All Chapters of أحبَاني بعد فوات الأوان: Chapter 11 - Chapter 20

23 Chapters

الفصل 11

توقفت خطوات يارا، ورفعت رأسها ببطء. وعندما رأته، لم يعد في عينيها اللتين كانتا تفيضان ذات يوم بالرقة والخجل سوى نظرة باردة ولامبالاة لا تشوبها شائبة.وبدت وكأنها لم تسمع كلماته قط، ولم تر تلك الباقة المزعجة من الزهور؛ بل اخترقته نظراتها ومضت في طريقها مكملة السير.ذهل شادي للحظة، ثم سارع إلى اعتراض طريقها قائلًا: "يارا! أنا أتحدث إليك! أعلم أنك غاضبة، يمكنك ضربي أو شتمي، لكن لا تتجاهليني هكذا!"توقفت يارا أخيرًا، واستقرت نظراتها على وجهه، لكنها كانت تنظر إليه وكأنها تنظر إلى حجر لا حياة فيه، خالية من أي مشاعر، ولا تحمل سوى جفاء تام ورفض قاطع.التفت من حوله، وتابعت طريقها مغادرة المكان مباشرة.تيبس شادي في مكانه وهو ما زال يمسك بالزهور، وتلاشت الابتسامة عن وجهه تمامًا.كانت هذه هي المرة الأولى التي يذوق فيها مرارة تجاهل امرأة له بهذا الشكل المطلق؛ فسحره وخلفيته العائلية المرموقة التي لم تخفق معه قط من قبل، بدت أمام هذه المرأة وكأنها مجرد أضحوكة.واجتاحت قلبه موجة عارمة من الإحباط والرفض لتقبل الهزيمة."يارا!" صرخ مناديًا وراء ظهرها بنبرة مشوبة بالغيظ والغضب: "كلما فعلت هذا، زاد إصراري ع
Read more

الفصل 12

أمسك باسل الخالدي بهاتفه وتجمد في مكانه، وهو يستمع إلى نغمة انشغال الخط، وكأنه يسمع صوت توقف قلبه المفاجئ. واجتاحته موجة عارمة من الخيبة والذعر.كان الخريف في مدينة النور ممطرًا كئيبًا، وبرودته تخترق العظام، تمامًا مثل مزاج شادي الخالدي في تلك اللحظة.لقد مرت عدة أشهر.كان مثل كلب صيد لا يكل، مستخدمًا كل الحيل التي يمكنه التفكير فيها، من ملاحقة وتضييق الخناق والتودد اللحوح. مجوهرات ثمينة، مفاتيح سيارات رياضية ذات إصدار محدود، باقات زهور ضخمة ومتنوعة كل يوم، عشاء على ضوء الشموع في أفخم المطاعم المحجوزة بالكامل لها، وحتى فرش الأرضية ببتلات الورد تحت مبنى شقتها، واستدعاء فرقة موسيقية لغناء أغاني الحب...كل تلك الأساليب التي كانت تنجح معه دائمًا في إغواء النساء في الماضي، أصبحت مجرد أضحوكة أمام يارا.نظرات يارا إليه تحولت من البرود واللامبالاة في البداية، إلى الاشمئزاز الواضح لاحقًا، وصولًا إلى الآن، حيث لم تعد تكلف نفسها عناء إظهار الاشمئزاز، بل تجاهلته تمامًا.وكأنه مجرد هواء كريه، أو حجر يعترض طريقها. كانت تمر من جانبه دون أن تلتفت إليه، وتتجنب "المفاجآت" التي أعدها بعناية، وترمي هداياه
Read more

