقه الدافئ، وأنفاسها المتلاحقة تختلط برائحة البار
اقرأ المزيد

أطلال العرش وغسق النقاء

تلوّت ألسنة اللهب البرتقالية والقرمزية كأفاعٍ أسطورية انعتقت من جوف الأرض، لتلتهم الستائر المخملية الفاخرة لبهو القصر العتيق بجاردن سيتي. كان صوت تفحم خشب الماهوجني وانهيار الأسقف الجصية المزخرفة يدوياً يحدث دوياً مرعباً يتداخل مع رنين جهاز إنذار الحريق الآلي، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة الدخان الأسود الخانق. اختلطت رائحة البارود برائحة عطر الياسمين والورد البري المحترق، لتصنع غلافاً كابوسياً يلف أركان المكان.وسط هذا الرماد المتساقط كالمطر الأسود، كان "مالك الراوي" لا يرى النار ولا الانهيار المحيط به؛ بل كان غارقاً في لجة ذهوله المرعب بجانب جثة والدته "شاهيناز هانم". كان قميصه الأبيض قد تلطخ بالكامل بالدماء القرمزية، وجسده القوي الأرستقراطي يرتجف بانكسار بشريّ عنيف لم تكسره الإعاقة الجسدية يوماً، لكن طعنة الغدر الأمومي ونهايتها الدموية بطلقة من يده هو، قد نزعت من روحه كل كبرياء وجبروت.زحفت "تولين" فوق الرخام البارد الممتلئ بالشظايا، وفستانها الأزرق السماوي قد تلطخ بالرماد والدماء. لم تبالِ بسقوط كتل الخشب المشتعلة حولهما، بل اندفعت بجنون وعشق جارف وأحاطت عنقه بذراعيها الصغي
اقرأ المزيد

دماء العهد والظل الثالث

لم يكن انطفاء صفاء الظهر في عيني "تولين" مجرد مجاز عابر؛ بل كأن الغسق قد هبط دفعة واحدة فوق ريف الفيوم، حاملاً معه برودة قاسية جمدت مياه القنوات الصغيرة المحيطة بأسوار القصر. تناثرت قطرات الماء من الدلو الساقط فوق الأرضية الرخامية لحوض الورد، لتصنع بقعاً لامعة تعكس وجوهاً ثلاثة تلاقت في مواجهة لم تحسب لها العقول حساباً. اختفت رائحة الياسمين العذبة التي كانت تملأ المكان قبل دقائق، ليحل محلها عبير عطر حاد، أرستقراطي، انبعث من ثياب "غادة عبد السلام" ليعلن بنبرة ترفُّعية أن أشباح الماضي لا تموت، بل تختبئ في زوايا السنين لتنقض في أوقات الصفاء.وقفت تولين في مواجهة الإعصار، وجسدها الرقيق يتنفس بحدة غريبة لم تعهدها من قبل. لم يكن هذا الخوف من رصاص الصعيد أو زنازين روما التي تغلبت عليها بقلبها النقي؛ بل كانت "غيرة أنثوية" حارقة، نهشت أضلاعها دفعة واحدة وهي تنظر إلى الطفل الصغير الواقف بشرود بين يدي غادة. كان الصغير يمسك بطرف معطف والدته الفاخر، وعيناه الصقريتان تلمعان بنفس بريق وعناد ملامح "مالك الراوي". تلك القامة الصغيرة، ورفعة الرأس بكبرياء أعمى، وضيق العينين الحادتين كالشفرة.. كلها كانت أد
اقرأ المزيد

