All Chapters of من نسل يعقوب : Chapter 1 - Chapter 10

23 Chapters

الغريبة

كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، حين انكفأت الشمس على وجه الأرض بلونٍ خافت، كأنّها تخجل من التحديق في غريبةٍ تقطع الطريق وحدها.إيڤا، بثوبها الأسود الفضفاض وحقيبتها الجلدية الصغيرة، كانت تسير فوق التراب الجافّ وكأنها تسير على أعصابها.لا أحد يلتفت… أو بالأحرى، الجميع يلتفت دون أن يمدّ يدًا.مرّت بجانب محلّ صغير، يقف أمامه رجلان عجوزان يشربان الشاي، وما إن اقتربت حتى صمتا فجأة.نظرت إليهما بتحيةٍ خفيفة:— "صباح الخير" ردّ أحدهم بتحفّظ، بينما قال الآخر بصوتٍ عالٍ يكفي لتسمعه:— "غريبة… مش م النِّسوان اللي نِشوفها هنا."تابعت سيرها، وأحسّت بالحرارة تصعد إلى وجهها، ليس من الشمس، بل من نظراتهم.اقتربت من امرأة تجلس أمام باب بيتها، وقالت:— "من فضلكِ، أبحث عن بيت الشيخ عبد الجليل."حدّقت فيها المرأة طويلًا، ثم قالت وهي ترفع حاجبًا ساخرًا:— "شيخ عبد الجليل؟وانتي تبقي مين؟"— "أنا… إيڤا، ابنة سارة بنت عبد الجليل."هنا، تغير وجه المرأة تمامًا، كأنها سمعت اسمًا محرّمًا.قامت سريعًا، ومسحت يديها بثوبها، ثم قالت وهي تدخل الدار:— "ما عِرفش، اسألي غِيري."بقيت إيڤا واقفة، تشعر بالطرقات تبتلع
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

حين لامس الأذان قلب الغريبة

في قلب المجلس الكبير، حيث الجدران شاهدة على موائد الصلح والحسم، جلس الشيخ عبد الجليل على كرسيّه الخشبي القديم، تتوسطه عصاه الغليظة التي لطالما ضرب بها الأرض حين يشتد الخصام.في وجهه تجاعيد حفرها العمر، وفي صمته مهابة، لكن هذا اليوم لم يكن كغيره.اجتمعت العائلة كلّها.الرجال في المقدمة: عبد القاسم، عبد الواحد، عبد المجيد، وعبد الرؤوف، وأبناؤهم مصطفّون على اليمين.أما النساء، فجلست كل زوجة بالقرب من زوجها، محجبات، مستورات، ما عدا واحدة: إيڤا.وقفت بين الجميع، كأنها غريبة في دار أهلها، فستانها الطويل من قماش ناعم، شعرها مفرود، ونظرتها حادة. لم تكن خائفة، لكن النبض في عنقها يفضح القلق.قال الشيخ عبد الجليل، وهو ينظر إلى أولاده:"اسمعوا، البِنية دي جاية تقول إنها حفيدتي. بنت ساره بنتي. قبل ما نفصل، كلٍّ يقول رأيه."ابتدأ عبد القاسم، وقد شبّك أصابعه خلف ظهره، وقال:"أنا شايف يا بوي إن اللي اتقطّع ما يتلحمش. صفية اختارت طريق تاني، ودي نِتاجه. ما نقدرش نغصب الدم يرجع مكانه."قال عبد الواحد وهو يهز رأسه:"البِنية شكلها ما يطمنّش، وعيونها فيها نار مش راحة. خايف تفتّح علينا باب فِتنة."عبد المجي
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

