All Chapters of نور الآدم : Chapter 71 - Chapter 80

96 Chapters

البارت الحادى والسبعين

في قصر الرشيدي، كانت الأجواء الصباحية تسير وفق طقوسها الرتيبة. اجتمعت الأسرة حول مائدة الإفطار الكبيرة ينتظرون كعادتهم منذ سنوات طوال دخول الدادة زينب بلمساتها الحانية وطعامها الدافئ. لكن الصمت حلّ وتملك العجب من الجميع حين انفتح باب المطبخ لتلج منه عزيزة حاملةً الأطباق؛ كانت هذه هي المرة الأولى التي تغيب فيها زينب عن هذا الموعد المقدّس. بادرت رحمة بالسؤال بقلق، لتخبرهم عزيزة باقتضاب بغياب الدادة عن الفيلا اليوم، فتدخل كمال الرشيدي مهدئاً الأجواء بحكمته، مبرراً الأمر بأنها بالتأكيد نالت قسطاً من الراحة بعد إرهاقها الشديد في الأيام الماضية . انصاع الجميع وبدأوا إفطارهم، بينما كان آدم يبتلع لقيماته بآلية، وعقله يرفرف في مكان آخر. ما إن أنهى آدم إفطاره حتى تحرك كالإعصار نحو شركته؛ دلف ببصره أولاً نحو مكتب السكرتارية، لكنه صُعق حين وجد مقعد نور فارغاً والأوراق مبعثرة بغير نظامها المعهود. حاول السيطرة على دقات قلبه المرتجفة، وأقنع نفسه بأنها ربما تأخرت لمساعدة الدادة زينب، فدخل مكتبه وأغلق الباب. لكن ذكريات قسوته البارحة وصورتها وهي تبكي هاجمتاه بشراسة، ليأكله الخوف فجأة من أن تكون قد تر
Read more

البارت الثانى والسبعين

في منزل محمود، كان الصمت يطبق على أنفاس ندى كأنه قيد حديدي. منذ تلك المكالمة الأخيرة التي أنهى فيها مصطفى حديثه معها ببرود، انقطع كل أثر له؛ لا رنين، لا استجابة، حتى أرقامه باتت غريبة عنها، لا تصلها بها إلا نغمة غير متاح التي تتردد في أذنيها كطنين مزعج. تأكدت أخيراً لقد حظرها. لكن التساؤل ظل ينهش عقلها؛ لماذا؟ لقد منحها كل الثقة، أعطاها عهوداً بالزواج جعلتها تذوب في وعوده كالسكّر في الماء، والآن يختفي خلف جدران الحظر وكأنها لم تكن يوماً جزءاً من حياته. حاولت إرسال رسالة أخيرة عبر واتساب، لكن العلامة الرمادية بقيت وحيدة، جامدة، لا تتحول إلى زرقاء، ولا حتى إلى رصاصية مزدوجة. تأكدت أن الطريق إليه قد أُغلق تماماً. اتخذت قراراً بدا لها كطوق نجاة، لكنه كان في الحقيقة مدخلاً للجحيم: ستذهب إلى تلك الشقة، المكان الذي شهِد لقاءاتهما السرية، ستواجهه وتطالبه بالوفاء بالوعد. بدلت ملابسها بحركات آلية، وخرجت إلى الشارع. كانت خطواتها تزن أطنانًا، فمع كل خطوة كانت تتذكر كيف رمت بنفسها طوعاً في تلك الحفرة العميقة، مصدقةً كلماتٍ كانت تتساقط كالعسل في مسامعها، لتسلم نفسها لغدٍ لا يعرف الرحمة. نعم، لقد
Read more

