من نسل يعقوب

من نسل يعقوب

last updateLast Updated : 2026-05-22
By:  الإلكتروني Ongoing
Language: Arab
goodnovel4goodnovel
Not enough ratings
23Chapters
10views
Read
Add to library

Share:  

Report
Overview
Catalog
SCAN CODE TO READ ON APP

لم يكن ظهورها مصادفة. ولم يكن حضورها عاديًا. كانت تعرف ما لا يجب أن يُعرف. تقول ما لا يقال. تمشي في الدار كأن الأرض تحفظ خطاها... وتتحدث عن تاريخٍ دُفن، ولم يُحكَ لأحد. لم تسأل الإذن، ولم تنتظر التصديق. كل ما فعلته… أنها أعلنت انتسابها. ما بين من صدّق، ومن شكّ، انقسمت الدار إلى نصفين: نصف أعماه الإعجاب، ونصف خنقته الحقيقة. ورقة واحدة كانت كفيلة بإشعال كل شيء. خطوة واحدة أعادت فتح القبور. في مكانٍ يُحكم بالنسب، ما أخطر أن يدّعي أحدهم… أنه ينتمي.

View More

Chapter 1

الغريبة

كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، حين انكفأت الشمس على وجه الأرض بلونٍ خافت، كأنّها تخجل من التحديق في غريبةٍ تقطع الطريق وحدها.

إيڤا، بثوبها الأسود الفضفاض وحقيبتها الجلدية الصغيرة، كانت تسير فوق التراب الجافّ وكأنها تسير على أعصابها.

لا أحد يلتفت… أو بالأحرى، الجميع يلتفت دون أن يمدّ يدًا.

مرّت بجانب محلّ صغير، يقف أمامه رجلان عجوزان يشربان الشاي، وما إن اقتربت حتى صمتا فجأة.

نظرت إليهما بتحيةٍ خفيفة:

— "صباح الخير"

ردّ أحدهم بتحفّظ، بينما قال الآخر بصوتٍ عالٍ يكفي لتسمعه:

— "غريبة… مش م النِّسوان اللي نِشوفها هنا."

تابعت سيرها، وأحسّت بالحرارة تصعد إلى وجهها، ليس من الشمس، بل من نظراتهم.

اقتربت من امرأة تجلس أمام باب بيتها، وقالت:

— "من فضلكِ، أبحث عن بيت الشيخ عبد الجليل."

حدّقت فيها المرأة طويلًا، ثم قالت وهي ترفع حاجبًا ساخرًا:

— "شيخ عبد الجليل؟

وانتي تبقي مين؟"

— "أنا… إيڤا، ابنة سارة بنت عبد الجليل."

هنا، تغير وجه المرأة تمامًا، كأنها سمعت اسمًا محرّمًا.

قامت سريعًا، ومسحت يديها بثوبها، ثم قالت وهي تدخل الدار:

— "ما عِرفش، اسألي غِيري."

بقيت إيڤا واقفة، تشعر بالطرقات تبتلعها دون أن تهديها.

مرّ فتى صغير، نادته بهدوء:

— "أيّها الصغير… هل تعرف بيت العمدة؟"

أجابها من بعيد:

— "عارف… بس مش هُوَصِّلك، أصلِّي ماشي أبلّي."

مشت أكثر…

الطريق يفوح منه الغبار، والهواء مثقل برائحة النار والقمح والرفض.

تقدّمت من رجلٍ سبعيني، يجلس على كرسي بلاستيكي أمام دكانٍ قديم.

— "سيدي… أرجو مساعدتك. أبحث عن بيت الشيخ عبد الجليل. أنا…"

قاطعها، قبل أن تُكمل:

— "إنتي  مين شگلك غريب عن هنا ؟"

لم تنطق، لكنها أومأت برأسها.

الرجل هز رأسه وقال:

— "أهو فوق التلّ هناك، وراه الجبّانة القديمة.

البيت الكُبير اللي فـ صدر الجبل.

بس روّحي يا بِت…

الناس هنا ما نسيوش.

اللي تِجوز يِهودي… ما ترجعش لبلدِها كأنّها وِلِدت تاني."

لم ترد.

مشت نحو التلّ كما دلّها، وقلبها يدقّ بين صدرها كأنه ينذرها، لا يشجعها.

الطريق إلى البيت كان صاعدًا، تُظلّله أشجار النبق، وتحيط به أسوار حجرية متآكلة.

كل خطوة نحو البيت، كأنّها تخترق جدارًا من الذاكرة، والخوف، والدم.

حين وصلت إلى الباب، لم تجد أحدًا.

ترددت لحظة، ثم رفعت يدها وطرقت.

الباب الخشبي كان ثقيلاً، وصدى الطرق يعود إليها كأنّها تضرب على قلب مَن تركهم خلفه.