غريبة في بيت من نار

في الساعة السابعة صباحًا، استيقظت الشمس على حياء، تُطلُّ بخجل من خلف الستائر البيضاء المطرزة التي تُموجها نسائم يوليو، تُضيء غرفة رحيم بنور ذهبي ناعم. الجدران بلون سكري هادئ، يتوسطها سرير خشبي عتيق يعلوه ظهرٌ منقوش بزخارف عربية. بجواره خزانة ذات مرآة باهتة الأطراف من كثرة ما شهدت من صباحاتٍ ثقيلة.كان رحيم يقف أمامها، يُغلق أزرار قميصه الكُحلي، عاقدًا حاجبيه في شرود. صوت أنفاس صغيرهما زين يُطرب الغرفة بطمأنينة، وقد تمدد بينهما في الفراش مثل ملاكٍ تعب من لهو الأمس.عهود جلست على طرف السرير، تلف جسدها بعباءتها الستان، وشعرها مرفوع بعجلة، لكن عينيها كانتا يقظتين، تقيس بهما حديث الصباح قبل أن يبدأ.قالت وهي تُعدل حافة الغطاء على جسد ابنها:ــ "ما تقولّيش إنك هتسكت على البت دي تبات هنا تاني؟"أدار وجهه نحوها ببطء، تنهد وهو يلتقط ساعته من على الطاولة:ــ "عهود، متبدئيش يومك بالنقاش دا. البت غريبة، ومكسورة، ومالهاش حَدّ."رفعت حاجبيها، ونبرة صوتها بدأت تعلو:ــ "غريبة؟ ده انت ناسي يا رحيم إن دمها مش منّا؟ ناسي إن أبوها يهودي؟ واللي يهودي ميصحش يعيش وسطنا!"اقترب منها بخطوات هادئة، ثم جلس على
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

غيرة لا تغفر

كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقات متقطعة تنبعث من طرف الغرفة حيث جلست عهود، مطوية على نفسها على طرف السرير، بثوبها المنكمش وكحل عينيها المسفوك كندبة فوق وجنتيها. كان الضوء الشاحب المنبعث من المصباح المعلق في السقف يرتعش كل حين، كأنّه يحاكي اضطراب الدقائق الثقيلة التي تمرّ ببطء، وكأنّ الزمن ذاته يرفض أن يمضي.وقف مراد عند الباب لحظةً، ساكنًا لا يتقدّم، عيناه جامدتان، ووجهه لا يحمل سوى قسوة جامدة، يَكتم خلفها بركانًا من الغضب والاستياء.عهود، بصوت متهدّج:– "يضربني... يضربني قدّامهم كلهم! علشان واحدة يهودية! واحدة ما تعرفش ربنا ولا دين! يضربني، أنا! بنت عبد الواحد!"اقترب مراد بخطًى ثقيلة، ووضع يديه خلف ظهره، وجلس على الكرسي المجاور للنافذة، ناظرًا إليها دون أن ينبس بكلمة.– "أنا عهود... أنا مراته! واللي حصل ده مايتسكتش عليه! إزاي يمد إيده عليّ؟ قدامك يا مراد، قدّام الكل! علشان واحدة..."رفعت رأسها فجأة، تشهق بانفعال، وأردفت بصوت متكسّر:– "واحدة ما تنفعش تطبّ برجليها دار عبد الجليل أصلاً..."قاطعتها مغفرة بهدوء، وهي تقف عند باب الغرفة، يدها تمسك بكوب ماء:– "يا بنت الن
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

غيرة لا تغفر

كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقات متقطعة تنبعث من طرف الغرفة حيث جلست عهود، مطوية على نفسها على طرف السرير، بثوبها المنكمش وكحل عينيها المسفوك كندبة فوق وجنتيها. كان الضوء الشاحب المنبعث من المصباح المعلق في السقف يرتعش كل حين، كأنّه يحاكي اضطراب الدقائق الثقيلة التي تمرّ ببطء، وكأنّ الزمن ذاته يرفض أن يمضي.وقف مراد عند الباب لحظةً، ساكنًا لا يتقدّم، عيناه جامدتان، ووجهه لا يحمل سوى قسوة جامدة، يَكتم خلفها بركانًا من الغضب والاستياء.عهود، بصوت متهدّج:– "يضربني... يضربني قدّامهم كلهم! علشان واحدة يهودية! واحدة ما تعرفش ربنا ولا دين! يضربني، أنا! بنت عبد الواحد!"اقترب مراد بخطًى ثقيلة، ووضع يديه خلف ظهره، وجلس على الكرسي المجاور للنافذة، ناظرًا إليها دون أن ينبس بكلمة.– "أنا عهود... أنا مراته! واللي حصل ده مايتسكتش عليه! إزاي يمد إيده عليّ؟ قدامك يا مراد، قدّام الكل! علشان واحدة..."رفعت رأسها فجأة، تشهق بانفعال، وأردفت بصوت متكسّر:– "واحدة ما تنفعش تطبّ برجليها دار عبد الجليل أصلاً..."قاطعتها مغفرة بهدوء، وهي تقف عند باب الغرفة، يدها تمسك بكوب ماء:– "يا بنت الن
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

