أسياد الوجع

أسياد الوجع

last updateLast Updated : 2026-05-27
By:  بدر رمضانUpdated just now
Language: Arab
goodnovel12goodnovel
Not enough ratings
21Chapters
12views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

"في عالمٍ تحكمه الأرقام وتُسيره صفقات الملايين، تقف عائلة (الراوي) كصرحٍ أرستقراطي مهيب خلف أسوار قصرهم العتيق بجاردن سيتي. لكن خلف الأقنعة الباردة والابتسامات المصنوعة، تشتعل حرب صامتة. هو (مالك الراوي).. رجلٌ قُدّ من صخر، يرى المشاعر ضعفاً والزواج صفقة، حتى هوت به الأقدار من قمة جبروته إثر حادثٍ غامض سلبه قواه وجعله أسيراً لعجزٍ لم يتخيله يوماً. وهي (تولين).. زهرة رقيقة نبتت في أرض قاسية، تحبه بقلبٍ نابض يوشك أن يمزقه بروده الجاف. بين مؤامرات ابن العم الحاقد وسعي الأطراف الطامعة لهدم الإمبراطورية، وبين أمٍّ تقودها الأحقاد القديمة، يبدأ (مالك) رحلة قاسية ليس فقط لاستعادة عرشه، بل لمواجهة عاصفة الضعف البشري. هل يذوب رماد كبريائه أمام دفء حبها، أم أن العجز سيحيل حصونهما معاً إلى حطام؟ دراما عائلية معقدة، وصراعات ماليّة دامية، وقصة حب تولد من رحم الانكسار في ملحمة تشويقية ممتدة."

View More

Chapter 1

أقنعة من زجاج

تسللت خيوط شمس الصباح الباكر عبر الستائر المخملية الثقيلة لفيلا "الراوي"، ذلك الصرح الأرستقراطي المهيب القابع في قلب حي "جاردن سيتي" العريق، حيث يتنفس المكان عبير الثراء الكلاسيكي والتاريخ الذي صُنع بأيدي رجال لا يعرفون الهزيمة. في الممر المؤدي إلى بهو الاستقبال السفلي، كانت الأجواء هادئة إلى حد الغموض، هدوءٌ يسبق دائماً عواصف القرارات التي تُحاك داخل هذه الجدران.

من أعلى الدرج الرخامي العريض، هبط "ياسين الراوي" متشابك الأيدي مع زوجته وحبيبة طفولته "ليان". كانت الابتسامة تملأ وجهه المرح، وعيناه تلمعان ببريق السعادة التي لم تُطفئها بعد قوانين الصرامة العائلية. التفت إلى "ليان" التي كانت تبادله نظرات خجولة، تفيض بالرقة، ممسكة بيده بقوة وكأنها تستمد منه الأمان قبل مواجهة الجلسة الصباحية المعتادة للعائلة.

وعندما وصلا إلى حجرة السفرة الفخمة، حيث كانت المائدة ممتدة بأفخر أنواع الأطعمة، تبدلت ملامح "ياسين" تدريجياً. انطفأت ابتسامته وحلّ مكانها مزيج من الاستياء والضجر وهو يتطلع إلى الوجوه الجالسة. المظهر يتكرر كل يوم؛ الصمت سيد الموقف، والوجوه جامدة كأنها نُحتت من مرمر، وإن نطق أحدهم، لا تخرج من فمه كلمات، بل قرارات صارمة تُشبه الأوامر العسكرية التي لا تقبل النقاش أو المراجعة.

لكن "ياسين" بطبيعته المحبة للحياة، لم يكن ليذعن بسهولة لهذا القناع البارد الذي يرتديه الجميع. تنحنح بقوة، ثم أردف بنبرته المرحة المعتادة محاولاً كسر الجليد:

— يا رب يا ساتر.. إيه يا جماعة؟ مفيش صباحية مباركة للعريس ولا إيه؟ ولا دخلنا معسكر حربي من غير ما أعرف؟

احمرّت وجنتا "ليان" خجلاً، ونظرت إلى الأرض وهي تهمس بنبرة لائمة ومحروجة:

— ياسين.. بس بقى، متخجلنيش قدامهم.