البارت الثالث والسبعين

في شرم الشيخ، تسرّبت شمس النهار الجديد لتضيء أرجاء الجناح، لكنها لم تبدد الوجوم الذي خلّفته ليلة البارحة. استيقظت سالي وتلفتت حولها، لتقع عيناها على كريم الجالس في الشرفة؛ كان مستنداً بمرفقيه على السور، يحدق في المدى بشرود تام. انقبض قلبها وحزنت بشدة على الحالة المأساوية التي آل إليها حالهما في بداية زواجهما، وشعرت بذنب ينهش روحها وهي تراه يدفع ثمن خطأ لم يقترفه. نهضت من فراشها بخطى وئيدة، ودلفت إلى الحمام لتغتسل علّها تستعيد بعضاً من ثباتها. وما إن خرجت، حتى فوجئت بعربة طعام الإفطار تقف في منتصف الغرفة، ورائحة القهوة تفوح في المكان. التفت إليها كريم، وبنبرة خلت من حدة الأمس بل بدت أكثر هدوءاً وسكينة، دعاها لتناول الطعام قائلاً - يلا يا سالي عشان نفطر. كان يتحدث ويمشي وكأن شيئاً لم يكن، وكأن عاصفة البارحة والاعترافات المريرة لم تحدث قط. تعجبت سالي بشدة من هذا التحول المفاجئ في موقفه، وسادها ارتياب خفي، لكنها آثرت الصمت وتجنب الجدال؛ فجلست بهدوء تشاركه الطعام، وتكتفي بالإيماء أو الرد باقتضاب. بعد الانتهاء من الإفطار، وضع كريم فنجانه وقال بنبرة طبيعية - غيري هدومك عشان ننزل ناخد جو
Read more

البارت الرابع والسبعين

في بيت محمود، كان هدوء المساء يحمل غصة خفية ترتسم على الوجوه.جلست نها في الشرفة وحدها، تشخص ببصرها نحو الأفق الممتد شاردة الذهن تماماً؛ كانت تستعيد شتات أحلامها الوردية الطفولية التي تلاشت فجأة وتحولت إلى سراب جاف بمجرد ارتباطها بياسر وعمليته الصارمة. استغرقت في تفكيرها لدرجة أنها لم تشعر بنادر وهو يدلف إلى الشرفة بخطواته الهادئة ويجلس على المقعد المجاور لها.ظل نادر متأملاً في ملامح شقيقته لعدة دقائق؛ كان يراقب سحابة الحزن القاتمة التي خيمت على وجهها وانطفاء عينيها منذ يوم خطبتها، وهو لا يعلم لها سبباً واضحاً، فياسر رجل يعتمد عليه ولم يقصر في شيء. لم يحتمل نادر صمتها أكثر من ذلك، فكسر السكون سائلاً بنبرة حانية يملؤها قلق الأخ- مالك يا نها؟ في إيه يا حبيبتي؟ من يوم خطوبتك وإنتي مش عاجباني، والحزن مش بيفارق عينيكِ.. إيه السبب؟التفتت إليه نها، وتطلعت في وجه شقيقها للحظات طويلة تملأها الحيرة والتردد؛ تنازعتها الرغبة في أن تبوح له بكل ما يؤرقها ويثقل صدرها من جفاء ياسر وقوانينه، وبين خوفها من أن تثير مشكلة لا داعي لها. وفي النهاية، آثرت السلامة، وقررت البحث عن ملاذ آخر يفهم طبيعتها الأ
Read more

البارت الخامس والسبعين

لم يتمكن كريم من كبح ضحكته الرائقة التي انطلقت من قلبه؛ فقد أسرته طفوليتها وعفويتها التي بدأت تظهر لأول مرة. اعتدل في جلسته وقال بمرح - طب يلا يا ستي، قومي غيري هدومك عشان نخرج. لم تكد تنهي سماع جملته حتى جرت من أمامه نحو الغرفة وهي تصرخ بحماس وسعادة - دقيقة واحدة بس.. دقيقة وهتلاقيني جاهزة أغلقت باب الشرفة الزجاجي خلفها بسرعة، لكنها فجأة أعادت فتحه مخرجةً رأسها فقط، وقالت بنبرة تحذيرية شقية مصطنعة الجدية - أنا هغير هدومي جوة.. متدخلش الأوضة خالص إلا لما أخلص، فاهم؟ أغلقت الباب ثانية، ليتسع مدى ابتسامة كريم وهو يهز رأسه عجبًا من تلك المجنونة التي بات يوقن أنها ستؤدي به إلى الجنان يوماً ما. في تلك اللحظة، اتخذ عهداً صادقاً مع نفسه؛ قرر أن ينسيها الماضي وأوجاعه بطريقته الخاصة، وأقسم بداخله ألا يقترب منها أو يفرض نفسه عليها كزوج حتى تعشقه بكامل إرادتها كما يعشقها هو ويتنفس هواها. لكن وخزة ألم مفاجئة داهمت قلبه حين مر بخاطره هاجس أسود.. ماذا لو لم تتقبلني؟ ماذا لو فارقتني في النهاية؟ نفض كريم تلك الأفكار المتشائمة عن رأسه فوراً، وقرر الاستمتاع بقربها اللذيذ وبما يمنحه له الحاضر.
Read more