الفصل 13

هذا الإدراك نزل عليه كالصاعقة، فبدد كل رغباته في لحظة، ولم يترك له سوى ذعر لا حدود له واشمئزاز من نفسه. دفع الفتاة عنه فجأة، وتحت نظراتها المذهولة، أمسك بكأس الشراب من على الطاولة الجانبية بغضب وتجرعه دفعة واحدة، ثم قال بصوت أجش: "اغربي عن وجهي!" فخرجت الفتاة وهي تبرطم وتلعن.وفي الجناح الفارغ، انهار شادي على الأريكة وغطى عينيه بذراعه، بينما كان قلبه ينبض بجنون في صدره، ليس بسبب الرغبة، بل بسبب إدراك شبه يائس؛ يبدو أنه... قد وقع في حبها حقًا.لم يكن الأمر مجرد افتتان بذلك الجسد فحسب...أما في الوطن،أصبح باسل ورنا الثنائي الأكثر لمعانًا في الحرم الجامعي.وأينما ذهبا، كانا محط الأنظار؛ إذ كانت رنا تتأبط ذراعه بابتسامة حلوة، مستمتعة بنظرات الحسد والإعجاب من حولهما.ومع ذلك، كان باسل وحده يعرف أن الشقوق تتسع بصمت تحت غطاء هذه العلاقة "المثالية".وبات يجد صعوبة متزايدة في التركيز أثناء قضائه الوقت مع رنا.ففي مواعيدهما، كان ينظر إلى جانب وجه رنا الرقيق والمثالي، بينما تشرد أفكاره بعيدًا إلى مدينة النور، متخيلًا ما يحدث هناك.وعندما كان يبلغه رجاله بنبأ وقوع شادي في مأزق آخر، كانت تسري في ن
Read more

الفصل 14

ذهلت رنا من توبيخه المفاجئ لها، واتسعت عيناها بعدم تصديق، لتغرورق بالدموع في الحال: "أنت... تصرخ في وجهي؟ تصرخ في وجهي من أجل أمر تافه كهذا؟ باسل، كيف تجرؤ...""هذا ليس أمرًا تافهًا! بل المشكلة في أنك تثيرين المتاعب دائمًا بلا سبب! إنها مجرد وجبة طعام، تصرين على تغييرها لأنها لم تعجبك، وترمين الملابس إن لم ترق لك، وتبكين وتشتكين لأتفه الأسباب! متى ستنضجين؟!"صدمت رنا تمامًا، وتداخلت في صدرها مشاعر القهر والغضب، مما جعلها تتحدث دون وعي: "أنا أثير المتاعب بلا سبب؟ باسل! لماذا لم تقل هذا عندما كنت تلاحقني؟ والآن بعد أن حصلت علي، أصبحت تافهة ومزعجة في نظرك؟ أم أنك ما زلت تفكر في تلك الساقطة يارا الغامدي؟! رغم أن صورها الفاضحة انتشرت هكذا...""اخرسي!" بمجرد سماع هذا الاسم، انتفض باسل كمن مسه جنون، ووقف فجأة وملامح وجهه غاضبة ومخيفة.اندلع بينهما شجار عنيف في المطعم، وانتهى بهما المطاف إلى الافتراق غاضبين.غادر باسل صافقًا الباب خلفه، تاركًا رنا بمفردها تبكي بحرقة.في مدينة النور.فكانت حالة شادي تزداد سوءًا يومًا بعد يوم.بدا وكأنه وحش حبيس، تعذبه مشاعر خارجة عن سيطرته حتى بات على حافة الان
Read more

الفصل 15

كانت تلك النظرة بمثابة دلو من الماء المثلج الذي انسكب فجأة ليطفئ نار العنف المستعرة في قلب شادي، مما جعله يستعيد وعيه على الفور.راقبها وهي تتراجع خطوة إلى الوراء غريزيًا، لتبتعد عنه أكثر، وكأنه فيروس قاتل.خفض رأسه ونظر إلى قبضته المرتعشة الملطخة بدماء شخص آخر، فاجتاحته موجة عارمة من الذعر والضياع.فكر في نفسه فزعًا: "ماذا... ماذا فعلت للتو؟""كيف فقدت السيطرة على نفسي إلى هذا الحد؟""فقط لأنني رأيت رجلًا آخر يبتسم لها؟"في تلك اللحظة، لم يعد بإمكانه خداع نفسه بعد الآن.لم تكن هذه رغبة في التملك، ولا عدم تقبل للخسارة.بل كانت غيرة، وخوفًا، ...وحبًا.يبدو أنه وقع بالفعل في حب يارا.هذا الإدراك جعل قلبه ينبض بجنون، وأطرافه تصبح باردة كالثلج.في اليوم التالي، رتب شادي هندامه بالكاد ليصبح مظهره مقبولًا لمقابلة الناس، لكنه لم يستطع إخفاء الإرهاق والخطوط الحمراء في عينيه. ووقف ينتظر عند باب شقة يارا.بمجرد أن رآها تخرج، تقدم نحوها على الفور، متخليًا عن أسلوبه الساخر والمستهتر الذي اعتاد عليه في الماضي.تحركت تفاحة آدم في حلقه، وجاء صوته أجش من شدة التوتر، بل إنه حمل نبرة توسل ذليلة لم يدركه
Read more