تجاوبت السيدة "فريدة" —والدة ليان— مع مرح زوج ابنتها، فارتسمت على وجهها الطيب ابتسامة حانية، بينما شاركتها ابنتها الأخرى "تولين" الابتسامة وهي تنظر لشقيقتها بغبطة وتتمنى في سرها لو تنال يوماً جزءاً صغيراً من هذا الدفء.

في المقابل، لم يكن الوضع هادئاً في الجانب الآخر من المائدة. نظرت السيدة "شاهيناز هانم" —والدة ياسين ومالك— إليهم باستياء شديد، عاقدة حاجبيها بترفُّع وكأن هذا المرح يخدش برستيج العائلة. أما كبير العائلة، "عاصم الراوي" —والد ليان وتولين— فقد لزم الصمت كالعادة، واضعاً جريدته جانباً، تاركاً أمر توبيخ "ياسين" لابن أخيه الأكبر "مالك الراوي"؛ فهو يثق ثقة عمياء في قدرة "مالك" المطلقة على إدارة الأزمات وفرض النظام، ويرى فيه امتداداً لصرامته وجبروته.

التفت "مالك" بجسده القوي وملامحه الحادة الجذابة التي لا تشوبها أي عاطفة، ونظر إلى شقيقه بسخرية لاذعة، وقال بنبرة هادئة لكنها حادة كالشفرة:

— وكمان عايزنا نقولك صباحية مباركة وأنت متجوز بقالك أسبوع بحاله؟ طب حس على دمك يا أخي، وانزل تابع أشغالك والشركات اللي واقفة على إمضاءاتك!

زفر "ياسين" بضجر واضح، وترك مقعده متذمراً:

— إيه المشكلة يعني؟ ما أنا طالع عيني في الشغل طول السنة! كتير عليا أرتاحلي أسبوعين مع عروستي؟ وبعدين ده كان قرارك أنت من الأول.. قولتلي اتجوز الشهر ده وأنت الشهر اللي بعده، عشان نريح بعضينا، ولا الكلام اتغير دلوقتي يا مالك باشا؟

قام "مالك" من مقعده بحركة سريعة حازمة، ولملم أوراقه بغضب مكتوم وهو يزفر حانقاً:

— أنا لو عليا مش عاوز اتجوز أصلاً.. لو الجواز هيعطلني عن شغلي بالطريقة المبهرة بتاعتك دي، يبقى بلاها منه خالص! الشغل هو اللي بيعمل الاسم والكيان، مش قصة الحب اللي أنت عايش فيها.

وقعت هذه الكلمات كالصاعقة على قلب "تولين" الجالسة في نهاية المائدة. ارتسمت مشاعر الأسف والانكسار على وجهها الرقيق. شعرت بغصة في حلقها وتمنّت لو انشقت الأرض وابتلعتها. ألا يكفي أنه أجلّ زواجه بها للمرة الثالثة من أجل صفقة تجارية مهمة بالنسبة له؟ كم هي مغفلة وجاهلة لأنها تعشق رجلاً كل همه عمله وأرقامه، رجل يرى وجودها في حياته مجرد واجب عائلي أو صفقة مؤجلة!

لم يحتمل "ياسين" رؤية ملامح الانكسار على وجه ابنة عمه "تولين"، فصدح صوته عالياً في ردهة السفرة متوجهاً لمالك:

— مالها طريقتي يا مالك باشا؟ راجل وبحب الحياة وبعرف أعيشها.. مش زيك، كاره حتى نفسك وقافل على قلبك بقفل حديد!

ابتسم "مالك" بسخرية باردة لم تصل لعينه، وصفق بيديه ببطء مستفز:

— برافوووو.. وايه كمان؟ ارغي يا عم الفيلسوف.. ولا نقول إله الحب والجمال اللي نزل يصحح مفاهيم البشرية؟ خلصت خطبتك العصماء؟

حاول "ياسين" السيطرة على أعصابه وتلطيف الأجواء خشية أن تزداد الأزمة اشتعالاً، فقال حانقاً:

— حاضر يا مالك.. خلاص، أنا هجهز حاجتي وهسافر أنا أتمم الصفقة الجديدة النهارده في الإسكندرية، متقلقش كل حاجه هتبقى تمام ومش هعطلك.

