جميع فصول : الفصل -الفصل 90

96 فصول

البارت الحادى والثمانين

توارى صخب الجامعة تدريجياً ليحل محله سكونٌ دافئ يلف شاطئ النيل، حيث جلس نادر بجوار إسراء في مكانهما المفضل. كانت المياه تتلألأ تحت أشعة الشمس الدافئة، لكن نادر كان في وادٍ آخر، غارقاً في شرودٍ قاطع، وعيناه مثبتتان على الأفق بلا وعي. تسلل الرعب إلى أعماق قلبه بعد أن علم مصادفةً من أحد أصدقائه المشتركين بنبأ ذلك العريس ذو الوضع الاجتماعي المرموق الذي تقدم لخطبة إسراء. علم أيضاً أنها آثرت الصمت ولم تبلغه بالأمر خوفاً على مشاعره ومنعاً لثورة غضبه، لكن المعرفة جاءت كالنصل الحاد في صدره، لتجتاح كيانه فكرة مرعبة شلت أطرافه ماذا لو ضاعت حبيبتي مني؟ جلس صامتاً، ينهشه العجز وقلة الحيلة؛ فهو لا يزال في مقتبل طريقه، يحبو نحو مستقبله بخطوات وئيدة، بينما يزحف الآخرون بأسلحة جاهزة لخطب ودّ أميرته. تضاعف ثقل الصمت بينهما، وبدا وجعه واضحاً في تشنج ملامحه وإطراقة رأسه الحزينة. لم تحتمل إسراء رؤيته بهذا الانكسار، وقررت أن تخرق جدار هذا الصمت العقيم. بـحركة عفوية تفيض حناناً وجرأة، مدت يدها الرقيقة ووضعتها فوق يديه المتصلبتين، وضغطت عليهما برفق، ثم نظرت في عمق عينيه بنبرة جادة، قاطعة، وصوتٍ يملؤه الت
اقرأ المزيد

82

لم تكن الساعات تمضي، بل كانت تتثاقل على كاهل نور كأطنان من الرصاص. خيم الحزن على أرجاء مكتبها، فكل ركنٍ فيه يذكرها بزينب، وكل تفصيلةٍ صغيرة تستحضر طيفها الحنون. ومع حلول الليل، تحولت وحدتها في منزلها الخاوي إلى جحيمٍ من الرعب الصامت؛ فقد تسبب هبوب نسمة هواء عابرة في تحريك نافذتها لتحدث صريراً حاداً ومفاجئاً، انتزع قلبها من موضعه رعباً. ظلت نور طوال الليل حبيسة فراشها، عيناها متسعتان في الظلام تترقبان أي حركة، وأذناها مرهفتان لكل نبضٍ في البيت الساكن. لم تتوقف دموعها عن الانهمار، فقد تضافر ألم الفقد مع قسوة الوحدة، وأصبحت تسترجع في مخيلتها ذكريات أهلها الذين نبذتهم، لتبدأ في جلد ذاتها من جديد ليتني ما تركتهم.. ليتني لم أجرِ خلف سرابٍ خادع أسميته الحب، فها أنا الآن وحيدة، بلا سند، وبلا بيت يحتويني. في منتصف اليوم، كانت رحمة هي طوق النجاة الوحيد؛ دخلت المكتب بعفويتها المعهودة، محاولةً سحب نور من مستنقع كآبتها. نجحت رحمة بابتسامتها المشرقة في إجبار نور على استجماع شتاتها، وانخرطت الاثنتان في مراجعة الدروس بتركيز. في تلك الأثناء، خرج آدم من مكتبه، اقترب منهما بهدوء، وقال لرحمة - يلا ي
اقرأ المزيد

