LOGINلم يكن ظهورها مصادفة. ولم يكن حضورها عاديًا. كانت تعرف ما لا يجب أن يُعرف. تقول ما لا يقال. تمشي في الدار كأن الأرض تحفظ خطاها... وتتحدث عن تاريخٍ دُفن، ولم يُحكَ لأحد. لم تسأل الإذن، ولم تنتظر التصديق. كل ما فعلته… أنها أعلنت انتسابها. ما بين من صدّق، ومن شكّ، انقسمت الدار إلى نصفين: نصف أعماه الإعجاب، ونصف خنقته الحقيقة. ورقة واحدة كانت كفيلة بإشعال كل شيء. خطوة واحدة أعادت فتح القبور. في مكانٍ يُحكم بالنسب، ما أخطر أن يدّعي أحدهم… أنه ينتمي.
View Moreكانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، حين انكفأت الشمس على وجه الأرض بلونٍ خافت، كأنّها تخجل من التحديق في غريبةٍ تقطع الطريق وحدها.
إيڤا، بثوبها الأسود الفضفاض وحقيبتها الجلدية الصغيرة، كانت تسير فوق التراب الجافّ وكأنها تسير على أعصابها. لا أحد يلتفت… أو بالأحرى، الجميع يلتفت دون أن يمدّ يدًا. مرّت بجانب محلّ صغير، يقف أمامه رجلان عجوزان يشربان الشاي، وما إن اقتربت حتى صمتا فجأة. نظرت إليهما بتحيةٍ خفيفة: — "صباح الخير" ردّ أحدهم بتحفّظ، بينما قال الآخر بصوتٍ عالٍ يكفي لتسمعه: — "غريبة… مش م النِّسوان اللي نِشوفها هنا." تابعت سيرها، وأحسّت بالحرارة تصعد إلى وجهها، ليس من الشمس، بل من نظراتهم. اقتربت من امرأة تجلس أمام باب بيتها، وقالت: — "من فضلكِ، أبحث عن بيت الشيخ عبد الجليل." حدّقت فيها المرأة طويلًا، ثم قالت وهي ترفع حاجبًا ساخرًا: — "شيخ عبد الجليل؟ وانتي تبقي مين؟" — "أنا… إيڤا، ابنة سارة بنت عبد الجليل." هنا، تغير وجه المرأة تمامًا، كأنها سمعت اسمًا محرّمًا. قامت سريعًا، ومسحت يديها بثوبها، ثم قالت وهي تدخل الدار: — "ما عِرفش، اسألي غِيري." بقيت إيڤا واقفة، تشعر بالطرقات تبتلعها دون أن تهديها. مرّ فتى صغير، نادته بهدوء: — "أيّها الصغير… هل تعرف بيت العمدة؟" أجابها من بعيد: — "عارف… بس مش هُوَصِّلك، أصلِّي ماشي أبلّي." مشت أكثر… الطريق يفوح منه الغبار، والهواء مثقل برائحة النار والقمح والرفض. تقدّمت من رجلٍ سبعيني، يجلس على كرسي بلاستيكي أمام دكانٍ قديم. — "سيدي… أرجو مساعدتك. أبحث عن بيت الشيخ عبد الجليل. أنا…" قاطعها، قبل أن تُكمل: — "إنتي مين شگلك غريب عن هنا ؟" لم تنطق، لكنها أومأت برأسها. الرجل هز رأسه وقال: — "أهو فوق التلّ هناك، وراه الجبّانة القديمة. البيت الكُبير اللي فـ صدر الجبل. بس روّحي يا بِت… الناس هنا ما نسيوش. اللي تِجوز يِهودي… ما ترجعش لبلدِها كأنّها وِلِدت تاني." لم ترد. مشت نحو التلّ كما دلّها، وقلبها يدقّ بين صدرها كأنه ينذرها، لا يشجعها. الطريق