كاد "مالك" أن يخرج من حجرة السفرة متوجهاً إلى مكتبه بعد قرار "ياسين" بالسفر، ولكنه توقف فجأة عند الباب. تذكر أنه إذا سافر "ياسين"، فبالتأكيد سيأخذ معه "ليان"، وسوف ينشغل بها ويدللها طوال الرحلة، مما قد يشتت تركيزه عن تفاصيل الصفقة الحساسة. عاد "مالك" مرة أخرى، ووقف بوجه صارم وعينين صقريتين:

— لا يا ياسين.. أنا اللي هسافر المرة دي بنفسي وأخلص الحوار ده. أنت بس خلي بالك من الشغل اللي هنا أنت و"آسر" صاحبك.. وخلي بالكم كويس من "طارق" ابن عمي! أنا عارف ومتاكد إنه هيحاول يعمل أي لقمة أو يلعب من ورا ضهري في غيابي.. لولا صلة القرابة ورابط الدم اللي بيكتفني، كنت طردته من الشركة ورميته في الشارع من زمان.

نظر إليه "ياسين" بنبرة حنونة، نبرة الأخ الذي يرى تعب شقيقه الأكبر ورغبته في حمل كل الأثقال وحده، وقال:

— خلاص.. اللي تشوفه يا "زيزو".

استشاط "مالك" غضباً وتغيرت ملامحه للون الأحمر العنيف، وصاح بنبرة حادة:

— قولتلك ميت مرة بلاش زفت "زيزو" دي معايا! أنا مش صغير، والاسم ده مبسمحش بيه في بيتي ولا في شركتي!

رحل "مالك" بمنطاد من العصبية والسرعة، مغلقاً الباب خلفه بقوة جعت ثريا الغرفة تهتز. في حين عاد "ياسين" إلى مائدة الطعام ليتنفس الصعداء، وجلس بجوار زوجته الجميلة "ليان". شعر بالارتياح النسبي لعدم تدخل والده وعمه عاصم في النقاش، ولكن عندما التفتت عيناه ونظر إلى "تولين"، شعر بالأسف الشديد والندم يمزق أحشاءه. لقد رأى بريق الدموع المحبوسة في عينيها بسبب قسوة "مالك" وصلابته في التحدث عن مفهوم الزواج، بالإضافة إلى تأجيله المستمر لموعد زفافهما.

بادرت "ليان" بعتاب زوجها بهمس مسموع:

— ليه عملت كده يا ياسين؟ ليه فتحت السيرة دي قدامه دلوقتي؟

ذعر لها "ياسين" بعينيه حاملاً ملامح التنبيه، فكيف لها أن تسأله هذا السؤال وتفتح النقاش أمام "تولين" التي تجلس كالزجاجة القابلة للكسر في أي لحظة؟

تنحنحت "تولين" بصوت مبحوح، وحاولت جاهدة رسم ابتسامة باهتة ومصطنعة، ثم استأذنت منهم قائلة بضعف:

— عن إذنكم يا جماعة.. عندي شوية تجهيزات وتفاصيل لازم أتابعها بخصوص الفستان والديكور.. هقوم أشوف ورايا إيه.

انسحبت "تولين" مسرعة قبل أن تخونها دموعها، وتبقى على المائدة "ياسين"، "ليان"، والسيدة "فريدة" فقط بعد أن غادر "عاصم" وشاهيناز هانم إلى جناحيهما.

التفت "ياسين" إلى السيدة "فريدة" وقال بندم حقيقي:

— أنا آسف يا مرات عمي.. والله ما أخدت بالي إن كلامي هيجرح "تولين" للدرجة دي.. كان نفسي بس أفوق مالك من البرود والدوامة اللي هو عايش فيها، يلتفت شوية لحياته.

هزت السيدة "فريدة" رأسها بحزن عميق على حال ابنتها المكسورة دائماً، وقالت بأسى:

— ولا يهمك يا ابني.. "تولين" راضية بنصيبها معاه من صغرها، وعارفة ومتأكدة إنها بالنسبة له جوازة والسلام، رغبة من عمك عاصم عشان يضمن إن ثروة العيلة متخرجش بره.

ردت "ليان" بغضب دفين وغير ومحتمل:

— بتقولي إيه يا ماما؟! ازاي يعني؟! المفروض طالما هيا عارفة كدا وشايفة جفافه، تتكلم مع بابا وينتهي الاتفاق دا خالص! تولين تستاهل حد يحبها ويقدر رقتها، مش حد يعاملها كأنها فرض واجب!

