All Chapters of من نسل يعقوب : Chapter 11 - Chapter 20

23 Chapters

حين شقت الكلمة صبرها

الغرفة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى طنين الصمت.جدرانها العالية بلون البيج الباهت، تتخللها بعض الظلال التي رسمها نور الشمس المتسلّل من خلف الستارة السميكة الكُحلية.السجادة في منتصف الأرض تملؤها نقوش شرقية غامقة، وخيوطها الطويلة تشبه ما تبقى من صبرها.طاولة التسريحة أمامها مغطّاة ببقايا عطور قديمة، ومساحيق تجميل لم تلمسها منذ أيام.جلست عهود على الكرسي الخشبي أمام المرآة، جسدها منحني قليلاً للأمام، وكتفاها متهدّلان كمن يحمل على عاتقه جبلاً.كانت ترتدي عباءة رمادية داكنة فضفاضة، قد فقدت طراوتها من كثرة البكاء فيها.شعرها الأسود الطويل متناثر على كتفيها كأنه يواسيها، وعيناها... يا الله، كم ذبلت عيناها.كأنهما عاشتا ألف خيبة في ليلة واحدة.رفعت يدها ببطء، ومررت أصابعها المرتجفة على خدها الأيسر.كانت آثار البكاء محفورة تحت عينيها، منتفخة، مجهدة...تمتمت بشفاه جافة:ــ "أنا بقيت شكل حد مات من زمان... وأنا لسه عايشة."المرآة لم تعد تعكس صورتها... بل تعكس أوجاعها.وكأن الزجاج صار بوابةً ترى من خلالها المرأة التي كانت يومًا ما... زوجة رحيم، وحب حياته.همست لنفسها، وصوتها بالكاد يُسمع:ــ "مرتين ي
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

حين يذبح القلب حيا

كانت السماء تميل إلى رماديةٍ حزينةٍ تُشبه قلبها، والنسيم يعبُر أوراق شجرة التوت العجوز التي لطالما استظلّت بها منذ الصغر، لكن اليوم... لم تكن ككلّ مرة. اليوم كانت الشجرة شاهدة على انكسارها.جلست عهود عند جذعها، ظهرها مستندٌ إليه كأنّها تطلب من صلابته ما افتقدته بداخلها. كانت تبكي، تبكي كما لم تبكِ يومًا. لا تدري كم مرّ من الوقت، كم دقيقة احتضنت فيها وجعها، كم تنهيدة عبرت قلبها قبل أن تُسقطها دموعها، كم مرة شهقت بصمت، وكم مرة مسحت دموعها لتجدها ما زالت تنهمر... كأنها لا تنوي التوقّف أبدًا.وضعت يدها على صدرها، على قلبها تحديدًا، في المكان الذي شعرت فيه بكسره فجائية، كأنّ زلزالًا قد شقّ نياط القلب. تمتمت بأنفاس متقطعة، تنهدت تنهيدة من تلك التي تُقال عنها: "تنهيدة تهزّ عرش العشاق".رحيم... زوجها، حبيبها، الذي رأت فيه الوطن حين ضاقت بها الحياة، قالها ببرود، بصوتٍ لا يشبهه: "هتجوّز".كلمة واحدة، نسفت سنينًا من الحب والانتظار واللهفة.نعم، تعلم. تعرف أن الشرع قد أباح التعدد. وتعرف أن رحيم – الذي يخشى الله – لن يظلمها. لكنها لم تكن تبحث عن العدل، بل عن الفرادة. لم تكن تريد رحيم العادل... بل
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

خمسة نساء علي الحافة

ظل جالسًا في غرفته الجديدة التي أُعدت خصيصًا له ولإيڤا. لم يكن قد لمس شيئًا فيها منذ أن خطا إليها، كأنّ قدميه قد غاصتا في وحل من الذهول لا يُسمح له أن يتحرك خارجه.الغرفة كبيرة ذات سقفٍ مرتفع يعلوه مروحة بطيئة الدوران، لا تصدر هواءً بقدر ما تصدر طنينًا مزعجًا كأنّه أنين ممتد من داخله. الجدران بلون بيج هادئ، تتدلى منها ستائر بيضاء منقوشة بزهورٍ زرقاء، وفوق السرير أُعلّقت آية الكرسي في إطار خشبي أنيق.جلس على الأريكة المقابلة للنافذة، حيث تسللت أشعة الشمس الراحلة بين أعمدة الستائر، ورسمت ظلالًا طويلة فوق الأرضية المصقولة.لم يتحرك. لم يلتفت. فقط كان هناك، جسد بلا روح، وقلب تائه في متاهة لا يعرف فيها أين الشمال.---دلفت إيڤا إلى الغرفة في هدوء، كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون الخزامى، وشعرها مربوط إلى الخلف بعناية، وقد خلعت حذاءها عند الباب كعادتها احترامًا للمكان.نظرت إليه طويلًا. كم بدا غريبًا، غريبًا عنها، عن اللحظة، عن نفسه.ثم اقتربت، وجلست على الأرض جواره، تطلعت إلى وجهه الذي يشبه وجوه التماثيل القديمة، لا حياة فيه، لا انفعال، فقط نظرات زجاجية تائهة.قالت بصوت خافت:—"رحيم... أنت
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