الباب انفتح فجأة، وخرجت منه فتاة في العشرينات، ترتدي جلبابًا سماويًّا، وشعرها مربوط على عجل.

— "نِعَم؟"

— "هل هذا بيت الشيخ عبد الجليل؟"

— "أيوه.

إنتي تبقي مين؟"

صمتت إيڤا لحظة، ثم قالت بصوتٍ واضح، كأنّها تنطق باسمها للمرة الأولى:

— "أنا… إيڤا "

نظرت لها الفتاة بعدم فهم!!  ثم قالت بصوتٍ منخفض:

— "مين؟!"

الدنيا لِسَّه بتجيب المفاجآت، إنتي عاوزه جدي ."

_ امأت إيڤا بنعم "

وسكتت، ثم فتحت الباب على اتساعه وقالت:

— "اتفضّلي…

سِكّة جِيتِك شكلها كانت طويلة.

تعالى ادخلي جدي قاعد في المجلس "

دخلت إيڤا الدار، وكان قلبها يطرق في صدرها كأنه الباب الثاني الذي لم يُفتح بعد.

---

دخلت إيڤا إلى المجلس بخطوات مترددة، وكأن كل خطوةٍ منها توقظ شبحًا من الماضي.

الأرضية المفروشة بسجادٍ داكن تفوح منه رائحة الطين والسنين، والجدران تحمل صور رجال بعمائم، وجوههم جامدة كأنها لا تُسامح.

في صدر القاعة، جلس عبد الجليل.

رجلٌ في أواخر السبعين، جسده ضخم، وعمامته تلف رأسه بصرامة لا تليق إلا برجلٍ يعرف تمامًا من هو.

نظر إليها طويلًا.

لم يتحدث.

ولم تقترب.

قالت بصوتٍ هادئ، يحمل كل ما أخفته السنوات:

— "أنا… إيڤا.

حفيدتك."

لم تهتز ملامحه، لم يندهش.

فقط قال بصوتٍ أجش، بطيء كأنه يجرّ على لسانه عشرات الطعنات:

— "سارة… خَلّفِت بِتّ؟"

— "نعم. أنا ابنتها."

— "وسَمَّتك اي؟

_' إيڤا"

حِلفت ما تورّثِك مِنا ولا حتى في اسمك."

اقتربت إيڤا، وجلست على الكرسي المقابل، ظهرها مستقيم، وعيناها ثابتتان فيه كأنها تسأله: أتقبلني؟

— "لقد أتيت لأسمع ما لم تروه.

لم تأتِ بي أمي إلى هنا، لكنها حملت المكان كله في وجعها."

تنحنح عبد الجليل، وسحب مسبحته ببطء بين أصابعه، ثم قال:

— "أمّك سارة… كانت سُمّ في عَسَل.

مَتعَلّمة… قارْية، وتِقرا أكتر م الرجالة.

بس ما سِمعِتْش كلامي."

نظر بعيدًا للحظة، كأنّه يرى سارة تمشي في فستانٍ أبيض نحو مَن لا يُسمّى.

— "فجأة… اختفت.

وِشّها ما بانش، وما سِمعناش إلا بعد سنين…

إنها جَوّزِت يهودي.

مِ بلد تاني، ودين تاني، وجَذر تاني."

كانت عيناه جامدتين، لكن صوته حمل شرخًا… شرخ الأب الذي ماتت فيه ابنته قبل أن تُدفن.

قالت إيڤا:

— "هل دفنتموها وهي حيّة؟ هل قتلتموها في قلوبكم لتنجوا من العار؟"

ضرب الأرض بعصاه فجأة، وقال:

— "اللي يهين أصله… يتشلّ م التاريخ.

أنا كنت عَمدة.

اسمي كان يمشي قُدّامي.

وسارة… كسرت ضهري، وِخَلّتني أمشي ورا سِيرتها مكسور."

مدت إيڤا يدها نحو صدرها، وقالت بهدوء:

— "وأنا… أنا الثمرة التي نَبَتَت من ذلك الكسر.

هل سترميني كما رميتَها؟"

سكت.

تنفّس ببطء، كأن صدره لا يتّسع لحفيدته.

ثم قال:

— "انتي ضِيفه… والضيف له كِرمِه.

بس مِتفَكّريش إنك حفيدة عبد الجليل كِده وبس.

اللقب ده غالي… ومِينفعش لِكُلّ الناس."

لم تُجب.

فقط نظرت إليه نظرةً صامتة، لا ترجوه، ولا تخافه، فقط… تقرأه.

عندها، ولأول مرة منذ سنين، شعر عبد الجليل أنّ وجه ابنته سارة قد عاد إليه، لكن على هيئة فتاة تحمل نصف الاسم… وكلّ العتاب.

---

كان المصنع القديم، القابع على حافة النهر، يفيض بدخان الأفران، وعبق الطين الساخن.