البارت السادس والسبعين

في بيت محمود، كانت الأيام تمرّ رتيبةً وخانقة، بينما تعيش ندى في حالة ذعر وتوهان كاملين؛ فمنذ ذلك اليوم المشؤوم الذي أُغلق فيه الباب في وجهها، وهي تشعر بـدوامة تسحبها إلى قاع سحيق. لا تعلم كيف تتصرف في تلك المصيبة التي باتت تهدد حياتها وعرضها، وخصوصاً بعد أن اختفى المدعوّ مصطفى تماماً وكأنه فص ملح وذاب، تاركاً إياها تواجه مصيرها المظلم بمفردها. ومما زاد من اشتعال النيران في صدرها، وجعل المرارة تطفو على حلقها، هو رؤيتها للحالة التي باتت عليها شقيقتها الكبرى نها. كانت نها تبدو في غاية الراحة والسكينة، وتفيض بوجهها علامات السعادة والرضا. لم تكن ندى تعلم ما هو التغيير السحري الذي طرأ على نها لتبدل جفاءها بـحيوية وانطلاق؛ فباتت تراقبها وهي تختار ما تبقى من جهاز زفافها بفرحة غامرة وإشراقة لم تعهدها فيها من قبل، والابتسامة الصافية لا تفارق وجهها. ولم يتوقف الأمر عند نها فحسب، بل كانت ترى تقاربها الشديد من شقيقها نادر، واجتماعهما المستمر والدائم لتصوير تلك الفيديوهات العفوية لـقناتهم على الإنترنت، والضحكات تصدر من غرفتهما لتملأ أرجاء البيت بهجة. كانت ندى تقف خلف الباب الموارب تراقبهم، فيتسلل
Read more

البارت السابع والسبعين

في شرم الشيخ، مرّ بقية الأسبوع كأنه حلمٌ رقيق تآمرت فيه نسمات البحر لتداوي جراح قلوبهم. في النهار، لم يكن كريم وسالي يملان من التنزه بين شوارع المدينة النابضة بالحياة وعلى شواطئها الفيروزية، أما الليل فكان له طقسٌ خاص؛ إذ يقضيانه معاً على الرمال الدافئة تحت النجوم، في جلسات طويلة لا تخلو من الثرثرة، واللهو، والضحكات العفوية التي نبعت من الأعماق لأول مرة. خلال هذه الأيام، تأكدت سالي علم اليقين من عمق حب كريم لها؛ فما من رجلٍ على وجه الأرض يمكنه احتمال الإهانة والوجع اللذين ألحقتهما به، ثم يقابل الأمر بتلك العقلانية والنضج والشهامة. أدركت بوعي كامل أن سعادتها الحقيقية ولدت هنا معه، وكم يمكنها الاعتماد عليه كـسند صامد وجدار حامٍ تلجأ إليه قبل أن يكون مجرد زوج. أما في الليل، فكانت الحقيقة تتجلى دون أقنعة؛ إذ أصبحت سالي تندس بوعي وشوق بين أحضانه التي باتت سكنها المفضل والأوحد. تنام ووجهها ملاصق لصدره، تستمع إلى دقات قلبه المتزنة فتطمئن روحها وتغط في نوم عميق. كان كريم يستمتع لأقصى درجة بهذا الشعور الحاني وهي بين ذراعيه، لكنه لشدة نبله كان يجهل تماماً أنها هي من تزحف بجسدها طواعية لتسكن ح
Read more