إلى البيت كان صاعدًا، تُظلّله أشجار النبق، وتحيط به أسوار حجرية متآكلة. كل خطوة نحو البيت، كأنّها تخترق جدارًا من الذاكرة، والخوف، والدم. حين وصلت إلى الباب، لم تجد أحدًا. ترددت لحظة، ثم رفعت يدها وطرقت. الباب الخشبي كان ثقيلاً، وصدى الطرق يعود إليها كأنّها تضرب على قلب مَن تركهم خلفه. الباب انفتح فجأة، وخرجت منه فتاة في العشرينات، ترتدي جلبابًا سماويًّا، وشعرها مربوط على عجل. — "نِعَم؟" — "هل هذا بيت الشيخ عبد الجليل؟" — "أيوه. إنتي تبقي مين؟" صمتت إيڤا لحظة، ثم قالت بصوتٍ واضح، كأنّها تنطق باسمها للمرة الأولى: — "أنا… إيڤا " نظرت لها الفتاة بعدم فهم!! ثم قالت بصوتٍ منخفض: — "مين؟!" الدنيا لِسَّه بتجيب المفاجآت، إنتي عاوزه جدي ." _ امأت إيڤا بنعم " وسكتت، ثم فتحت الباب على اتساعه وقالت: — "اتفضّلي… سِكّة جِيتِك شكلها كانت طويلة. تعالى ادخلي جدي قاعد في المجلس " دخلت إيڤا الدار، وكان قلبها يطرق في صدرها كأنه الباب الثاني الذي لم يُفتح بعد. --- دخلت إيڤا إلى المجلس بخطوات مترددة، وكأن كل خطوةٍ منها توقظ شبحًا من الماضي. الأرضية المفروشة بسجادٍ داكن تفوح منه رائحة الطين والسنين، والجدران تحمل صور رجال بعمائم، وجوههم جامدة كأنها لا تُسامح. في صدر القاعة، جلس عبد الجليل. رجلٌ في أواخر السبعين، جسده ضخم، وعمامته تلف رأسه بصرامة لا تليق إلا برجلٍ يعرف تمامًا من هو. نظر إليها طويلًا. لم يتحدث. ولم تقترب. قالت بصوتٍ هادئ، يحمل كل ما أخفته السنوات: — "أنا… إيڤا. حفيدتك." لم تهتز ملامحه، لم يندهش. فقط قال بصوتٍ أجش، بطيء كأنه يجرّ على لسانه عشرات الطعنات: — "سارة… خَلّفِت بِتّ؟" — "نعم. أنا ابنتها." — "وسَمَّتك اي؟ _' إيڤا" حِلفت ما تورّثِك مِنا ولا حتى في اسمك." اقتربت إيڤا، وجلست على الكرسي المقابل، ظهرها مستقيم، وعيناها ثابتتان فيه كأنها تسأله: أتقبلني؟ — "لقد أتيت لأسمع ما لم تروه. لم تأتِ بي أمي إلى هنا، لكنها حملت المكان كله في وجعها." تنحنح عبد الجليل، وسحب مسبحته ببطء بين أصابعه، ثم قال: — "أمّك سارة… كانت سُمّ في عَسَل. مَتعَلّمة… قارْية، وتِقرا أكتر م الرجالة. بس ما سِمعِتْش كلامي." نظر بعيدًا للحظة، كأنّه يرى سارة تمشي في فستانٍ أبيض نحو مَن لا يُسمّى. — "فجأة… اختفت. وِشّها ما بانش، وما سِمعناش إلا بعد سنين… إنها جَوّزِت يهودي. مِ بلد تاني، ودين تاني، وجَذر تاني." كانت عيناه جامدتين، لكن صوته حمل شرخًا… شرخ الأب الذي ماتت فيه ابنته قبل أن تُدفن. قالت إيڤا: — "هل دفنتموها وهي حيّة؟ هل قتلتموها في قلوبكم لتنجوا من العار؟" ضرب الأرض بعصاه فجأة، وقال: — "اللي يهين أصله… يتشلّ م التاريخ. أنا كنت عَمدة. اسمي كان يمشي قُدّامي. وسارة… كسرت ضهري، وِخَلّتني أمشي ورا سِيرتها مكسور." مدت إيڤا يدها نحو صدرها، وقالت بهدوء: — "وأنا… أنا الثمرة التي نَبَتَت من ذلك الكسر. هل سترميني كما رميتَها؟" سكت. تنفّس ببطء، كأن صدره لا يتّسع لحفيدته. ثم قال: — "انتي ضِيفه… والضيف له كِرمِه. بس مِتفَكّريش إنك حفيدة عبد الجليل كِده وبس. اللقب ده غالي… ومِينفعش لِكُلّ الناس." لم تُجب. فقط نظرت إليه نظرةً صامتة، لا ترجوه، ولا تخافه، فقط… تقرأه. عندها، ولأول مرة منذ سنين، شعر عبد الجليل أنّ وجه ابنته سارة قد عاد إليه، لكن على هيئة فتاة تحمل نصف الاسم… وكلّ العتاب. --- كان المصنع القديم، القابع على حافة النهر، يفيض بدخان الأفران، وعبق الطين الساخن. الشمس فوق الرؤوس حادّة، والغبار يتراقص في الهواء كأنّه شبحٌ يراقب العرق المتساقط من الجباه. أربعُ هاماتٍ تتحرّك كأنها نبضٌ واحد: رحيم، سالم، مراد، وعلي… كلٌّ منهم منشغل بطينه، بعجَله، بقطعة خزف بين يديه، كأنها قصيدة لا تُكتب إلا بالحريق. رحيم كان واقفًا على مقربةٍ من فرنٍ مشتعِل، وجهه مغطّى بطبقةٍ رقيقة من الغبار، ويداه تشكّلان إناءً صغيرًا بحذرٍ الجراح. قال دون أن يرفع رأسه: — "سالم، زُود الهوا على فُرن تلاتة… الطينة لِسّه ما خِمتش." ردّ سالم بنبرة هادئة، لكنه مضغوطة: — "الهوا ما بينفعش مع طينة جابِت سُخْن. عاوزِه صبر، مش عَجلة." مراد، كان يغمس يديه في حوض الماء وهو يضحك: — "الطين أشطر م الناس، يتشكل بس يِفَهمك الأول. ما يِحبّش الغِش ولا القِشرة الزيادة." علي، وهو يُمرّر قالبًا نحو رفّ التجفيف، قال ساخرًا: — "أهي الطينة، لو كانت بشر… كنت جَوّزتْها لسالم، أصلِّي ما شُفتش اتنين صبورين كِده!" انفجر ضحك مراد، بينما هزّ رحيم رأسه دون أن يبتسم. في هذه اللحظة، انطلق صوتٌ حاد من آخر المصنع، صوت ولدٍ صغير يركض وهو يلهث، ثوبه ملوّث بالتراب، وجهه مصدوم: — "يا رحيم بيه! يا رحيم بيه!" رفع رحيم رأسه، ومسح يده في جلبابه، وقال بجدّية: — "في إيه يا حمزة؟ مالك مِلهوف كِده؟" الولد وقف وهو يلهث، ثم قال وهو يمد يده نحو الدار: — "في بِتّ… من بلاد برا! واقفة ف داركم! قالت إنها جايّه للشيخ عبد الجليل!" ساد المصنع صمتٌ مفاجئ. مراد نظر إلى علي وضحك باندهاش: — "إحنا جابنا سِيرة العرايس ولا إيه؟ البِتّ جاية لوِحدِها؟" سالم بصوتٍ غامق: — "قال بلاد برا؟ يعني مِش م البلد؟" رحيم انكمش حاجباه، ثم قال بلهجةٍ صارمة: — "سَكَتُوا. حمزة، البِتّ دي شكلها إيه؟ لابسة إيه؟" — " … لابسة سودا. وشّها أبيض، بس وشّ الغُرْبة، وعينيها فيها حيرة. قالت… اسمها إيڤا." مراد رفع حاجبه بدهشة: — "إيڤا؟ الاسم ده ما هوش م البلَد دي خالص." سالم بصوتٍ منخفض: — "يمكن… تكون بنت سارة؟" هنا، وقع الاسم كالحجر في بركة المصنع. رحيم لم يعلّق، فقط خلع مريوله من على صدره، وهز رأسه نحو الباب: — "أنا رايح الدار. لو كانت هِي… يبقى اللي بيندفن رجِع ينَبُت من تاني." تركهم في ذهول، ومضى… وخلفه، بقي الطين كما هو. لكن النار… صارت أكثر توهجًا. ،، __ __ ___ ___ __ كان المطبخ الواسع في دار عبد الجليل يعجّ بالحركة كخلية نحل. رائحة البصل المحمّر تملأ المكان، وصوت المقصوصات يصطك على الألواح الخشبية. من نافذة صغيرة في الركن، تسلّل ضوء العصر على رؤوس النسوة الأربع، فانعكس على وجوههن كأنّه يكشف ما يختبئ في القلوب. في القلب منهن جلست عهود، بثوبٍ ناصعٍ ووجهٍ مرفوع، كأنها لا تقطع الخضرة بيدها بل تأمرها أن تُقطع. على الجانب، كانت مغفرة تحرّك ملعقة خشبية داخل قدر كبير، تهمس لنفسها بكلماتٍ من القرآن، وابتسامة هادئة على وجهها، كأن لا شيء يكدّر صفو قلبها. ناهد، تجلس بقرب النافذة، وعيناها تتابعان الغيم كأنها تقرأ فيه خبرًا قبل أن يحدث، وفي يدها سكين تتحرك بثقة. أمّا كوثر، فقد كانت تغني بصوتٍ خافت وهي تفرم الثوم، ترقص بحركة كتفيها كما لو أن الحياة لا تستحق غير الضحك. --- > قالت عهود، وهي ترفع حاجبها بشموخ: — "قولوا اللي تقولوه، بس ما تهوِّلوش في الموضوع… البِتّ دي ما عجبانيش من ساعة ما دخلِت." ردّت كوثر وهي تضحك: — "يا بتّ ارحميها… شكلها تايهة وتعبانة، ما شفتيش عينيها؟ الله يكون ف عونها، دي داخله كأنها شالت بلد بحالها فوق ضهرها!" مغفرة هزّت رأسها بهدوء: — "والله يا كوثر، كلامِك صح. البِتّ مش جاية تتمنظر، شكلها مكسورة وقلبي وجعني عليها. دخلِت الدار والدموع في عيونها، يا عالم كانت ماشية فين وجات ليه!" ناهد نظرت إلى عهود، وقالت بنبرة عاقلة: — "يا عهود… انتي ناسيه روحك؟ إحنا ستات بيوت عبد الجليل، المفروض قلوبنا أوسع. مش كفاية الناس كلها بَصِّت لها كأنها شيطان، كمان تيجينا تلاقينا قلوبنا ميتة؟" عهود ابتسمت بسخرية: — "أنا مرَة رحيم… يعني العِزّ والهيبة. ما أحبش أي حد يِدخل دارنا كده فجأة ويتربّع ف المجلس!" كوثر صفّقت بضحكة خفيفة: — "يا سلام يا ست الهيبة! يعني لو جات تطلب شربة مَيّه نقفل الباب ف وشها؟ ولا نِحط سُمّ في الطُبخيّة؟" انفجرت مغفرة بالضحك، وهي تقول: — "يا بتّ كوثر، لِسانك أطول م الحِيط! والله لو البلد فيها أكتر من واحدة زيك… كانت الحكاوي بقت نِكات!" ناهد قالت بهدوء وهي تواصل تقطيع الباذنجان: — "أنا حاسة البِتّ دي وراها حكاية، وعبد الجليل بيحبش يدخل حد المجلس من غير سبب. يبقى أكيد فيه حاجة كبيرة. يمكن… تكون الدم لحق الدم!" عهود نظرت لها بشك: — "يعني تبقي بنت الهاربة؟ اللي خَلت دارنا كلها تتغَطى بالسِتر من يومها؟ دي سارة… ما حدش نِسي اللي عملته!" كوثر اقتربت منها وهمست بنبرة جدية: — "بس البنت ما يشيلش ذنب الكبير. ولو جت تدور على أصلها… مش إحنا اللي نرميها برّا." في هذه اللحظة، ساد صمتٌ ثقيل. النار تَهمِس تحت القدر، ورائحة الكُرّات تفوح، لكن التوتر كان أبلغ من كل البهارات. هناك في المجلس، كانت إيڤا تكشف بعض ما حملته من حكايا، وهنا في المطبخ… كانت النسوة الأربع يَغْزلن المستقبل بخيوط الشكّ، والخوف، وربما الأمل. _ _ _ __ __ كانت الشمس قد انحنت ناحية المغيب، تنثر آخر خيوطها على ساحة الدار الواسعة، حينما خطا رحيم قاسم عبد الجليل خطواتٍ متسارعة نحو المجلس. الغبار كان لا يزال عالقًا على كُمّ جلابيته من أثر العمل في المصنع، وعرق النهار ما زال لم يجفّ على جبينه، لكن شيئًا في قلبه كان يشتعل أكثر من نار الأتون التي تركها خلفه. يداه تفتحان الباب الكبير بقوة، وعيونه تبحث في العتمة عن وجه الرجل الذي لا يُخطئه أبدًا. > كان الشيخ عبد الجليل يجلس على صدر المجلس، بين السجادات القديمة، والمصاحف المغلقة، وحائطٍ واحدٍ عليه صورةٌ باهتة لابنته الغائبة. أمامه، كوب شاي لم يُمسّ، ومسبحة تدور في يده كأنها تعزف على وتر الألم. --- > قال رحيم، بصوته الخشن وقد بدا عليه الغضب: — "جَدّي! بِنْت غريبة… جايّة من بلاد برّا… وتِدخّلها المجلس؟ وِتِقعِد معاها لوِحدكم؟!" عبد الجليل لم يرفع عينيه، قال بهدوء: — "هَدِّي يا رحيم… ما تْعَلّيش الصوت ف بيت أبوك." اقترب رحيم أكثر، وقال بصوتٍ أكثر توترًا: — "الدار ليها حرمتها، وِإحنا لينا مقامنا. لِمّا البِتات كلّها تِتبصّ من الشباك، والرجالة تِسأل، يبقى ف حاجة غلط!" رفع عبد الجليل بصره إليه، وداخل عينيه برقٌ قديم يشبه العتاب: — "ما الغلط… إنك تِسقي ضيف ولا إنك تِقفل الباب ف وشّه؟" ساد صمتٌ لوهلة، قبل أن يهمس الشيخ: — "دي مش غريبة… دي من لَحمنا." رحيم وقف مذهولًا، كأنّ الأرض قد سُحبت من تحته: — "لَحمنا؟!" تنهد الشيخ، وقال بصوتٍ انكسر أكثر مما بدا: — "دي… بنت سارة." سقط اسم سارة على رحيم كالصاعقة. تلك الاسم الذي لا يُذكر في الدار إلا وتُغلق النوافذ، وتُطوى المجالس، ويُقال "اللهم استرنا!" قال بصوتٍ منخفض، وكأنما يخاطب نفسه: — "اللي هجّت؟ اللي طلعت مع راجل يهودي وسابتنا ف العار؟!" عبد الجليل أغلق عينيه وقال: — "آه… اللي هجّت. بس ما سِبتِش الحُرقة جُواي يوم واحد. دلوقتي بنتها جاية… تايهة، وبتدوّر على ريحة أمّها، ودمّها بينا. أنا ما عرفتش أحافظ على بنتي… بس يمكن أقدر أُصلّح الغلط مع حفيدتي." رحيم لم يرد، إنما جلس على الأرض متكئًا على رُكبتيه، وكأنّ حملًا ثقيلًا سقط على صدره. داخل هذا المجلس، كان الزمن يعود للوراء… ليحكي عن عورةٍ قديمة، وجُرحٍ لم يُضمّد، وفتاةٍ جاءت من آخر الدنيا، لتوقظ الصمت في بيت عبد الجليل.مرت أربعون ليلة، ودار عبد الجليل قد عادت إلى سكونها المعتاد، لا صوت رصاصٍ يُدوّي، ولا نظرات شكٍّ تُطعن في النوايا. الأرض التي تلطّخت بالدماء غسلها المطر ذات فجر، والمصانع عادت تفتح أبوابها في السادسة صباحًا، والعمال يدخلون ويخرجون ببطاقات معدنية، كأن شيئًا لم يكن.لكن الألم لا يُغسل بالمطر.وفي الطابق العلوي من دار عبد الجليل، حيث غرف النساء تطلّ على حديقة بها نخلة وحيدة، جلست عهود في إحدى الزوايا، شاحبة الوجه، هامدة الجسد، تحتضن ركبتَيْها بثوبٍ رمادي خالٍ من الزينة. الستائر كانت مسدلة، والضوء يدخل خافتًا، يزحف على الأرض كجسد منهك.جلست بجوارها مغفرة، تمسك بيدها وتضغط عليها برفق، وعلى المقعد الخشبي المقابل جلس مراد، عاقدًا حاجبَيْه، بينما وقف والدها عبد الواحد بجوار النافذة، يقبض كفّيه خلف ظهره، يُخفي قلقه في صمتٍ ثقيل.قالت مغفرة بصوت مكسور:– "يا عهود، والله ماينفع كدا. الدنيا رجعت تمشي، واللي حصل كان اختبار وراح. دا رحيم نفسُه انكسر وتغيّر، وواقف برا الباب مستني كلمه تطمنه."رفعت عهود رأسها ببطء، وعيناها متورمتان كأنها لم تنَم منذ ليالٍ.قالت بنبرة مخنوقة:– "هو انكسر؟ طب وأنا؟! أن
ساد صمت غريب في الغرفة التي كانت تغمرها أضواء خافتة تتسلّل من أباجورة زجاجية ذات لون عسلي، تنبعث منها إضاءة ناعمة تنكسر على وجه إيڤا المذعور. كانت واقفة في منتصف الغرفة، ترتدي عباءة سوداء فضفاضة تخفي جسدها، وشعرها مربوط خلف رأسها بإهمال، وعيناها الزرقاوان ترتجفان مثل قلبها. كانت تعرف أن هناك خطبًا ما… أحسته في الهواء… في نظرات رحيم الأخيرة… في طريقة مغادرة مراد للمكتب دون حديث… في صمت العائلة رغم ما تصنعه.ثم انفتح الباب ببطء… طقطقة خفيفة... لا صوت أقدام… مجرد ظل امرأة يدخل كأنما انسلّت من العدم.رفعت إيڤا حاجبيها، نظرت باستغراب مشوب بالخوف، ثم بصوت مرتجف سألت بالفصحى:"من أنتِ؟!"لكن الفتاة التي دخلت لم تُجِب مباشرة، كانت ترتدي عباءة رمادية، وجهها حاد القسمات، وشعرها الأسود مسدول على كتفيها، وعيناها كعيني صقر... تقفل الباب خلفها وتُخرج من جيبها الداخلي هاتفًا مغلقًا وكأنها تستعدّ لشيء أكثر من مجرد زيارة.قالت بهدوء، وصوتها كحد السكين:"أنا ميادة... بنت سارة، من جوزها الأول... جوزها المسلم."شهقت إيڤا دون صوت، فتحت فمها كمن كتمت الصراخ في صدرها."أنتِ... ميادة؟! ميادة بنت...؟! لكنهم ق