الشمس فوق الرؤوس حادّة، والغبار يتراقص في الهواء كأنّه شبحٌ يراقب العرق المتساقط من الجباه.

أربعُ هاماتٍ تتحرّك كأنها نبضٌ واحد:

رحيم، سالم، مراد، وعلي…

كلٌّ منهم منشغل بطينه، بعجَله، بقطعة خزف بين يديه، كأنها قصيدة لا تُكتب إلا بالحريق.

رحيم كان واقفًا على مقربةٍ من فرنٍ مشتعِل، وجهه مغطّى بطبقةٍ رقيقة من الغبار، ويداه تشكّلان إناءً صغيرًا بحذرٍ الجراح.

قال دون أن يرفع رأسه:

— "سالم، زُود الهوا على فُرن تلاتة… الطينة لِسّه ما خِمتش."

ردّ سالم بنبرة هادئة، لكنه مضغوطة:

— "الهوا ما بينفعش مع طينة جابِت سُخْن.

عاوزِه صبر، مش عَجلة."

مراد، كان يغمس يديه في حوض الماء وهو يضحك:

— "الطين أشطر م الناس، يتشكل بس يِفَهمك الأول.

ما يِحبّش الغِش ولا القِشرة الزيادة."

علي، وهو يُمرّر قالبًا نحو رفّ التجفيف، قال ساخرًا:

— "أهي الطينة، لو كانت بشر… كنت جَوّزتْها لسالم، أصلِّي ما شُفتش اتنين صبورين كِده!"

انفجر ضحك مراد، بينما هزّ رحيم رأسه دون أن يبتسم.

في هذه اللحظة، انطلق صوتٌ حاد من آخر المصنع، صوت ولدٍ صغير يركض وهو يلهث، ثوبه ملوّث بالتراب، وجهه مصدوم:

— "يا رحيم بيه!

يا رحيم بيه!"

رفع رحيم رأسه، ومسح يده في جلبابه، وقال بجدّية:

— "في إيه يا حمزة؟

مالك مِلهوف كِده؟"

الولد وقف وهو يلهث، ثم قال وهو يمد يده نحو الدار:

— "في بِتّ…

من بلاد برا!

واقفة ف داركم!

قالت إنها جايّه للشيخ عبد الجليل!"

ساد المصنع صمتٌ مفاجئ.

مراد نظر إلى علي وضحك باندهاش:

— "إحنا جابنا سِيرة العرايس ولا إيه؟

البِتّ جاية لوِحدِها؟"

سالم بصوتٍ غامق:

— "قال بلاد برا؟

يعني مِش م البلد؟"

رحيم انكمش حاجباه، ثم قال بلهجةٍ صارمة:

— "سَكَتُوا.

حمزة، البِتّ دي شكلها إيه؟

لابسة إيه؟"

— "

… لابسة سودا.

وشّها أبيض، بس وشّ الغُرْبة، وعينيها فيها حيرة.

قالت… اسمها إيڤا."

مراد رفع حاجبه بدهشة:

— "إيڤا؟

الاسم ده ما هوش م البلَد دي خالص."

سالم بصوتٍ منخفض:

— "يمكن… تكون بنت سارة؟"

هنا، وقع الاسم كالحجر في بركة المصنع.

رحيم لم يعلّق، فقط خلع مريوله من على صدره، وهز رأسه نحو الباب:

— "أنا رايح الدار.

لو كانت هِي… يبقى اللي بيندفن رجِع ينَبُت من تاني."

تركهم في ذهول، ومضى…

وخلفه، بقي الطين كما هو.

لكن النار… صارت أكثر توهجًا.

،،  __  __  ___   ___  __

كان المطبخ الواسع في دار عبد الجليل يعجّ بالحركة كخلية نحل.

رائحة البصل المحمّر تملأ المكان، وصوت المقصوصات يصطك على الألواح الخشبية.

من نافذة صغيرة في الركن، تسلّل ضوء العصر على رؤوس النسوة الأربع، فانعكس على وجوههن كأنّه يكشف ما يختبئ في القلوب.

في القلب منهن جلست عهود، بثوبٍ ناصعٍ ووجهٍ مرفوع، كأنها لا تقطع الخضرة بيدها بل تأمرها أن تُقطع.

على الجانب، كانت مغفرة تحرّك ملعقة خشبية داخل قدر كبير، تهمس لنفسها بكلماتٍ من القرآن، وابتسامة هادئة على وجهها، كأن لا شيء يكدّر صفو قلبها.

ناهد، تجلس بقرب النافذة، وعيناها تتابعان الغيم كأنها تقرأ فيه خبرًا قبل أن يحدث، وفي يدها سكين تتحرك بثقة.

أمّا كوثر، فقد كانت تغني بصوتٍ خافت وهي تفرم الثوم، ترقص بحركة كتفيها كما لو أن الحياة لا تستحق غير الضحك.