الفصل 16

أمسك بهاتفه، وكانت أصابعه ترتجف بشدة لدرجة أنه كاد يعجز عن الإمساك به. وبفضل ما تبقى له من وعي ضئيل، طلب الرقم الذي كان يحفظه عن ظهر قلب.كانت نغمة الانتظار للمكالمة الدولية طويلة ومزعجة.أما في الوطن، فقد كان الوقت فجرًا.كان باسل الخالدي قد انتهى للتو من مراجعة ملف عاجل، فدلك ما بين حاجبيه متأهبًا للراحة. وفجأة، رن هاتفه بشكل مفاجئ، وعندما رأى الرقم الدولي الخاص بشادي الخالدي، قطب حاجبيه دون وعي، واجتاحت قلبه موجة غامضة من الضيق.فكر في نفسه: "في وقت متأخر كهذا..."سحب الشاشة للرد، وقبل أن يتاح له الوقت للتحدث، انفجر من سماعة الهاتف صراخ شادي الأجش، المكسور، وشبه الجنوني، ممتزجًا برائحة الخمر الثقيلة وبكاء يائس:"أخي... أخي!!!"خفق قلب باسل بقوة، وانخفضت نبرة صوته متسائلًا: "شادي؟ ما بك؟ هل أفرطت في الشرب؟""أخي... لقد انتهيت... لقد انتهيت تمامًا يا لعنة الله علي!" بدا صوت شادي وكأنه يسحل على ورق صنفرة، مبعثر الكلمات، "إنها تكرهني... تزدري بي... قالت إنني مقزز..." بدا وكأنه يتقيأ، وصوته تملأه الفوضى والاضطراب.ازداد تقطيب حاجبي باسل ضيقًا، وتعاظم القلق في أعماق قلبه: "عن ماذا تتحدث ب
Read more

الفصل 17

كان اعتراف شقيقه القوي بالحب بمثابة المفتاح الأكثر حدة، الذي فتح بقوة بوابة مشاعره التي طالما كبتها بشدة وأنكرها باستماتة!إن الضيق والقلق اللذين عانى منهما طوال الأشهر القليلة الماضية، وتلك المقارنات والذكريات الخارجة عن السيطرة، والبهجة الخفية التي شعر بها عندما علم بصد شادي، والذعر الذي أصابه عندما علم برحيلها... كل تلك المشاعر التي عزاها ذات يوم إلى "فقدان السيطرة" أو "عدم الاعتياد"، اندفعت الآن إلى قلبه كالأمواج العاتية، لتكشف عن وجهها الحقيقي والأكثر بشاعةلقد كانت الغيرة!والاهتمام!... وخفقان القلب!ربما... كان قد وقع في حب يارا منذ وقت طويل!ربما حدث ذلك خلال السنتين اللتين كان فيهما "يلعب" دور حبيبها، وسط طاعتها الصامتة ورعايتها الدقيقة؛ وربما في نظرات عينيها اللتين كانتا تتحملان الألم بصمت مرة تلو الأخرى؛ أو ربما... قبل ذلك بكثير، بجانب ملعب كرة السلة، عندما رفعت عينيها المذعورتين والتقت نظرتهما في تلك اللحظة الخاطفة؟لكن كبرياءه، وتمسكه المعتاد و"مسؤوليته" تجاه رنا القرشي التي دامت لأكثر من عقد، جعلاه يتجاهل عمدًا هذا الحب الذي نما بصمت، بل ويدوس عليه بأكثر الطرق قسوة!لقد
Read more