83

في شقتها الباردة والموحشة، جلست نور بمفردها تصارع خيالات الجدران الساكنة. استبدّ بها الخوف ونهش العتاد الضئيل من أمنها، لكنها في لحظة مكابرة، انتفضت بـداخلها، وعقدت العزم ألا تسمح لـلوحدة أن تكسر كبرياءها. قررت أن تكون صلبة، شامخة وقوية كالنخلة العالية التي تجابه العواصف الهوجاء فلا تحني رأسها للرياح مهما بلغت شدتها. لـتهدئة روعها، أمسكت هاتفها المحمول وبأصابع مرتجفة فتحت أحد مواقع التواصل لتطالع آخر مقاطع الفيديو الخاصة بشقيقها. دققت في تفاصيل وجهه، واستمعت لـصوته بـتركيز، فـاستشعرت لمحة حزن مكتومة تغلف نبرته، وملامح ذابلة تشي بـألمٍ خفي. تملّكها قلقٌ عارم على قطعتها الوحيدة المتبقية من دمها، لكنها أدركت بـعجز أنه لا مجال الآن لـمهاتفته؛ فكيف تصنع والمسافات والحواجز تقف بينهما؟ تنهدت بـمرارة وسألت نفسها بـحسرة.... لماذا أصبح الخوف جزءاً لا يتجزأ من كياني بعد رحيل ماما زينب؟ لقد كانت تلك العجوز الطيبة تمثل لها خط الدفاع الأخير، والآمان المطلق الذي يحميها من غدر الدنيا، وبـرحيلها أصبحت عارية أمام العاصفة. وفي غمرة حيرتها، تلوى طيف آدم في مخيلتها فجأة لـيقتحم أفكارها بلا استئذان. ت
اقرأ المزيد

84

انتهت نور من تلاوة جدول المواعيد بابتسامة رقيقة، ودلف آدم إلى مكتبه الداخلي بهدوء تخفي وراءه عاصفة من المشاعر. خلع سترته ببطء ووضعها على ظهر الكرسي، ثم جلس وارتخى على مقعده الفخم، وخرجت من صدره تنهيدة حرّى، ونفس عميق أهتزت له ضلوعه. أطبق يده فوق موضع قلبه، وبدأ يلومه بنبرة خفيثة كأنه يتحدث إلى شخص يقف شاحصاً أمامه؛ يعاتبه على تلك الدقات العالية والمتلاحقة التي تكاد تخرق صدره وتفضحه أمامها في كل ثانية تقع عينه عليها. دارت عجلة العمل المعتاد بينهما بسلاسة، وبالطبع، لم يخلُ الأمر من كوب القهوة الساحر الذي تعده نور؛ فاليوم أعدته بسعادة بالغة سرت في مذاق البن، ليرتشفه آدم بـتلذذ واستمتاع غير مسبوق، كأنه يتجرع إكسير الحياة من يديها. في منتصف اليوم، انقطع صمت المكتب بدخول كريم العفوي، ومعه بعض المعاملات والأوراق التي تحتاج لتوقيع آدم. تقدم كريم ووضع الأوراق أمامه، وما إن انتهى آدم من التوقيع، حتى ألقى كريم قنبلته بـنبرة عادية ومدروسة - آدم.. أنا هعدي آخد نور معايا النهاردة عشان تتغدى معانا في البيت، سالي عازماها النهاردة في تلك اللحظة، اعتصر الغيظ قلب آدم، واشتعلت نيران غيرة شرسة كادت ت
اقرأ المزيد

85

أغلق آدم الملف الأخير على مكتبه، لكن عقله ظل مفتوحاً على مصراعيه لتلك الكلمات الرصينة التي ألقاها صديقه كريم في وجهه كحجرٍ حرك المياه الراكدة. واجهه بحبه لنور، ورغم جلال المفاجأة، إلا أن آدم شعر الآن بـبرودة دافئة تكتسح صدره؛ كان يحتاج بشدة إلى من يزيح عن كاهله هذا السر الثقيل، يحتاج لصديق يحكي له ويستشيره، وقد حدث. خرج آدم من مكتبه المهيب، فـتصوّبت عيناه تلقائياً نحو تلك الرقيقة الجالسة خلف مكتبها. اقترب منها وبـنبرة هادئة آمرة، دعاها للرحيل معه. تملك الارتباك نور، واشتعلت ملامحها بالتردد؛ فـكيف تنزل معه جنباً إلى جنب وتركب سيارته أمام أعين موظفي الشركة وفضولهم؟ حاولت جاهدة صياغة اعتذار ديبلوماسي، لكن آدم لم يترك لها ثغرة واحدة للتراجع، بل أعاد دعوتها بـحزم رجولي لا يقبل النقاش. التقطت نور حقيبتها بـأصابع مرتجفة وسارت خلفه وعينها في الأرض، لكن آدم أبطأ خطوته بـذكاء وتراجع خطوة للخلف لـيسير بجوارها تماماً، جنباً إلى جنب. كان يستمتع بـتلك الهيبة التي تفرضها قامته الفارهة على جسدها الضئيل، ويتلذذ بـمراقبة خجلها وارتباكها الذي جعل وجنتيها كحبتي كرز. وصلا إلى السيارة الفخمة، فـتولى آدم
اقرأ المزيد