البارت الثامن والسبعين

في تلك اللحظة المباغتة، انفرجت شفتا نور عن ابتسامة عفوية، دافئة، لم تعلم لها سبباً واضحاً في البداية؛ لكنها وجدت نفسها غارقة في فرحة عارمة تملأ جوفها لمجرد رفصه الذهاب مع تلك المتعجرفة. شعرت براحة ممتعة لأن آدم لا يحب جيلان، ولا يتأثر بتلك الشباك العنكبوتية والدلال الذي تحاول لفه حوله. سألت نور نفسها برعب وخجل لماذا أشعر بكل هذا؟ وما الذي يهمني إن ذهب معها أو بقي؟ لكنها أفاقت من شتات أفكارها على صوت آدم الرخيم بعد أن غادرت جيلان المكتب وهي تجر أذيال الخيبة. التفت إليها آدم، وارتخت ملامحه المتصلبة تماماً، وقال بنبرة تفيض بالود وهو يمسح على جبينه - نور.. اعمليلي كوباية قهوة بسرعة الله يخليكِ.. عاوز أفوّق بعد الخنقة اللي كانت قاعدة هنا دي. اتسعت ابتسامة نور العفوية الرقيقة على تشبيهه الطريف، ولم تستطع إخفاء بهجتها. وفي تلك الثواني الخاطفة، ذاب آدم كلياً في بريق عينيها وانحناءة شفتيها؛ ولأول مرة، تخلّى عن قناعه الصارم ورمقها بـنظرة عشق جارف، عميق، ونظرة تفيض باللوعة والاعتراف الصامت الذي لم يعد يستطيع كتمانه أو مداراته في صدره. أدركت نور مغزى تلك النظرة التي اخترقت حصون قلبها، واضطرب
Read more

البارت التاسع والسبعين

تسللت أشعة الصباح الدافئة والناعمة عبر ستائر الغرفة، لتلف الفراش بـهالة من السحر، حيث استيقظ كريم ليجد تلك المندسة كالعصفور الخائف بين أحضانه الدافئة. تطلع إلى ملامحها المسترخية بهيام جارف وسعادة طغت على كيانه؛ شعر بتغيرها الجذري وقبولها له، وأيقن أنها كانت تحتاج فقط إلى فرصة وأمان حقيقي لتزهر بين يديه. أقسم في قرارة نفسه، وهو يستمع لأنفاسها المنتظمة، أن يمحو الماضي بأكمله ويعيش معها حياة سعيدة تليق بقلبها، لكن كبرياءه الرجولي كان يحتاج فقط إلى أن يتأكد من مشاعرها في وضح النهار وأمام عينيها. انسحب من جوارها بخفة بالغة لئلا يقلق خلوتها، وتبدّل ملابسه مستعداً للعمل. وقف أمام المرآة، وما إن نثر قطرات عطره النفاذ الساحر، حتى تغلغلت الرائحة الذكية في أركان الغرفة، لتستيقظ سالي على العبير الذي باتت تعشقه وتدمنه كونها ترتبط برجلها وسندها. فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه بعينين ناعستين تفيضان بالدلال، وارتسمت على شفتيها ابتماسية دافئة وقالت - صباح الخير يا كيمو. التفت إليها وعيناه تلمعان بابتسامة متسعة وعاشقة - صباح النور يا قلب كيمو.. صحيتك؟ هزت رأسها بنعومة، وانسدلت خصلات شعرها على كتفيه
Read more

البارت الثمانون

التفت آدم إلى أبيه، وملامحه تشي بالتساؤل والترقب - نعم يا بابا؟ فيه حاجة؟ نظر إليه كمال بعينين تفيضان بالدعم الأبوي الصادق، وقال بنبرة هادئة ورصينة أزاحت عن كاهل آدم جبالاً من الهموم - عاوز أفهمك حاجة مهمة وماتغبش عن بالك..... أنا أول الناس اللي ممكن تعارضك لو فكرت ترتبط بجيلان... لأن ببساطة يا ابني عمرك ما هتلاقي سعادتك ولا راحتك معاها.. متقلقش من ناحيتي، أنا كل قصدي من كلامي القديم إنك تعاملها كويس عشان خاطر عمك وزعله بس، لكن في نفس الوقت متجيش على نفسك ولا على حساب قلبك.. لأنك أنت اللي هتفضل الأهم عندي في الدنيا دي كلها. عجزت الكلمات عن الخروج من فم آدم، وتصلبت حروفه أمام هذا الكم من الاحتواء غير المتوقع. اندفع نحو والده وضمه إلى صدره في عناق قوي طال لثوانٍ، قبل أن ينحني ويقبل يده باحترام جم ونبرة متحشرجة من فرط الامتنان - ربنا يخليك ليا يا بابا.. مش عارف أقولك إيه.. بجد شكراً. تلقى آدم كلمات أبيه كطوق نجاة؛ فقد كان يحمل في صدره هماً ثقيلاً، ويخشى أن يؤدي رفضه القاطع لجيلان إلى غضب أبيه أو إفساد رغبته، ليرحل إلى عمله بنفس مطمئنة وقلب بات يعرف وجهته القادمة بوضوح ✨✨✨✨✨✨✨✨ دل
Read more
PREV
1
...
5678910
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status