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
21 Chapters
أقنعة من زجاج
تسللت خيوط شمس الصباح الباكر عبر الستائر المخملية الثقيلة لفيلا "الراوي"، ذلك الصرح الأرستقراطي المهيب القابع في قلب حي "جاردن سيتي" العريق، حيث يتنفس المكان عبير الثراء الكلاسيكي والتاريخ الذي صُنع بأيدي رجال لا يعرفون الهزيمة. في الممر المؤدي إلى بهو الاستقبال السفلي، كانت الأجواء هادئة إلى حد الغموض، هدوءٌ يسبق دائماً عواصف القرارات التي تُحاك داخل هذه الجدران.من أعلى الدرج الرخامي العريض، هبط "ياسين الراوي" متشابك الأيدي مع زوجته وحبيبة طفولته "ليان". كانت الابتسامة تملأ وجهه المرح، وعيناه تلمعان ببريق السعادة التي لم تُطفئها بعد قوانين الصرامة العائلية. التفت إلى "ليان" التي كانت تبادله نظرات خجولة، تفيض بالرقة، ممسكة بيده بقوة وكأنها تستمد منه الأمان قبل مواجهة الجلسة الصباحية المعتادة للعائلة.وعندما وصلا إلى حجرة السفرة الفخمة، حيث كانت المائدة ممتدة بأفخر أنواع الأطعمة، تبدلت ملامح "ياسين" تدريجياً. انطفأت ابتسامته وحلّ مكانها مزيج من الاستياء والضجر وهو يتطلع إلى الوجوه الجالسة. المظهر يتكرر كل يوم؛ الصمت سيد الموقف، والوجوه جامدة كأنها نُحتت من مرمر، وإن نطق أحدهم، لا تخرج
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
الصفقة
ردت "ليان" بغضب دفين وغير ومحتمل:— بتقولي إيه يا ماما؟! ازاي يعني؟! المفروض طالما هيا عارفة كدا وشايفة جفافه، تتكلم مع بابا وينتهي الاتفاق دا خالص! تولين تستاهل حد يحبها ويقدر رقتها، مش حد يعاملها كأنها فرض واجب!لوت السيدة "فريدة" شفتيها بأسف ومرارة:— وتفتكري أبوكي عاصم هيوافق يا ليان؟ وحتي لو وافق.. ما هي كدا بردو هتعذب، أختك بتموت فيه ومش شايفة راجل غيره في الدنيا دي كلها.تابعت "ليان" بإصرار:— بس يا ماما..قطع "ياسين" حديثهما وهو يزفر بحنق، محاولاً إغلاق الملف المقبض:— بقولك إيه يا ليان.. إحنا ملناش دعوة، هما حرين في حياتهم. انتي شايفه بنفسك أختك بتحبه وهتموت نفسها علشانه ومستحملة كل ده، يبقى خلاص. إحنا اللي علينا إننا نحاول نغير منه شوية بالراحة ومن بعيد.. مع إني عارف وموجوع إن مفيش فايدة فيه أصلاً، مالك قلب حجر.اغتاظت "ليان" من إعلان زوجها التخلي عن التدخل لمصلحة أختها، وقالت بحنق:— هو ده اللي ربنا قدرك عليه؟ دا بدل ما تقعد معاها وتعقلها وتفهمها إن جوازتنا إحنا مش مقياس لنجاح جوازتهم؟ ياسين.. أختي بتدمر قدام عيني!مسح "ياسين" على شعره بعصبية وشعر بالغيظ من عدم استيعاب زوجت
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
شباك العنكبوت
توقف "مالك" في مكانه. صراع خفي دار داخله، لكن كبرياءه منعه من إظهار أي تعاطف. تنحنح بصوت جهوري صارم:— انتي كويسة؟تفاجأت "تولين" من صوته القريب. رفعت وجهها بسرعة، وعيناها الحمراوان المليئتان بالدموع تلتقيان بعينيه الحادتين. ايعقل أنه عاد لأجلها؟ هل شعر بنبضات قلبها المكسور واستمع لشكواها الخفية؟ردت بارتباك شديد وهي تمسح دموعها بسرعة طفولية:— مالك؟! أنت.. أنت رجعت ليه؟ في حاجة حصلت؟ الصفقة فيها مشكلة؟