86

تجمدت الدماء في عروق نور، ووقفت مذهولة لا تدري كيف ترد؛ فـهي لم تفكر في هذه النقطة القانونية قط من قبل! المنزل كان ملكاً لـ "عبد الله" زوج دادة زينب الراحل، فـكيف يكون هذا البلطجي هو المالك؟ لم يترك الشاب مساحة لـحيرتها، فـأردف بـنبرة وقحة لا تخلو من التهديد - عشان متبقيش محتارة.. أنا إبن أخو عبد الله الله يرحمه، وبموت الست زينب، الشقة دي شرعاً وقانوناً بقت ملكي أنا، وليا حق التصرف فيها. نزلت الكلمات كـالنصل الحاد في صدر نور، وشعرت بـالضياع التام يكتسح عالمها؛ أين ستذهب؟ وماذا ستفعل في هذه المدينة القاسية بعد أن باتت مهددة بالطرد في أي لحظة؟ أفاقت من شرودها على صوته وهو يتقدم خطوة نحو النافذة وبـنبرة تقطر دناءة قال - بس أنا راجل حقاني ومبحبش أقطع العيش.. ومعنديش أي مانع إنك تفضلى في الشقة عادي، وتدخلي دماغي كمان ونتجوز.. ها، هتيبي البيت وتترمي في الشارع، ولا هتبقي من نصيبي يا حلوة؟ هسيبك تفكري براحتك وأرجعلك في وقت تاني.. مع إنك حتى معزمتيش عليا بكوباية شاي.. سلام يا قمر. استدار الوقح وغادر البناية، تاركاً إياها تعاني من رعبٍ قاتل وألم نهش روحها؛ وفي ثوانٍ معدودة، تبدلت سعادتها ال
اقرأ المزيد

87

في غرفته الهادئة، كان نادر يجلس مستنداً برأسه إلى الخلف، عيناه عالقتان بالسقف بينما عقله ما زال يتردد فيه صدى صوت شقيقته نور. أحدثت مكالمتها الصباحية في نفسه هزة عنيفة؛ فقد أيقظت في حناياه حنيناً جارفاً وشوقاً كاد يفتك بضلوعه لتلك الأخت التي تحملت الكثير، وباتت تواجه غمار الحياة وحيدة في مكان بعيد. وتحت وطأة هذه العاطفة المشحونة، سحب دفتراً قريباً، وأمسك بقلمه ليدع مشاعره تتدفق على السطور. راحت الكلمات تولد من رحم وجعه وشوقه، لينسج قصيدة من أعذب قصائد الحنين، تقطر حروفها بدموع الفراق وأمل اللقاء. لم يمضِ سوى وقت قليل على انتهائه ووضعه للقلم، حتى انقطع سكون الغرفة بـطرقات رقيقة على الباب. أذن بالدول، لتطل عليه "نها" وهي تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها كوب من الشاي الساخن يتصاعد منه البخار مع بعض الشطائر . ارتسمت على وجه نها ابتسامة حانية تفيض بالحب الأخوي، وتقدمت منه واضعة الصينية على طرف المكتب. بادلها نادر الابتسامة بـودّ، لكن عينية نظرتا إليها بنظرة مغلفة بالحزن المكتوم، وقال بنبرة دافئة امتزج فيها الفخر بالأسى - تسلم إيدك يا نها.. مش عارف من بعدك مين هيحن عليا ويعملي الشاي د
اقرأ المزيد