---

> قالت عهود، وهي ترفع حاجبها بشموخ:

— "قولوا اللي تقولوه، بس ما تهوِّلوش في الموضوع… البِتّ دي ما عجبانيش من ساعة ما دخلِت."

ردّت كوثر وهي تضحك:

— "يا بتّ ارحميها… شكلها تايهة وتعبانة، ما شفتيش عينيها؟

الله يكون ف عونها، دي داخله كأنها شالت بلد بحالها فوق ضهرها!"

مغفرة هزّت رأسها بهدوء:

— "والله يا كوثر، كلامِك صح.

البِتّ مش جاية تتمنظر، شكلها مكسورة وقلبي وجعني عليها.

دخلِت الدار والدموع في عيونها، يا عالم كانت ماشية فين وجات ليه!"

ناهد نظرت إلى عهود، وقالت بنبرة عاقلة:

— "يا عهود… انتي ناسيه روحك؟

إحنا ستات بيوت عبد الجليل، المفروض قلوبنا أوسع.

مش كفاية الناس كلها بَصِّت لها كأنها شيطان، كمان تيجينا تلاقينا قلوبنا ميتة؟"

عهود ابتسمت بسخرية:

— "أنا مرَة رحيم… يعني العِزّ والهيبة.

ما أحبش أي حد يِدخل دارنا كده فجأة ويتربّع ف المجلس!"

كوثر صفّقت بضحكة خفيفة:

— "يا سلام يا ست الهيبة!

يعني لو جات تطلب شربة مَيّه نقفل الباب ف وشها؟

ولا نِحط سُمّ في الطُبخيّة؟"

انفجرت مغفرة بالضحك، وهي تقول:

— "يا بتّ كوثر، لِسانك أطول م الحِيط!

والله لو البلد فيها أكتر من واحدة زيك… كانت الحكاوي بقت نِكات!"

ناهد قالت بهدوء وهي تواصل تقطيع الباذنجان:

— "أنا حاسة البِتّ دي وراها حكاية، وعبد الجليل بيحبش يدخل حد المجلس من غير سبب.

يبقى أكيد فيه حاجة كبيرة.

يمكن… تكون الدم لحق الدم!"

عهود نظرت لها بشك:

— "يعني تبقي بنت الهاربة؟

اللي خَلت دارنا كلها تتغَطى بالسِتر من يومها؟

دي سارة… ما حدش نِسي اللي عملته!"

كوثر اقتربت منها وهمست بنبرة جدية:

— "بس البنت ما يشيلش ذنب الكبير.

ولو جت تدور على أصلها… مش إحنا اللي نرميها برّا."

في هذه اللحظة، ساد صمتٌ ثقيل.

النار تَهمِس تحت القدر، ورائحة الكُرّات تفوح، لكن التوتر كان أبلغ من كل البهارات.

هناك في المجلس، كانت إيڤا تكشف بعض ما حملته من حكايا،

وهنا في المطبخ…

كانت النسوة الأربع يَغْزلن المستقبل بخيوط الشكّ، والخوف، وربما الأمل.

_  _  _  __  __

كانت الشمس قد انحنت ناحية المغيب، تنثر آخر خيوطها على ساحة الدار الواسعة، حينما خطا رحيم قاسم عبد الجليل خطواتٍ متسارعة نحو المجلس.

الغبار كان لا يزال عالقًا على كُمّ جلابيته من أثر العمل في المصنع، وعرق النهار ما زال لم يجفّ على جبينه، لكن شيئًا في قلبه كان يشتعل أكثر من نار الأتون التي تركها خلفه.

يداه تفتحان الباب الكبير بقوة، وعيونه تبحث في العتمة عن وجه الرجل الذي لا يُخطئه أبدًا.

> كان الشيخ عبد الجليل يجلس على صدر المجلس، بين السجادات القديمة، والمصاحف المغلقة، وحائطٍ واحدٍ عليه صورةٌ باهتة لابنته الغائبة.

أمامه، كوب شاي لم يُمسّ، ومسبحة تدور في يده كأنها تعزف على وتر الألم.

---

> قال رحيم، بصوته الخشن وقد بدا عليه الغضب:

— "جَدّي!

بِنْت غريبة…

جايّة من بلاد برّا…

وتِدخّلها المجلس؟

وِتِقعِد معاها لوِحدكم؟!"

عبد الجليل لم يرفع عينيه، قال بهدوء:

— "هَدِّي يا رحيم… ما تْعَلّيش الصوت ف بيت أبوك."

اقترب رحيم أكثر، وقال بصوتٍ أكثر توترًا:

— "الدار ليها حرمتها، وِإحنا لينا مقامنا.

لِمّا البِتات كلّها تِتبصّ من الشباك، والرجالة تِسأل، يبقى ف حاجة غلط!"