رأى آثار دموعها بوضوح، لكن ملامحه بقيت خالية من أي مبالاة أو حنان، ورد بجفاف:— لا.. نسيت موبايلي على المكتب، هروح جيبه وراجعلك هنا.. استنيني، في كلمتين لازم نتكلم فيهم عشان نضع النقط على الحروف.فرحت كثيراً، ودق قلبها بعنف كطبول الحرب. ارتسم الأمل على وجهها، وانتظرته بلهفة، متمنية أن يرق قلبه أخيراً، وأن تسمع منه ولو كلمة حنونة واحدة ترطب قلبها المتألم وتهدئ من روع عاصفتها الدفينة.وعندما عاد بعد دقيقتين، حاملاً هاتفه، وقف أمامها بكامل هيبته وجبروته، ونظر إليها مباشرة:— تولين.. أنا عارف ومتأكد إنك مكنتيش حابة تتجوزي بالطريقة دي، وعارف إن الأمور بتمشي بضغط عائلي..كادت أن تقاطعه لترد
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
صوت الإنهيار
نهضت "ميرا" سريعاً، وقد تبدلت خططها تماماً في ثانية واحدة، وقالت بنبرة متحمّسة:— تمام يا مامي.. كلامك مظبوط، يدوبك ألحق أروح الشركة آخد الفلوس من بابي وأشوف الأجواء هناك عاملة إزاي.. سلام يا جوجو!اندهشت "هاجر" من ردة فعل ابنتها السريعة وتحول موقفها المفاجئ بعد سماع الخبر، لكنها هزت كتفيها بطريقة لا مبالية وعادت لتكمل وضع مساحيقها.وصلت "ميرا" إلى مقر شركات "الراوي" العملاقة. كان البرج الزجاجي ناطحاً للسحاب، يعكس هيبة الثراء والنفوذ. دلفت بخطوات واثقة، تتمايل بفستانها الأحمر الذي لفت أنظار الموظفين، وتوجهت مباشرة إلى مكتب والدها "شاكر الجويلي" —أحد كبار المديرين والشركاء التابعين للعائلة—.طرقت الباب ودخلت دون انتظار. التفت إليها "شاكر" وتغيرت ملامحه الجادة إلى ترحيب حار عندما رأى ابنته المدللة:— ميرا.. بنوتي الحلوة! تعالي يا روح بابي.. أهلاً بيكي، أكيد جاية وطامعة تاخدي فلوس كالعادة؟ضحكت "ميرا" بشدة، واقتربت منه تقبّل وجنته بدلال مصنوع:— وعرفت منين يا سي باباي إني عايزة فلوس؟ مش يمكن وحشتني وجيت أطمن على أحوالك وأشوف مكتبك الفخم ده؟قاطع حديثهما الضاحك طرقات قوية وحازمة على الباب
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
كسر لا يجبر
مرّ أسبوع كامل كأنه دهر على قصر "الراوي". أسبوع لم تتوقف فيه عقارب الساعة عن الدوران، ولم تتوقف فيه "تولين" عن مراقبة شرفة مكتب "مالك" الخالية، متأملة أن تجد فيها طيفه الذي غادر بجفاء. طوال هذه الأيام السبعة، كانت حديقة الفيلا شاهدة على قلقها؛ هاتفها لم يفارق يدها، وعيناها معلقتان بالشاشة، تنتظر أن يفتح خطه المغلق أو يتذكر أن له خطيبة تنتظر كلمة منه بعد نزوله من الطائرة. لكن كعادته، كان "مالك" يقدس العمل، ويضع الصفقات والأرقام في مقدمة حياته، تاركاً مشاعرها خلف ظهره كأمر مضمون لا يخشى خسارته.في هذه الأثناء، أعلنت شاشات مطار القاهرة الدولي عن وصول الرحلة القادمة من الخارج، وهبطت الطائرة التي تستقل جسد "مالك" المرهق وعقله المثقل بالحسابات. وطأت قدماه أرض الوطن، ورغم تعبه الشديد ونفاد طاقته، لفت انتباهه عدم وجود صديقه المقرب وذراعه الأيمن في العمل "آسر". كان من المفترض أن يكون "آسر" في انتظاره بالمطار ومعه السيارة ليعودا معاً.أخرج "مالك" هاتفه وضغط على زر الاتصال بـ"آسر"، وما إن جاءه الرد حتى هتف بنبرة حادة ومرهقة:— إيه يا آسر؟ أنت فين؟ بقالي ربع ساعة واقف في المطار ومفيش أثر ليك ولا
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