الخائنة

الليلُ، حين يُغمد سيفه، لا يعني أنه آمن.بل قد يكون في لحظة سُباته أخطر ما يكون.كان الليل قد استقر على أعتاب الدار،وغابت الأصوات، وغفت العيون.أما إيڤا، فكانت تمشي بين الغرف كأنها لا تنتمي لهذا المكان، كأن الجدران ترفضها وإن تسامحت، وكأن الأرض نفسها تحفظ خطواتها دون أثر.وقفت أمام نافذة غرفتها.كانت ترتدي عباءة فضفاضة، وشعرها مغطى بإحكام.سحبت من أسفل مرتبة السرير شيئًا صغيرًا، مغلفًا بالبلاستيك الأسود.هاتف... لكن لا يحمل شريحة مصرية، ولا يظهر في ضوء الشمس.أطفأت الأنوار.خرجت بخفة، نزلت الدرج بلا صوت،ثم فتحت باب الحديقة الخلفية دون أن تصدر حتى زفرة هواء.الحديقة صامتة.الأشجار واقفة كجنود نيام، القمر بعيد، والندى يتساقط بخجل.جلست خلف الجدار الحجري الذي يحدّ المزرعة.فتحت الهاتف، أدخلت كودًا سريعًا،ثم ضغطت على اسمٍ لم يكن يحمل حرفًا عربيًا.رنّ الهاتف ثلاث مرات.ثم جاءها صوت رجولي، عميق، فصيح، لا يحمل ذرة عاطفة:📞: "تم تأكيد استقبال البيانات. هل استقرت هويتك داخل المنزل؟"إيڤا (بهدوء محكم ولهجة مصرية لأول مرة):"أيوه... صدّقوني كلهم. محدش شَكّ، ولا حتى لحظة. بيظنّوا إني بنت سار
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

علي حافة الحقيقة

مرّ شهرٌ كاملٌ منذ أن انسحبت عهود من كل تفاصيل الحياة، وارتدت غرفةً ضيّقة من البيت درعًا لوجعها، تنتظر رجوع أبيها من السفر كما ينتظر الأسيرُ مفاتيح الغياب.أما اليوم... فقد كانت البيوت تنتظر ضيفًا من نوع آخر.--- داخل مستشفى خاص في قلب قنا، تمام التاسعة صباحًا...ارتفعت الشمس كأنها تتثاءب فوق المستشفى، بينما تجمع أفراد العائلة في بهوٍ واسع بلون الكريمي الفاتح، تفوح منه رائحة المعقّمات والقلق في آنٍ واحد. كانت الكراسي مرصوصة بمحاذاة الحائط، والمكيفات تبثّ برودةً لم تكن كافية لتطفئ الحريق في صدورهم.مغفرة في الداخل، تتهيأ لغرفة العمليات.بينما في الخارج، يقف مراد يتلو دعاءً بصوت خافت، ممسكًا بيديه ماسة الصغيرة التي تتعلق بساقه دون فهمٍ لما يدور.جلس علي على طرف الكرسي مائلًا بجسده، يقول وهو ينظر إلى الباب المغلق:– "هو في دكتور تاني مع رحيم؟ ولا هو اللي هيشرف عالحالة لوحده؟"ردّ سالم وهو يقلب كفيّه في توتر:> – "قال هيكون معاهم دكتورة تانية، بس هو مش مطمن غير لما يكون جوا بنفسه... دا رحيم دا دماغه ما بتنامش."– "بس دي أخته برضك... لو جرالها حاجه؟"ناهد قطعت حديثهم بصوت منخفض وهي تمسك ب
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