رفع عبد الجليل بصره إليه، وداخل عينيه برقٌ قديم يشبه العتاب:

— "ما الغلط… إنك تِسقي ضيف ولا إنك تِقفل الباب ف وشّه؟"

ساد صمتٌ لوهلة، قبل أن يهمس الشيخ:

— "دي مش غريبة…

دي من لَحمنا."

رحيم وقف مذهولًا، كأنّ الأرض قد سُحبت من تحته:

— "لَحمنا؟!"

تنهد الشيخ، وقال بصوتٍ انكسر أكثر مما بدا:

— "دي… بنت سارة."

سقط اسم سارة على رحيم كالصاعقة.

تلك الاسم الذي لا يُذكر في الدار إلا وتُغلق النوافذ، وتُطوى المجالس، ويُقال "اللهم استرنا!"

قال بصوتٍ منخفض، وكأنما يخاطب نفسه:

— "اللي هجّت؟

اللي طلعت مع راجل يهودي وسابتنا ف العار؟!"

عبد الجليل أغلق عينيه وقال:

— "آه… اللي هجّت.

بس ما سِبتِش الحُرقة جُواي يوم واحد.

دلوقتي بنتها جاية… تايهة، وبتدوّر على ريحة أمّها، ودمّها بينا.

أنا ما عرفتش أحافظ على بنتي…

بس يمكن أقدر أُصلّح الغلط مع حفيدتي."

رحيم لم يرد، إنما جلس على الأرض متكئًا على رُكبتيه، وكأنّ حملًا ثقيلًا سقط على صدره.

داخل هذا المجلس،

كان الزمن يعود للوراء…

ليحكي عن عورةٍ قديمة، وجُرحٍ لم يُضمّد، وفتاةٍ جاءت من آخر الدنيا، لتوقظ الصمت في بيت عبد الجليل.