مكر النساء

تصلّب جسد "مالك الراوي" تماماً، وبدت ملامحه الأرستقراطية الحادة كأنها نُحتت من صخر الجبل البارد. كانت القبضة الصغيرة للطفل "سليم" المتشبثة بطرف قميصه الأسود بمثابة قيدٍ عاطفي ثقيل يربطه رغماً عنه بـ "غادة عبد السلام"، تلك المرأة التي عرفت كيف تنبش مقابر الماضي لتعود بلقب "أم ابنه" وتفرض وجودها المريض تحت سقف بيته.تلاقت النظرات في الحديقة الواسعة للقصر الريفي بالفيوم وسط غسق العصر الشاحب. كانت "تولين" تقف بجسدها الممشوق وفستانها القطني الوردي الناعم، وعيناها الواسعتان تلمعان ببريق الغيظ والكرامة الحارقة؛ فرقتها وبراءتها طالما كانت الحصن الذي يلوذ به مالك، لكنها اليوم وجدت نفسها أمام "حركات ستات" ملتوية، تفتقر للقدرة على مجاراتها أو اللعب بخيوطها الثعلبية. وفي المقابل، كانت غادة تستند بضعف مدروس على السور الرخامي، وشعرها الداكن الطويل ينسدل برقة فوق كتفيها، وعيناها تشعان بنصر بارد وهي ترى حيرته الطاغية بين القطبين.تحركت يد مالك اليسرى الكبيرة، الدافئة، لتمسح على رأس الصغير سليم بشرود، ونظر لغادة بنبرة صوت جافة، صارمة، حملت وعيداً حاسماً:— سليم يرجع مع المربية حالا يا غادة.. والجناح ال
اقرأ المزيد

الطعنة الصامتة

​تجمّد الضباب الفجر الكثيف في الفراغ الفاصل بين المرأتين كأنه جدار من زجاج معتم، وتبخرت برودة النسمات العليلة لتحل محلها أنفاسٌ مستعرة، محملة برائحة التراب الندي والياسمين الذي خنقته سموم المكر الأرستقراطي الطاغي. وقفت "تولين" بجسدها الممشوق، ووشاحها الصوفي الناعم يلتف حول كتفيها المرتعشتين برعشة هستيرية، بينما كانت عيناها الواسعتان الجميلتان تلمعان برقة دامعة تداخلت فيها دموع الكرامة والكرامة الحارقة بلوعة غيظ مبرح لم تختبره روحها النظيفة من قبل.​أمامها مباشرة، كانت "غادة عبد السلام" تقف بكامل طولها وأناقتها الترفُّعية، وقد انمحت من معالم وجهها الجذاب كل آثار الوهن والضعف المصطنع الذي نامت به فوق فراش الجناح الشرقي قبل ساعات. كان معطفها الأسود الفاخر يحيط بقوامها كدرع من الغل والحقد الأعمى، وعيناها الزرقاوان الحادتان كالجمر تشعان بنصر بارد ومكر ثعلبي لا يرحم. مالت شفتيها بابتسامة خبيثة، مخيفة، وقالت بصوتها الرخيم العذب الشجي الذي يحمل فحيح الأفاعي:— خطوتك بره البوابة دي هي الصك الصافي اللي هيخليني أتربع على العرش ده لوحدي يا مدام تولين.. براءتك الطفولية مأدرتش تجاري حركات الستات، وم
اقرأ المزيد

حيرة الإمبراطور ولهيب النبض

تصلّب جسد "مالك الراوي" في مقعده خلف المكتب، وكأن صخور جبال الفيوم قد تجمعت دفعة واحدة فوق صدره العريض. قبضت يده اليسرى القوية على المقبض الفضي لعصاه الأبنوسية بقوة عكست غلياناً داخلياً يكاد يفتك بملامحه الرخامية الصارمة، بينما كانت سماعة الهاتف في يده الأخرى تبث بقايا الأنفاس المتهدجة لشقيقه "ياسين".انقشع الظلام عن عتبة الباب الجانبي ببطء شديد، لتتجسد أمام عينيه الصقريتين الحادتين كالشفرة تلك السيدة التي دخلت بخطوات واثقة ترفُّعية. كانت ترتدي عباءة كلاسيكية ناعمة من الحرير الأسود يبرز قوامها الممشوق، وتضع وشاحاً من الشيفون الداكن فوق كتفيها بعفوية ساحرة تعكس ثراءً ترفُّعياً. رفعت رأسها بكبرياء أعمى، ونزعت نظارتها الشمسية برقة بالغة لتكشف عن عينين زرقاوين حادتين كالجمر، وابتسامة مكر ثعلبية غلفت وجهها الجذاب بقسوة لا ترحم.لم تكن غادة، ولم تكن تولين.. بل كانت **"صفية هانم"**.. شقيقة والده الراحل، وعمة مالك وغادة الكبرى! السيدة الأرستقراطية الحاقدة التي طالما عاشت في ظلال الإمبراطورية ناقمة على نفوذ مالك وسطوته الطاغية في السوق. كانت هي اليد الخفية التي تسللت عبر مطابخ القصر، وسكبت بضع
اقرأ المزيد
السابق
1234569
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status