اعين لا تري

غرفة الجلوس الواسعة، كان الليل قد أسدل ستاره على البيت الكبير، ولفّ الصمتُ أركان المكان إلا من أنفاسٍ مضطربة تتردد في صدر مراد، وعينين تقدحان غضبًا وهو جالسٌ قبالة شقيقته عُهود. الغرفة مفروشة بسجادة كبيرة خضراء داكنة، يتوسطها طقم من الأرائك المطرزة بنقوش ذهبية، وعلى الحائط ساعة قديمة تدقّ كل دقيقة بثقل الزمن، كأنها تحصي على عُهود ما تبقى من كرامتها بين يدي أخيها.وقف مراد فجأة، يداه خلف ظهره، يدور في الغرفة جيئة وذهابًا، ثم توقف فجأة وحدّق فيها طويلًا، ثم قال بنبرة تخنقها العبرة:مراد:"إنتي عقلك في إيه بالظبط يا عهود؟ ها؟ فهِّميني! رحيم آه اتجوز، وإنتي اتكسرتي، بس دا ما يديكيش الحق إنك تتهمي واحدة بالباطل، وبالطريقة دي؟!"رفعت عُهود رأسها من بين كفيها المرتجفتين، وجهها شاحب، وعيناها متورمتان من البكاء، لكنها تماسكت وقالت بصوت يختنق بالوجع:عهود:"ما اتهمتهاش يا مراد، أنا شفتها بعنيا... كانت في المكتب، وكانت بتصوّر، وكان معاها سماعة فودانها... والله العظيم شفتها."اقترب منها مراد خطوتين، ثم أشار إليها بإصبعه بعنف:مراد:"وشُفنا الكاميرات! شُفناهم كلهم! ولقينا إن اللي دخلت المكتب واتحر
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

قلب لا يعرف الرحمة

كان الليل هادئًا بصورة مريبة، كأن الكون يحبس أنفاسه على وشك الصراخ.تسللت من جواره بخفّة الظل، وقد غلبه النوم العميق بعد يومٍ طويلٍ ومرهق. كانت خطواتها ناعمة على أطراف أصابعها، وعيناها لا تكفّ عن التوتر، تلتفت بين الفينة والأخرى نحو الداخل، تراقب ظله في الفراش، تتأكد أنه لم يتحرك.فتحت باب الغرفة ببطء شديد، حتى لا تصدر المفصلات صوتًا، وتنفّست الصعداء حين خرجت بسلام.أمسكت بطرف قميصها وضمّته حول خصرها بحذر، وبدأت تنزل الدرج المؤدي إلى فناء الدار، خطوةً خطوة، وفي عينيها شررٌ خالص.كانت ملامحها تتبدّل، لا تشبه إيڤا التي يعرفونها، لا الطيبة في النظرات، ولا الابتسامة الرقيقة، بل شيء آخر... نظرة حادة كسكين جُرّدت من غمدها، تسير لتغرسها في خاصرة الزمان.هبطت إلى الحديقة، تمشي بجوار الجدران كأنها ظلّ امرأة لا جسد لها.وبينما لفحها هواء الليل الرطب، تسارعت أنفاسها قليلاً، حين وصلت إلى الصخرة الكبيرة، خلفها تمامًا... هناك حيث دَفنت السرّ الذي جاء بها إلى هذا المكان.جثت على ركبتيها، وبدأت بإزاحة القليل من التراب، رفعت حجراً صغيراً كانت تخفي تحته شيئاً مغروسًا في الأرض.أخرجت الهاتف الذي يشبه قط
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more

اكتشاف

في قلب منشأة أمنية تقع على أطراف النقب، وتحديدًا داخل مبنى رمادي اللون محاط بأسلاك شائكة، جلس أربعة رجال في غرفة محصنة تحت الأرض، تكتظ جدرانها بشاشات مراقبة متراصة تعرض بثًا مباشرًا من أنحاء مختلفة من المنطقة، بينما تملأ الطاولة الطويلة أمامهم ملفات ورقية وأقراص تخزين إلكترونية.الإضاءة باهتة، متعمدة، وتنبعث من مصابيح صغيرة مثبتة في السقف الخرساني، أما الهواء فكان مشبعًا برائحة معدن وأوراق قديمة، وكان السكون يخيّم على المكان إلا من صوت أزيزٍ خافت يصدر عن الأجهزة.(يدخل رجل في منتصف الخمسينات، حليق الرأس، يحمل رتبة رفيعة على كتفه)الضابط (بهدوءٍ حذر):"هل بدأتم فحص ما وصلنا من العميلة إيڤا؟"شاب أشقر يضع نظارة دقيقة، كان يقلب في الأوراق بانتباه:"نعم، سيدي. لقد وصلتنا ثلاث دفعات حتى الآن... المستندات تحمل ختم المصنع، وتفاصيل تتعلّق بما أسمته بمحرك الجنوب."الضابط:"هل تم التأكد من صحتها؟"شاب آخر، ذو شعر داكن وجبهة عريضة، كان يحدّق في شاشة أمامه:"التوقيعات، الأكواد، الرموز الداخلية، حتى ترتيب الصفحات... كل شيء يوحي بأنها أصلية. إن كانت هذه المستندات مزيفة، فصاحبها عبقري."الضابط:"وما
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more