كانت الشمس تميل نحو الغروب، فألقت بظلالها الطويلة فوق الحديقة الرحبة التي اتخذتها العائلة مجلسًا لهم في تلك الأمسية المضطربة. تجمّع الرجال والنساء حول الطاولة المستطيلة المنصوبة أسفل شجرة الجميز العتيقة، تتدلّى منها فروع كثيفة تحجب بعض النور وتمنح المكان رهبة موشّحة بغلالةٍ من الصمت المترقّب.جلس رحيم في صدر المجلس، بقامته المعتدلة وهيئته الهادئة ظاهريًّا، بينما يداه تعبثان بلا وعي بطرف مسبحته الخشبية. مراد إلى جواره يطالع أوراقًا يذرّيها الهواء بين الحين والآخر، وأمامهما إيڤا التي بدت في تلك اللحظة أكثر هدوءًا من الجميع، متصنعة اهتمامًا عابرًا بحديث العائلة، ترفع بصرها أحيانًا لتبتسم ابتسامة لا يخطئها قلب يقظ: ابتسامة امرأة تخفي أكثر مما تعلن.امتدت أطراف الحديقة في صمت ثقيل، فيما علت ضحكات طفيفة من كوثر وناهد وهما تسكبان الشاي في الفناجين الصغيرة. ولم يشأ رحيم أن يُظهر أدنى ريبة، فقد تواطأ مع مراد على ألا يثيرا الشك في نفس تلك المرأة الغريبة التي احتلت مكانًا في حياتهم دون استئذان.كان صوته منخفضًا وهو يهمس لمراد:ـــ "كلّ حاجة في سلوكها بتقول إن وراها مصيبة… بس لازم نصبر. لو بان عل
في غرفة المكتب الهادئة الواقعة في الطابق الثاني من دار عبد الجليل، تلك الغرفة التي تشبه حصنًا صغيرًا بديكور خشبي داكن وستائر ثقيلة تعزلها عن ضجيج البيت. يتناثر الضوء الشاحب من مصباح صغير مثبت أعلى الرف، فتنعكس ظلال الكتب والملفات الكثيرة على الجدران، وتُخيم على المكان رهبة أشبه بغرفة تحقيقات، لا مكتب منزل.في الزاوية، جلس رحيم على مقعد جلدي أسود، متكئًا بظهره إلى الوراء، إحدى ساقيه فوق الأخرى، وأصابعه تضغط بقوة على ذقنه المتصلب. أمامه وقف مراد، ساكنًا للحظة، لكنه سرعان ما بدأ يتقدّم بخطوتين مترددتين، وهو يرمقه بنظرة قلقٍ لا يخفى فيها الذهول.---مراد (بصوت منخفض ومضطرب):"رحيم... انت متأكد من اللي بتقوله؟ يعني متأكد إن إيڤا جاسوسة؟"رحيم (بهدوء مرّ ومكر دفين):"أيوه... متأكد زي ما إني قاعد قدّامك دلوقتي. عنيها... بتخبي. بتكدّب، مره عينها تهرب، مره تترعش، مره تسكن أوي كأنها بتحاول تثبّت نظرتها عشان ما تتهزش... فاهم؟"مراد (باندهاش):"يعني... كل اللي فات دا تمثيل؟ حتى موضوع الحمل؟"رحيم (ضاحكًا بسخرية مريرة):"الحمل؟! يا بني أنا دكتور نسا وتوليد، وبعرف الحامل من أول أسبوع حتى لو مش قالت





