All Chapters of من نسل يعقوب : Chapter 21 - Chapter 23

23 Chapters

ووقعت الفريسة

كانت الشمس تميل نحو الغروب، فألقت بظلالها الطويلة فوق الحديقة الرحبة التي اتخذتها العائلة مجلسًا لهم في تلك الأمسية المضطربة. تجمّع الرجال والنساء حول الطاولة المستطيلة المنصوبة أسفل شجرة الجميز العتيقة، تتدلّى منها فروع كثيفة تحجب بعض النور وتمنح المكان رهبة موشّحة بغلالةٍ من الصمت المترقّب.جلس رحيم في صدر المجلس، بقامته المعتدلة وهيئته الهادئة ظاهريًّا، بينما يداه تعبثان بلا وعي بطرف مسبحته الخشبية. مراد إلى جواره يطالع أوراقًا يذرّيها الهواء بين الحين والآخر، وأمامهما إيڤا التي بدت في تلك اللحظة أكثر هدوءًا من الجميع، متصنعة اهتمامًا عابرًا بحديث العائلة، ترفع بصرها أحيانًا لتبتسم ابتسامة لا يخطئها قلب يقظ: ابتسامة امرأة تخفي أكثر مما تعلن.امتدت أطراف الحديقة في صمت ثقيل، فيما علت ضحكات طفيفة من كوثر وناهد وهما تسكبان الشاي في الفناجين الصغيرة. ولم يشأ رحيم أن يُظهر أدنى ريبة، فقد تواطأ مع مراد على ألا يثيرا الشك في نفس تلك المرأة الغريبة التي احتلت مكانًا في حياتهم دون استئذان.كان صوته منخفضًا وهو يهمس لمراد:ـــ "كلّ حاجة في سلوكها بتقول إن وراها مصيبة… بس لازم نصبر. لو بان عل
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more

خيانة لا تغفر

ساد صمت غريب في الغرفة التي كانت تغمرها أضواء خافتة تتسلّل من أباجورة زجاجية ذات لون عسلي، تنبعث منها إضاءة ناعمة تنكسر على وجه إيڤا المذعور. كانت واقفة في منتصف الغرفة، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي جسدها، وشعرها مربوط خلف رأسها بإهمال، وعيناها الزرقاوان ترتجفان مثل قلبها. كانت تعرف أن هناك خطبًا ما… أحسته في الهواء… في نظرات رحيم الأخيرة… في طريقة مغادرة مراد للمكتب دون حديث… في صمت العائلة رغم ما تصنعه.ثم انفتح الباب ببطء… طقطقة خفيفة... لا صوت أقدام… مجرد ظل امرأة يدخل كأنما انسلّت من العدم.رفعت إيڤا حاجبيها، نظرت باستغراب مشوب بالخوف، ثم بصوت مرتجف سألت بالفصحى:"من أنتِ؟!"لكن الفتاة التي دخلت لم تُجِب مباشرة، كانت ترتدي عباءة رمادية، وجهها حاد القسمات، وشعرها الأسود مسدول على كتفيها، وعيناها كعيني صقر... تقفل الباب خلفها وتُخرج من جيبها الداخلي هاتفًا مغلقًا وكأنها تستعدّ لشيء أكثر من مجرد زيارة.قالت بهدوء، وصوتها كحد السكين:"أنا ميادة... بنت سارة، من جوزها الأول... جوزها المسلم."شهقت إيڤا دون صوت، فتحت فمها كمن كتمت الصراخ في صدرها."أنتِ... ميادة؟! ميادة بنت...؟! لكنهم ق
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more

بداية امل جديد

مرت أربعون ليلة، ودار عبد الجليل قد عادت إلى سكونها المعتاد، لا صوت رصاصٍ يُدوّي، ولا نظرات شكٍّ تُطعن في النوايا. الأرض التي تلطّخت بالدماء غسلها المطر ذات فجر، والمصانع عادت تفتح أبوابها في السادسة صباحًا، والعمال يدخلون ويخرجون ببطاقات معدنية، كأن شيئًا لم يكن.لكن الألم لا يُغسل بالمطر.وفي الطابق العلوي من دار عبد الجليل، حيث غرف النساء تطلّ على حديقة بها نخلة وحيدة، جلست عهود في إحدى الزوايا، شاحبة الوجه، هامدة الجسد، تحتضن ركبتَيْها بثوبٍ رمادي خالٍ من الزينة. الستائر كانت مسدلة، والضوء يدخل خافتًا، يزحف على الأرض كجسد منهك.جلست بجوارها مغفرة، تمسك بيدها وتضغط عليها برفق، وعلى المقعد الخشبي المقابل جلس مراد، عاقدًا حاجبَيْه، بينما وقف والدها عبد الواحد بجوار النافذة، يقبض كفّيه خلف ظهره، يُخفي قلقه في صمتٍ ثقيل.قالت مغفرة بصوت مكسور:– "يا عهود، والله ماينفع كدا. الدنيا رجعت تمشي، واللي حصل كان اختبار وراح. دا رحيم نفسُه انكسر وتغيّر، وواقف برا الباب مستني كلمه تطمنه."رفعت عهود رأسها ببطء، وعيناها متورمتان كأنها لم تنَم منذ ليالٍ.قالت بنبرة مخنوقة:– "هو انكسر؟ طب وأنا؟! أن
last updateLast Updated : 2026-05-22
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status