Expand
Next Chapter
Download

Latest chapter

More Chapters
No Comments
23 Chapters
الغريبة
كانت الساعة تقترب من الرابعة عصرًا، حين انكفأت الشمس على وجه الأرض بلونٍ خافت، كأنّها تخجل من التحديق في غريبةٍ تقطع الطريق وحدها.إيڤا، بثوبها الأسود الفضفاض وحقيبتها الجلدية الصغيرة، كانت تسير فوق التراب الجافّ وكأنها تسير على أعصابها.لا أحد يلتفت… أو بالأحرى، الجميع يلتفت دون أن يمدّ يدًا.مرّت بجانب محلّ صغير، يقف أمامه رجلان عجوزان يشربان الشاي، وما إن اقتربت حتى صمتا فجأة.نظرت إليهما بتحيةٍ خفيفة:— "صباح الخير" ردّ أحدهم بتحفّظ، بينما قال الآخر بصوتٍ عالٍ يكفي لتسمعه:— "غريبة… مش م النِّسوان اللي نِشوفها هنا."تابعت سيرها، وأحسّت بالحرارة تصعد إلى وجهها، ليس من الشمس، بل من نظراتهم.اقتربت من امرأة تجلس أمام باب بيتها، وقالت:— "من فضلكِ، أبحث عن بيت الشيخ عبد الجليل."حدّقت فيها المرأة طويلًا، ثم قالت وهي ترفع حاجبًا ساخرًا:— "شيخ عبد الجليل؟وانتي تبقي مين؟"— "أنا… إيڤا، ابنة سارة بنت عبد الجليل."هنا، تغير وجه المرأة تمامًا، كأنها سمعت اسمًا محرّمًا.قامت سريعًا، ومسحت يديها بثوبها، ثم قالت وهي تدخل الدار:— "ما عِرفش، اسألي غِيري."بقيت إيڤا واقفة، تشعر بالطرقات تبتلع
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
حين لامس الأذان قلب الغريبة
في قلب المجلس الكبير، حيث الجدران شاهدة على موائد الصلح والحسم، جلس الشيخ عبد الجليل على كرسيّه الخشبي القديم، تتوسطه عصاه الغليظة التي لطالما ضرب بها الأرض حين يشتد الخصام.في وجهه تجاعيد حفرها العمر، وفي صمته مهابة، لكن هذا اليوم لم يكن كغيره.اجتمعت العائلة كلّها.الرجال في المقدمة: عبد القاسم، عبد الواحد، عبد المجيد، وعبد الرؤوف، وأبناؤهم مصطفّون على اليمين.أما النساء، فجلست كل زوجة بالقرب من زوجها، محجبات، مستورات، ما عدا واحدة: إيڤا.وقفت بين الجميع، كأنها غريبة في دار أهلها، فستانها الطويل من قماش ناعم، شعرها مفرود، ونظرتها حادة. لم تكن خائفة، لكن النبض في عنقها يفضح القلق.قال الشيخ عبد الجليل، وهو ينظر إلى أولاده:"اسمعوا، البِنية دي جاية تقول إنها حفيدتي. بنت ساره بنتي. قبل ما نفصل، كلٍّ يقول رأيه."ابتدأ عبد القاسم، وقد شبّك أصابعه خلف ظهره، وقال:"أنا شايف يا بوي إن اللي اتقطّع ما يتلحمش. صفية اختارت طريق تاني، ودي نِتاجه. ما نقدرش نغصب الدم يرجع مكانه."قال عبد الواحد وهو يهز رأسه:"البِنية شكلها ما يطمنّش، وعيونها فيها نار مش راحة. خايف تفتّح علينا باب فِتنة."عبد المجي
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
غريبة في بيت من نار
في الساعة السابعة صباحًا، استيقظت الشمس على حياء، تُطلُّ بخجل من خلف الستائر البيضاء المطرزة التي تُموجها نسائم يوليو، تُضيء غرفة رحيم بنور ذهبي ناعم. الجدران بلون سكري هادئ، يتوسطها سرير خشبي عتيق يعلوه ظهرٌ منقوش بزخارف عربية. بجواره خزانة ذات مرآة باهتة الأطراف من كثرة ما شهدت من صباحاتٍ ثقيلة.كان رحيم يقف أمامها، يُغلق أزرار قميصه الكُحلي، عاقدًا حاجبيه في شرود. صوت أنفاس صغيرهما زين يُطرب الغرفة بطمأنينة، وقد تمدد بينهما في الفراش مثل ملاكٍ تعب من لهو الأمس.عهود جلست على طرف السرير، تلف جسدها بعباءتها الستان، وشعرها مرفوع بعجلة، لكن عينيها كانتا يقظتين، تقيس بهما حديث الصباح قبل أن يبدأ.قالت وهي تُعدل حافة الغطاء على جسد ابنها:ــ "ما تقولّيش إنك هتسكت على البت دي تبات هنا تاني؟"أدار وجهه نحوها ببطء، تنهد وهو يلتقط ساعته من على الطاولة:ــ "عهود، متبدئيش يومك بالنقاش دا. البت غريبة، ومكسورة، ومالهاش حَدّ."رفعت حاجبيها، ونبرة صوتها بدأت تعلو:ــ "غريبة؟ ده انت ناسي يا رحيم إن دمها مش منّا؟ ناسي إن أبوها يهودي؟ واللي يهودي ميصحش يعيش وسطنا!"اقترب منها بخطوات هادئة، ثم جلس على
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
غيرة لا تغفر
كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقات متقطعة تنبعث من طرف الغرفة حيث جلست عهود، مطوية على نفسها على طرف السرير، بثوبها المنكمش وكحل عينيها المسفوك كندبة فوق وجنتيها. كان الضوء الشاحب المنبعث من المصباح المعلق في السقف يرتعش كل حين، كأنّه يحاكي اضطراب الدقائق الثقيلة التي تمرّ ببطء، وكأنّ الزمن ذاته يرفض أن يمضي.وقف مراد عند الباب لحظةً، ساكنًا لا يتقدّم، عيناه جامدتان، ووجهه لا يحمل سوى قسوة جامدة، يَكتم خلفها بركانًا من الغضب والاستياء.عهود، بصوت متهدّج:– "يضربني... يضربني قدّامهم كلهم! علشان واحدة يهودية! واحدة ما تعرفش ربنا ولا دين! يضربني، أنا! بنت عبد الواحد!"اقترب مراد بخطًى ثقيلة، ووضع يديه خلف ظهره، وجلس على الكرسي المجاور للنافذة، ناظرًا إليها دون أن ينبس بكلمة.– "أنا عهود... أنا مراته! واللي حصل ده مايتسكتش عليه! إزاي يمد إيده عليّ؟ قدامك يا مراد، قدّام الكل! علشان واحدة..."رفعت رأسها فجأة، تشهق بانفعال، وأردفت بصوت متكسّر:– "واحدة ما تنفعش تطبّ برجليها دار عبد الجليل أصلاً..."قاطعتها مغفرة بهدوء، وهي تقف عند باب الغرفة، يدها تمسك بكوب ماء:– "يا بنت الن
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
غيرة لا تغفر
كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لا يُقطعه سوى شهقات متقطعة تنبعث من طرف الغرفة حيث جلست عهود، مطوية على نفسها على طرف السرير، بثوبها المنكمش وكحل عينيها المسفوك كندبة فوق وجنتيها. كان الضوء الشاحب المنبعث من المصباح المعلق في السقف يرتعش كل حين، كأنّه يحاكي اضطراب الدقائق الثقيلة التي تمرّ ببطء، وكأنّ الزمن ذاته يرفض أن يمضي.وقف مراد عند الباب لحظةً، ساكنًا لا يتقدّم، عيناه جامدتان، ووجهه لا يحمل سوى قسوة جامدة، يَكتم خلفها بركانًا من الغضب والاستياء.عهود، بصوت متهدّج:– "يضربني... يضربني قدّامهم كلهم! علشان واحدة يهودية! واحدة ما تعرفش ربنا ولا دين! يضربني، أنا! بنت عبد الواحد!"اقترب مراد بخطًى ثقيلة، ووضع يديه خلف ظهره، وجلس على الكرسي المجاور للنافذة، ناظرًا إليها دون أن ينبس بكلمة.– "أنا عهود... أنا مراته! واللي حصل ده مايتسكتش عليه! إزاي يمد إيده عليّ؟ قدامك يا مراد، قدّام الكل! علشان واحدة..."رفعت رأسها فجأة، تشهق بانفعال، وأردفت بصوت متكسّر:– "واحدة ما تنفعش تطبّ برجليها دار عبد الجليل أصلاً..."قاطعتها مغفرة بهدوء، وهي تقف عند باب الغرفة، يدها تمسك بكوب ماء:– "يا بنت الن
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
وجوه الغرباء
كان السطح مُنبسطًا واسعًا، مبنيًا فوق بيت طيني عتيق، تتدلّى من أحد أركانه حبال الغسيل تُطوحها نسمات العصر الهادئة، فتتمايل الملابس كأنها تسبح في فلك من نور.الجدران الحمراء المشققة عانقت ضوء الشمس الذهبي، وانسابت خيوطه على السقف الخشبي وأطراف الطوب المتآكل كأنها تودّع نهارًا طيّبًا بقبلة حانية.جلس علي عند الركن الشرقي من السطح، مُنهمكًا في إصلاح لعبة بلاستيكية مكسورة، أمامه صندوق خشبي قديم مفتوح، تعج بداخله المفكات والمفاتيح والكماشات.كان يرتدي جلبابًا رماديًا مشمّرًا عن ساقيه، وعيناه تتابعان القطع الصغيرة كأنها كنز دفين لا يجوز إهماله.من باب السطح المفتوح، انبثقت كوثر، تحمل صينية معدنية بها كوبان من الشاي، يتصاعد منهما البخار بخفة، ورائحة النعناع تنساب منهما كأنها دعوة للسكينة.كوثر (بابتسامة وهي تقترب):ـــ يا ساتر يا رب! هو في يوم يعدّي من غير ما تعكّ جنب علبة المفاتيح دي؟!علي (من دون أن يرفع بصره):ـــ يوم ما تعضّيش فيه الشاكوش، ما يتسجّلش في الدفتر أصلاً يا كوثر!كوثر (تضع الصينية بجواره):ـــ يا راجل، دا أنا قلت أطلّعلك كوباية شاي تطفّي نارك شوية، لقيتك بتولّع في اللعبة المس
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
سقوط
كان الفجرُ لا يزال غضًّا، والضوء الخافت يتسلّل ببطءٍ فوق شقوق الجدران الطينية، يطليها بشيءٍ من الحياة التي توشك أن تُنتزع. صمتٌ ثقيلٌ كان يخيّم على الدار، لا يُكسره سوى صوت الديكة المتقطّع من بعيد، ونباحُ كلابٍ خاملٍ كأنها أحسّت بالفقد قبل الجميع.في وسط الحوش الكبير، انتصب الجد عبد الجليل، متّشحًا بثوبه الأبيض وعباءته البنية القديمة، يتكئ على عصاه كأنها عمود الزمن، وقد تجمّع حوله أولاده الأربعة: عبد القاسم، عبد الواحد، عبد المجيد، وعبد الرؤوف. العفش قد رُصّ على العربة الكبيرة، والجِمال تشخر في تعب. والقلوب، من حولهم، تغلي.وقف الأحفاد الأربعة: رحيم، مراد، سالم، وعلي، بعيونٍ متوجّعة، وزوجاتهم من خلفهم يتشبّثن بالأطفال كمن يتشبّث بحياةٍ تغادر.الجد عبد الجليل مدّ يده بإشارة، فاقترب الجميع في حلقةٍ حوله. مسح على لحيته البيضاء، ثم تكلم بصوتٍ ثابت، غليظ كأجراسٍ مكسورة:> "ياما قلتلكم، اليوم ده جاي...يوم الفُرقة، يوم الضهر يتني، والقلوب تتحرّق...إنّي ماشي، ومعايا الرجالة الكبار،وسايبكم أمانة في رقبة بعض...الصعيد ده أرضنا، ونساوينّا وشبابنا فيه...وإيڤا... إيڤا دي... وإن كانت بنت سارة،