خطوات من حديد
مرّت الأيام ثقيلة كالجبال على قصر "الراوي"، وتوالت الأسابيع لتكمل شهراً كاملاً والمستشفى كأنه معسكر مغلق. كُتب لـ"تولين" أمر الخروج بعد أيام قليلة من الحادث بعد أن استعادت جزءاً من تماسكها الجسدي، أما "مالك" فقد رفض الخروج أو العودة إلى القصر إلا بعد أن تنتهي المرحلة الأولى من العلاج الطبيعي ويتم تركيب "الساق الاصطناعية" له. طوال ذلك الشهر، كانت "تولين" تموت في اليوم مائة مرة؛ تحاول الذهاب إلى غرفته، تقف خلف زجاج الجناح الخارجي وعيناها تلمعان بالدموع، لكن الحراس الشخصيين —بأمر صارم من شاهيناز هانم ومالك نفسه— كانوا يمنعونها ويمنعون عائلتها من الدخول. كانت تعود إلى غرفتها بالقصر مكسورة الجناح، ينهش الخوف قلبها من ردة فعله القادمة.أخيراً، تم تركيب الساق الاصطناعية لـ"مالك". وبقوة إرادته وجبروته المعهود، تخطى أصعب مراحل التدريب على المشي بها في وقت قياسي، متحدياً الآلام الجسدية والنفسية ليثبت لنفسه وللسوق أنه لم ينتهِ. وفي صباح يوم غائم، قرر العودة إلى القصر فجأة دون أن يُخبر أحداً من العائلة بموعد خروجه، رغبة منه في تجنب نظرات الشفقة أو الاستقبال الحافل الذي يمقته.في تلك الأثناء، كانت
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
سقوط الأقنعة وبداية العاصفة
نظر إليه "عاصم" بجمود وثبات، ووضع يديه في جيبي بنطاله ورد بهدوء مخيف:— اسأل في اللي أنت عاوزه يا مالك.. وأنا هجاوبك على كل حاجة بالورق والمستندات.هز "مالك" رأسه بجدية، ثم تحدث بصلابة وعينيه تضيقان بتركيز شديد:— تمام.. عربيات الشركة بتتفحص وتدخل الصيانة دورياً أول بأول ولا الإهمال وصل لدرجة إن عربية تطلع من المخازن وفراملها مقطوعة بفعل فاعل؟!خيم صمت ثقيل على بهو الفيلا بعد سؤال "مالك" الحاد والمباشر. كانت النظرات المتبادلة بين رجال العائلة أشبه بسيوف مسلولة ينتظر كل طرف منها حركة الآخر. تنحنح "عاصم الراوي" بوقاره المعهود، وتحركت ملامحه الجامدة بحركة طفيفة أظهرت حنكته في إدارة الأزمات، ثم رد بصوت رخيم وثابت:— عربيات الشركة كلها تحت إشراف قسم الصيانة الدوري يا مالك، والتقارير بتتقدم ليا وليزيد أخوك أول بأول. العربية اللي أنت ركبتها كانت مخصصة لـ"طارق"، ومكنش المفروض تتحرك بره الجراج بدون إذن فحص شامل.. لكن خروجها المفاجئ وتبديل الأدوار بينه وبين "آسر" هو اللي عمل اللخبطة دي. التحقيق شغال، ومفيش مخلوق في الشركة هيفلت لو ثبت إنه قصر أو اتعمد الإهمال.نظر إليه "مالك" بعينين ضيقتين، وغل
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
شظايا الليالي المظلمة
تزلزلت أركان قصر "الراوي" في تلك الليلة الليلاء، وتحولت جدرانه الأرستقراطية الصامتة إلى ساحة صاخبة تعج بصدى الفزع والمؤامرات التي تكشفت أقنعتها دفعة واحدة. لم يكن الصوت القادم من البهو السفلي مجرد ضجيج عابر، بل كان نذيراً بانهيار السقف فوق رؤوس الجميع.في جناح "تولين"، كانت الأنفاس متلاحقة، ودقات قلبها تقرع كطبول حرب لا تهدأ. لم تتردد لثانية واحدة؛ اندفعت نحو الباب، فتحته بلهفة وخوف تخطى حدود كرامتها المجروحة قبل قليل. كانت الممرات مضاءة بأنوار خافتة، لكن الحركة بالأسفل كانت عنيفة. ركضت حافية القدمين، وشعرها الحريري يتطاير خلفها، لتجد "ليان" تقف عند حافة الدرج الرخامي وهي تضع يدها على فمها برعب، بينما كان "ياسين" يمسك بـ"مالك" الذي كان يحاول النزول بسرعة لم تعهدها ساقه الاصطناعية الجديدة بعد.