الفصل 18

بعد الانتهاء من إجراءات الانفصال، عاد باسل إلى الشركة على الفور، ورتب جميع الأمور العاجلة بأسرع ما يمكن، ثم أمر مساعده: "احجز لي فورًا تذكرة على أقرب رحلة طيران إلى مدينة النور! وأجل جميع المواعيد!"لم يكن في ذهنه في هذه اللحظة سوى فكرة واحدة، مجنونة وملحة: أن يجد يارا الغامدي! حالًا! وفورًا!لم يكن بمقدوره أن يتحمل رؤية شادي يتربص حولها! فضلاً عن عدم قدرته على تقبل احتمالية خسارتها نهائيًا!خلال رحلة الطيران التي استغرقت أكثر من عشر ساعات، لم يذق باسل طعم النوم، وظلت السيناريوهات المحتملة تتكرر في مخيلته مرارًا وتكرارًا، بينما يحرق القلق وترقب غريب يكاد يشبه الذعر أعصابه.بمجرد أن هبطت الطائرة، لم يتوجه حتى إلى الفندق، بل طلب من السائق القيادة مباشرة إلى شقة يارا وفقًا للعنوان الذي كان رجاله قد تقصوا عنه مسبقًا.عند حلول الغروب، صبغت أشعة الشمس الآفلة شوارع مدينة النور بلون ذهبي دافئ.بمجرد أن توقفت سيارة باسل أسفل مبنى الشقة، وقعت عيناه على ذلك الجسد المألوف والوحيد وهو يستند إلى عمود الإنارة ...إنه شادي!وفي اللحظة نفسها تقريبًا، رآه شادي أيضًا.تلاقت نظرات الشقيقين في الهواء بعنف!
Read more

الفصل 19

في المرة الأولى التي وجهت فيها الرذاذ نحوه، تجمد باسل بالكامل، وبدت ملامح الألم والإحباط واضحة في عينيه بشكل لا يصدق.أما شادي، فكان أكثر تطرفًا وتقلبًا في مشاعره.فتارة كان يتوسل بذلة، ويبكي بحرقة معتذرًا بينما يصفع نفسه، متحدثًا عن مدى ندمه وعن حبه الصادق لها؛وتارة أخرى يفقد السيطرة على نفسه بسبب برودها، فيحطم الأشياء بجنون، بل ويقتحم المكان ليسحبها بالقوة عندما تتفاعل بشكل طبيعي مع زملائها، مما كان يثير الذعر ويستدعي تدخل الشرطة.بل إنه استغل نفوذ عائلة الخالدي للضغط على جامعة يارا وعلى مالك السكن الذي تستأجره، محاولاً قطع كافة مصادرها الاجتماعية والمالية لإجبارها على الاستسلام.وكان الشقيقان يرى كل منهما في الآخر العقبة الأكبر في طريقه.فقد أرسل باسل رجالاً لمراقبة شادي على مدار الساعة، وبمجرد أن يلاحظوا اقترابه من يارا، يتدخلون فوراً لعرقلته تحت غطاء "المصادفة"؛وفي المقابل، كان شادي يبذل قصارى جهده لإحباط كل محاولات باسل للتودد إليها، فيحطم الزهور التي يرسلها، ويرمي الهدايا التي يقدمها، بل ويتعمد إحداث ضوضاء صاخبة للتشويش عليه كلما حاول التحدث مع يارا.هذا التنافس المحموم والقيو
Read more

الفصل 20

في صالة الوصول الدولي، كان الحشد غفيراً يتدفق كالأمواج.خرجت يارا وهي تجر حقيبتها، مرتدية معطفاً بسيطاً بلون البيج الدافئ، بقامتها الممشوقة وملامحها الباردة واللامبالية.لقد غسلت السنوات الثلاث آخر بقايا براءتها الساذجة، وأضفت عليها نضجاً وبروداً جعلاها تبدو غاية في الفتنة والجمال، ولكن في الوقت نفسه جعلتها أبعد من منال أي شخص.وما إن وطأت قدماها أرض الوطن، وقبل أن تتنفس حتى شهيقاً واحداً من هوائه، اندفعت مجموعتان من الرجال كقرشين شما رائحة الدم، وحاصراها بسرعة من اتجاهين مختلفين عند ممر الخروج!من جهة اليسار، كان باسل يقف في المقدمة.كان يرتدي بدلة فاخرة حيكت يدوياً خصيصاً له، بقامته الطويلة ووسامته المعهودة، إلا أن جبينه كان يحمل علامات تعب لا تزول ولهفة بدت شبه جشعة.كان يحمل بين يديه باقة ضخمة من زهور البيضاء النادرة، والتي ترمز في لغة الزهور إلى "الحب الصادق والتوبة". نظر إليها بعينين تضجان بمشاعر بالغة التعقيد؛ مزيج من الندم، والشوق، والهوس بالاستحواذ عليها بأي ثمن، وقال: "يارا... مرحباً بعودتك."كان صوته عميقاً، وحاول جاهداً أن يبدو هادئاً، لكن بحة التوتر الخفيفة فضحت أمره.ومن
Read more
PREV
123
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status