بداية الحقيقة

في ردهة الطابق العلوي، حيث الجدران مطلية بلون العاج الهادئ، والمقاعد مزدانة بوسائد تراثية نقشها الصعيدي المميز، جلست "إيڤا" في ركن الغرفة، تطوي ساقًا فوق ساق، تقرأ كتابًا بلغة عربية فصيحة لا تشوبها شائبة. كانت أشبه بزهرة غريبة نبتت في غير أرضها، غريبة في هيئتها، غريبة في صمتها، وغريبة في هذا الهدوء المدروس الذي يغلف كل حركة منها.جلس "رحيم" قبالتها، خلف منضدة خشبية داكنة اللون، يزعم الانشغال بجهازه المحمول، يضغط على لوحة المفاتيح تارة، ويعدّل من نظارته تارة أخرى. غير أنّ عينيه لم تبرحا وجهها؛ تدرسه بحدة، يحصي ومضات عينيها، وتقلّبات تعبيراتها، كما لو كان يقرأ خريطةً خفية تحت جلدها.هي تعلم… بل شعرت بذلك الثقب في ظهرها، كأن نظراته تسلّلت كسكين باردة. رفعت عينيها للحظة، فالتقت نظراته، لم تهرب… بل ابتسمت ابتسامة خفيفة لا روح فيها، ثم قالت بهدوء:إيڤا (بالفصحى):"أظنّك لم تعد تكتب شيئًا، يا رحيم… لقد نفدت الكلمات من حولك، أليس كذلك؟"ارتبك قليلًا، ثم تمتم:رحيم (بالصعيدي):"لا يا بنت الناس… بكتب، بس دماغي مش مجمعة… كملتِ الكتاب؟"أغلقت الصفحة بخفة، وأجابت بصوت واثق:إيڤا:"قرأته، ولكن هناك
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more

بداية النهاية

في غرفة المكتب الهادئة الواقعة في الطابق الثاني من دار عبد الجليل، تلك الغرفة التي تشبه حصنًا صغيرًا بديكور خشبي داكن وستائر ثقيلة تعزلها عن ضجيج البيت. يتناثر الضوء الشاحب من مصباح صغير مثبت أعلى الرف، فتنعكس ظلال الكتب والملفات الكثيرة على الجدران، وتُخيم على المكان رهبة أشبه بغرفة تحقيقات، لا مكتب منزل.في الزاوية، جلس رحيم على مقعد جلدي أسود، متكئًا بظهره إلى الوراء، إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأصابعه تضغط بقوة على ذقنه المتصلب. أمامه وقف مراد، ساكنًا للحظة، لكنه سرعان ما بدأ يتقدّم بخطوتين مترددتين، وهو يرمقه بنظرة قلقٍ لا يخفى فيها الذهول.---مراد (بصوت منخفض ومضطرب):"رحيم... انت متأكد من اللي بتقوله؟ يعني متأكد إن إيڤا جاسوسة؟"رحيم (بهدوء مرّ ومكر دفين):"أيوه... متأكد زي ما إني قاعد قدّامك دلوقتي. عنيها... بتخبي. بتكدّب، مره عينها تهرب، مره تترعش، مره تسكن أوي كأنها بتحاول تثبّت نظرتها عشان ما تتهزش... فاهم؟"مراد (باندهاش):"يعني... كل اللي فات دا تمثيل؟ حتى موضوع الحمل؟"رحيم (ضاحكًا بسخرية مريرة):"الحمل؟! يا بني أنا دكتور نسا وتوليد، وبعرف الحامل من أول أسبوع حتى لو مش قالت
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status