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
عيون لا تطمئن
هدأ البيت إلا من همسات الريح خلف النوافذ، وصوت عقارب الساعة يُعدّ الزمن بهدوء خانق. في الغرفة، كان الضوء خافتًا، ينبعث من أباجورة صغيرة بجوار السرير.جلست ناهد على طرف الفراش، تلفّ شالًا خفيفًا حول كتفيها، وتضم كفيها في حجرها كمن يرتجف داخليًا دون أن يبين.دخل سالم وهو يفك أزرار جلبابه ببطء، رمقها بطرف عينه ثم أزاح عباءته جانبًا، وجلس إلى جوارها في صمت.سالم (بلُطف وهو يمدّ يده):"بردانة؟ تعالي هنا جنبي."ناهد (بصوت واطي، تهز رأسها):"لا... دفيانة."سكت لحظة، ثم مد يده ولمس كفّها، فوجده باردًا كالماء.سالم (بحنان، وهو يشد يدها):"ده دفا إيه بس؟ إيديكي تلج، ووشك مش على بعضه... مالك يا ناهد؟"ناهد (بصوت مكسور وهي تشيح بنظرها):"ولا حاجة."سالم (بهدوء مريب):"كُنا متفقين... نِخبيش حاجة عن بعض. مش كده؟"نظرت إليه بعينين دامعتين، ثم هزّت رأسها موافقة.مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تنفجر الكلمات أخيرًا من فمها:ناهد (بهمس):"أنا تعبت يا سالم... كل شهر أستنى، وأقول يمكن المرة دي... ويفوت الشهر زي اللي قبله... وتفضل البطن فاضية، وقلبي هو اللي يمتلِي بالحسرة."صمت سالم، كأن الكلمات خبطته في قلبه. ثم
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
حين خانت الكلمة صبرها
كان البيت الكبير لا يزال يحتفظ بشيء من وقار الجد، حتى وإن خلا من خطواته التي كانت تُشبه وقع الحكمة وهي تمشي على الأرض.شمس الجمعة تسلّلت بخجل عبر النوافذ الواسعة، تُنثر ضوءها على الأرضية المُنظَّفة حديثًا، تُعانق سُفرةً فُرشت عليها ألوان من الخبز البلدي الساخن، الجبنة القديمة، الطماطم المقطّعة بيد مغفرة، والفول المدمس تفوح رائحته حتى باب الدار.جلسوا جميعًا في الصالة الواسعة، حول الطبلية الخشبية المُسطحة، مفروشٌ تحتها حصير صوفيّ قديم، كان الجد يحبّه، وظلّت مغفرة تصرّ على أن لا يُرفع.كوثر جلست بجوار علي، تُقشّر بيضة عدنان وهو يضرب بيده على المفرش، يضحك ضحكة لا تُقاوم. ناهد بجوار سالم، تحدّثه بصوت خافت عن حلم رأته. مراد في صدر الطبلية، كعادته، وعهود بجانبه، وجهها ساكن لكن العينين لم تهدآ، تتابع كل حركة من رحيم الجالس على الطرف الآخر، حيث جلست إيڤا، بهدوئها الغريب وهي ترتّب الملاعق أمامها بدقة شديدة.كان الجو صافيًا، إلى أن قطعت مغفرة ذلك الهدوء بلهجة صعيدية عذبة، وهي تنظر إلى علي:ــ "صلّوا على النبي، يا ولاد، اللهم صلّي عليه وعدّوا في سركم."ابتسم مراد وقال:ــ "اللهم صلّي وسلّم وبارك
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
اقدار لا ترحم
الغرفة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى طنين الصمت.جدرانها العالية بلون البيج الباهت، تتخللها بعض الظلال التي رسمها نور الشمس المتسلّل من خلف الستارة السميكة الكُحلية.السجادة في منتصف الأرض تملؤها نقوش شرقية غامقة، وخيوطها الطويلة تشبه ما تبقى من صبرها.طاولة التسريحة أمامها مغطّاة ببقايا عطور قديمة، ومساحيق تجميل لم تلمسها منذ أيام.جلست عهود على الكرسي الخشبي أمام المرآة، جسدها منحني قليلاً للأمام، وكتفاها متهدّلان كمن يحمل على عاتقه جبلاً.كانت ترتدي عباءة رمادية داكنة فضفاضة، قد فقدت طراوتها من كثرة البكاء فيها.شعرها الأسود الطويل متناثر على كتفيها كأنه يواسيها، وعيناها... يا الله، كم ذبلت عيناها.كأنهما عاشتا ألف خيبة في ليلة واحدة.رفعت يدها ببطء، ومررت أصابعها المرتجفة على خدها الأيسر.كانت آثار البكاء محفورة تحت عينيها، منتفخة، مجهدة...تمتمت بشفاه جافة:ــ "أنا بقيت شكل حد مات من زمان... وأنا لسه عايشة."المرآة لم تعد تعكس صورتها... بل تعكس أوجاعها.وكأن الزجاج صار بوابةً ترى من خلالها المرأة التي كانت يومًا ما... زوجة رحيم، وحب حياته.همست لنفسها، وصوتها بالكاد يُسمع:ــ "مرتين ي
last updateLast Updated : 2026-05-21
Read more
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status