وجوه الغرباء

كان السطح مُنبسطًا واسعًا، مبنيًا فوق بيت طيني عتيق، تتدلّى من أحد أركانه حبال الغسيل تُطوحها نسمات العصر الهادئة، فتتمايل الملابس كأنها تسبح في فلك من نور.الجدران الحمراء المشققة عانقت ضوء الشمس الذهبي، وانسابت خيوطه على السقف الخشبي وأطراف الطوب المتآكل كأنها تودّع نهارًا طيّبًا بقبلة حانية.جلس علي عند الركن الشرقي من السطح، مُنهمكًا في إصلاح لعبة بلاستيكية مكسورة، أمامه صندوق خشبي قديم مفتوح، تعج بداخله المفكات والمفاتيح والكماشات.كان يرتدي جلبابًا رماديًا مشمّرًا عن ساقيه، وعيناه تتابعان القطع الصغيرة كأنها كنز دفين لا يجوز إهماله.من باب السطح المفتوح، انبثقت كوثر، تحمل صينية معدنية بها كوبان من الشاي، يتصاعد منهما البخار بخفة، ورائحة النعناع تنساب منهما كأنها دعوة للسكينة.كوثر (بابتسامة وهي تقترب):ـــ يا ساتر يا رب! هو في يوم يعدّي من غير ما تعكّ جنب علبة المفاتيح دي؟!علي (من دون أن يرفع بصره):ـــ يوم ما تعضّيش فيه الشاكوش، ما يتسجّلش في الدفتر أصلاً يا كوثر!كوثر (تضع الصينية بجواره):ـــ يا راجل، دا أنا قلت أطلّعلك كوباية شاي تطفّي نارك شوية، لقيتك بتولّع في اللعبة المس
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

سقوط

كان الفجرُ لا يزال غضًّا، والضوء الخافت يتسلّل ببطءٍ فوق شقوق الجدران الطينية، يطليها بشيءٍ من الحياة التي توشك أن تُنتزع. صمتٌ ثقيلٌ كان يخيّم على الدار، لا يُكسره سوى صوت الديكة المتقطّع من بعيد، ونباحُ كلابٍ خاملٍ كأنها أحسّت بالفقد قبل الجميع.في وسط الحوش الكبير، انتصب الجد عبد الجليل، متّشحًا بثوبه الأبيض وعباءته البنية القديمة، يتكئ على عصاه كأنها عمود الزمن، وقد تجمّع حوله أولاده الأربعة: عبد القاسم، عبد الواحد، عبد المجيد، وعبد الرؤوف. العفش قد رُصّ على العربة الكبيرة، والجِمال تشخر في تعب. والقلوب، من حولهم، تغلي.وقف الأحفاد الأربعة: رحيم، مراد، سالم، وعلي، بعيونٍ متوجّعة، وزوجاتهم من خلفهم يتشبّثن بالأطفال كمن يتشبّث بحياةٍ تغادر.الجد عبد الجليل مدّ يده بإشارة، فاقترب الجميع في حلقةٍ حوله. مسح على لحيته البيضاء، ثم تكلم بصوتٍ ثابت، غليظ كأجراسٍ مكسورة:> "ياما قلتلكم، اليوم ده جاي...يوم الفُرقة، يوم الضهر يتني، والقلوب تتحرّق...إنّي ماشي، ومعايا الرجالة الكبار،وسايبكم أمانة في رقبة بعض...الصعيد ده أرضنا، ونساوينّا وشبابنا فيه...وإيڤا... إيڤا دي... وإن كانت بنت سارة،
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