88

في ساحة جامعة المنصورة، وسط حركة الطلاب الصاخبة وأجواء التوتر التي تسبق الامتحانات، وقفت إسراء بجوار نادر، يقلبان معاً صفحات المذكرات في مراجعة أخيرة سريعة قبل الدخول إلى قاعة اختبار اليوم. كانت أنفاسهما تتلاحق مع كل معلومة يراجعانها، حتى قطع هذا الاندماج صوت نغمة رسالة خاصة وقصيرة انبعثت من هاتف نادر. أخرج نادر هاتفه بفضول، وما إن فتح الرسالة وقرأ محتواها حتى اتسعت عيناه، وانفرجت أساريره عن ابتسامة فرحة حقيقية طال انتظارها؛ لقد كانت الرسالة إشعاراً بنجاح تحويل أول مبلغ مالي لحسابه من الجريدة الإلكترونية التي تعاقد معها مؤخراً وبدأ يكتب لحسابها. التفت إلى إسراء والبريق يلمع في عينيه، وعبر عن رغبته الجارفة التي كانت تؤرق مضجعه - إسراء.. مش متخيلة الفلوس دي جت في وقتها إزاي أنا كان نفسي من كل قلبي أهادي نها بأي حاجة باسمي قبل فرحها اللي قرب، ومكنتش عارف هعمل ده إزاي. تهلل وجه إسراء لسعادته، ولمست بـيدها الرقيقة كفه تشد من أزره، وقالت بنبرة مشجعة تفيض حباً - مبروك يا حبيبي، وتعيش وتعمل وتجيب.. مفيش وقت للتأجيل، إحنا نخلص الامتحان من هنا، وتنزل فوراً النهاردة تصرف المبلغ ده، وننقي سوا
اقرأ المزيد

89

توقفت السيارة، وترجل آدم منها بوقاره المعهود، ثم دار ليفتح لها الباب بنفسه، مما زاد من تعجبها وارتباكها. ترجلت بخطوات متثاقلة تتبعه، وصعدت خلفه الدرج الرخامي المؤدي للمدخل الرئيسي. دلف آدم إلى القصر ملقياً تحية الصباح بصوت جهوري على والده، ثم التفت خلفه بلمح البصر فلم يجد نور بجواره؛ انتفض قلبه رعباً وركض إلى الخارج مسرعاً، ليجدها واجفة، واقفة بوجل وحياء شديد أمام الباب الخارجي لا تجرؤ على الدخول، فأمسك كفها برقة غامرة وأدخلها قسراً إلى حمى أمانه. دخلت نور بتمهل وريبة، وتجولت عيناها في أرجاء المكان المذهل؛ رأت قادحاً من الفخامة والرفعة، قصراً منيفاً ذو أثاث راقي يمزج بين العصرية والكلاسيكية، وتزدان زواياه بقطع ثنائية من التحف والأنتيكات الأثرية النادرة. تقدمت مذهولة، وألقت تحية الإسلام بصوت خافت ينم عن حيائها الشديد. انتفض كمال بيه من مقعده مرّحباً بها ترحيباً حاراً شديداً، وتقدم منها وعلامات العتاب الأبوي تكسو وجهه البشوش، قائلاً - كده يا نور؟ تخبي عليا ومتقوليليش على اللي حصل وتلجأي لي؟ إنتي ناسية مكانة دادة زينب الله يرحمها عندي؟ دي كانت موصياني عليكي وصية موت، وإنتي بنتي زي رح
اقرأ المزيد

90

في شقة كريم الدافئة، ساد صمتٌ مهيب أبلغ من كل قصائد العشق وكلمات الغزل؛ صمتٌ تعزف فيه نبضات القلوب ألحان الاستقرار. كان كريم يجلس على الأريكة المريحة، وقد طوق سالي بذراعيه القويتين، جاذباً إياها إلى حصن صدره العريض، بينما كانت هي تستكين بين يديه كـعصفور وجد عشه الآمن بعد عاصفة طويلة. قطعت سالي ذلك الصمت الحاني، ورفعت رأسها قليلاً لتنظر إلى عينيه بـنظرة رجاء طفولية تذيب الصخر، وهمست بدلال - كريم.. أنا عاوزة نسافر شرم الشيخ تاني. اتسعت عينا كريم بـدهشة بالغة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة متعجبة؛ فلم يمضِ على عودتهم من هناك أسبوع واحد! نظر إليها وداعب أرنبة أنفها بخفة قائلاً بنبرة ضاحكة - شرم الشيخ تاني يا سالي؟ إحنا لسه راجعين مكملناش أسبوع... لحقتي توحشك بالسرعة دي؟ لوت سالي شفتيها بـدلال أنثوي أسر، واقتربت من وجهه أكثر حتى تلاقت أنفاسهما، وقالت بنبرة تفيض غنجاً - لأني ببساطة محسيتش إني قضيت شهر عسل بجد.. الفترة اللي قضيتها معاك هناك كانت فترة خطوبة وبس، وكنا لسه بعاد.. أنا دلوقتي عاوزة شهر عسل حقيقي وإحنا سوا انطلقت ضحكة كريم الرجولية، الصافية والدافئة، لتملأ أرجاء الغرفة إثر كلما
اقرأ المزيد
السابق
1
...
5678910
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status