كان "مالك" يرتدي بنطالاً أسوداً وقميصاً أبيضاً فتح أزراره العلوية هرباً من الاختناق، وعيناه تشتعلان بجمر الغضب. قبضته على العصا الأبنوسية كانت قوية لدرجة أن عروق يده برزت بشكل مخيف، وصوته الجهوري زلزل المكان:— سيبني يا ياسين! قسماً بالله اللي هيقف في طريقي دلوقتي هتدفن مع الكلاب بره! طارق هرب..
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
جمر الغيرة
انغلق الباب الخشبي الثقيل لجناح "مالك" خلف خطى "ميرا" المتبخترة، ليرتطم بقلب "تولين" التي بقيت متجمدة في الرواق البارد. كانت الأجواء المحيطة بها غارقة في صمت الغسق الذي يسبق شروق الشمس، لكن بداخلها كانت البراكين تثور بعنف. نظرت إلى مقبض الباب النحاسي الذي دار ليُعلن عزلها عن عالم الرجل الذي أفنت عمرها في محراب عشقه، وشعرت وكأن جدران قصر "الراوي" الأرستقراطية الفخمة تضيق عليها لتخنق أنفاسها.لم تكن قسوة "مالك" جديدة عليها، لكن أن يفضل وجود امرأة غريبة، متبرجة، في عقر داره وفي هذا الوقت المتأخر من الليل، وتحت مسمى "مصلحة العمل"، كان هذا بمثابة إعلان رسمي عن دهس كرامتها. تراجعت خطوات إلى الخلف، وجسدها الرقيق يرتعش تحت ثوب نومها القطني الأبيض، ثم التفتت وركضت نحو جناحها وهي تكتم صرخات قهرها بين كفيها، تاركة وراءها فراغاً موحشاً يعج برائحة المؤامرة.داخل مكتب "مالك" الخاص في الجناح، كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من التوتر. كان المكتب آية في الفخامة الكلاسيكية؛ جدران مغطاة بخشب الماهوجني الداكن، رفوف تصطف عليها أمهات الكتب الاقتصادية والقانونية، وإضاءة صفراء دافئة تنبعث من مصباح عتيق فوق طاو
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
زلزال في الحصن العتيق
ساد صمت رهيب وجاثم في أرجاء الصالون الفسيح، صمتٌ بدت فيه تكتكات ساعة الحائط البندولية القديمة وكأنها دقات قنبلة موقوتة أوشكت على تفجير كل المحرمات العائلية. كانت كلمات "تولين" الأخيرة تدوي في الفراغ كقذائف مدفعية ثقيلة، اخترقت هيبة المكان وهشمت برستيج "مالك الراوي" الذي لم يجرؤ مخلوق يوماً على توجيه نصف صفعة لكبريائه، فما بالك بإعلان العصيان عليه والتخلي عنه علانية وفي عقر داره وأمام كبار العائلة؟وقفت "تولين" شامخة الصدر، مفرودة الظهر، بفستانها الأسود البسيط الذي بدا في تلك اللحظة كأنه رداء ملكي لامرأة قررت أن تنتزع كرامتها من بين أنياب الجحيم. كانت أنفاسها متلاحقة، وتفاحتا وجنتيها تصبغتا بحمرة القهر والجرأة المفاجئة، بينما بقيت عيناها الحمراوان من أثر بكاء الليل مثبتتين في عيني "مالك" مباشرة، بلا خوف، وبلا تراجع.في المقابل، تحول وجه "مالك" إلى لوح من الرخام الأسود القاتم، واشتعلت عيناه بجمر غضب صامت كاد يحرق الستائر المخملية المحيطة بهما. قبضته على مقبض عصاه الأبنوسية الفضي اشتدت بعنف حتى بيضت مفاصل أصابعه، وبرزت عروق جبهته ورقبته بشكل مرعب. كان ذهوله أكبر من غضبه؛
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status