عيون لا تطمئن

هدأ البيت إلا من همسات الريح خلف النوافذ، وصوت عقارب الساعة يُعدّ الزمن بهدوء خانق. في الغرفة، كان الضوء خافتًا، ينبعث من أباجورة صغيرة بجوار السرير.جلست ناهد على طرف الفراش، تلفّ شالًا خفيفًا حول كتفيها، وتضم كفيها في حجرها كمن يرتجف داخليًا دون أن يبين.دخل سالم وهو يفك أزرار جلبابه ببطء، رمقها بطرف عينه ثم أزاح عباءته جانبًا، وجلس إلى جوارها في صمت.سالم (بلُطف وهو يمدّ يده):"بردانة؟ تعالي هنا جنبي."ناهد (بصوت واطي، تهز رأسها):"لا... دفيانة."سكت لحظة، ثم مد يده ولمس كفّها، فوجده باردًا كالماء.سالم (بحنان، وهو يشد يدها):"ده دفا إيه بس؟ إيديكي تلج، ووشك مش على بعضه... مالك يا ناهد؟"ناهد (بصوت مكسور وهي تشيح بنظرها):"ولا حاجة."سالم (بهدوء مريب):"كُنا متفقين... نِخبيش حاجة عن بعض. مش كده؟"نظرت إليه بعينين دامعتين، ثم هزّت رأسها موافقة.مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تنفجر الكلمات أخيرًا من فمها:ناهد (بهمس):"أنا تعبت يا سالم... كل شهر أستنى، وأقول يمكن المرة دي... ويفوت الشهر زي اللي قبله... وتفضل البطن فاضية، وقلبي هو اللي يمتلِي بالحسرة."صمت سالم، كأن الكلمات خبطته في قلبه. ثم
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

حين خانت الكلمة صبرها

كان البيت الكبير لا يزال يحتفظ بشيء من وقار الجد، حتى وإن خلا من خطواته التي كانت تُشبه وقع الحكمة وهي تمشي على الأرض.شمس الجمعة تسلّلت بخجل عبر النوافذ الواسعة، تُنثر ضوءها على الأرضية المُنظَّفة حديثًا، تُعانق سُفرةً فُرشت عليها ألوان من الخبز البلدي الساخن، الجبنة القديمة، الطماطم المقطّعة بيد مغفرة، والفول المدمس تفوح رائحته حتى باب الدار.جلسوا جميعًا في الصالة الواسعة، حول الطبلية الخشبية المُسطحة، مفروشٌ تحتها حصير صوفيّ قديم، كان الجد يحبّه، وظلّت مغفرة تصرّ على أن لا يُرفع.كوثر جلست بجوار علي، تُقشّر بيضة عدنان وهو يضرب بيده على المفرش، يضحك ضحكة لا تُقاوم. ناهد بجوار سالم، تحدّثه بصوت خافت عن حلم رأته. مراد في صدر الطبلية، كعادته، وعهود بجانبه، وجهها ساكن لكن العينين لم تهدآ، تتابع كل حركة من رحيم الجالس على الطرف الآخر، حيث جلست إيڤا، بهدوئها الغريب وهي ترتّب الملاعق أمامها بدقة شديدة.كان الجو صافيًا، إلى أن قطعت مغفرة ذلك الهدوء بلهجة صعيدية عذبة، وهي تنظر إلى علي:ــ "صلّوا على النبي، يا ولاد، اللهم صلّي عليه وعدّوا في سركم."ابتسم مراد وقال:ــ "اللهم صلّي وسلّم وبارك
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more

اقدار لا ترحم

الغرفة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى طنين الصمت.جدرانها العالية بلون البيج الباهت، تتخللها بعض الظلال التي رسمها نور الشمس المتسلّل من خلف الستارة السميكة الكُحلية.السجادة في منتصف الأرض تملؤها نقوش شرقية غامقة، وخيوطها الطويلة تشبه ما تبقى من صبرها.طاولة التسريحة أمامها مغطّاة ببقايا عطور قديمة، ومساحيق تجميل لم تلمسها منذ أيام.جلست عهود على الكرسي الخشبي أمام المرآة، جسدها منحني قليلاً للأمام، وكتفاها متهدّلان كمن يحمل على عاتقه جبلاً.كانت ترتدي عباءة رمادية داكنة فضفاضة، قد فقدت طراوتها من كثرة البكاء فيها.شعرها الأسود الطويل متناثر على كتفيها كأنه يواسيها، وعيناها... يا الله، كم ذبلت عيناها.كأنهما عاشتا ألف خيبة في ليلة واحدة.رفعت يدها ببطء، ومررت أصابعها المرتجفة على خدها الأيسر.كانت آثار البكاء محفورة تحت عينيها، منتفخة، مجهدة...تمتمت بشفاه جافة:ــ "أنا بقيت شكل حد مات من زمان... وأنا لسه عايشة."المرآة لم تعد تعكس صورتها... بل تعكس أوجاعها.وكأن الزجاج صار بوابةً ترى من خلالها المرأة التي كانت يومًا ما... زوجة رحيم، وحب حياته.همست لنفسها، وصوتها بالكاد يُسمع:ــ "مرتين ي
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status