كان الليل قد ألقى بظلاله الهادئة على أرجاء الأكاديمية، ولم يتبقَ في القاعات الواسعة سوى حفيف الأوراق الخفيفة وصوت أنفاسنا المتزنة وأنا وعاصم نراجع مسودات العقود الأخيرة لمشروع الترجمة الدولي. فجأة، انقطع التيار الكهربائي عن الطابق العلوي بأكمله، فانطفأت المصابيح المعلقة لتغرق الغرفة في عتمة شبه كاملة، لم يخرقها سوى وميض خافت ينبعث من شاشة الحاسوب المحمول وضوء القمر البارد الذي كان يتسلل عبر الزجاج الكبير.في تلك اللحظة بالذات، ومن بين سكون الليل العجيب، تردد صوت خطوات بطيئة ومتزنة تقترب من باب المكتب الموارب.تجمد الدم في عروقي لوهلة، واستحضرت الذاكرة ببرود لا يرحم تفاصيل ذلك القصر القديم المظلم وجدرانه الباردة التي طالما حبست أنفاسي. لكن سرعان ما تلاشى ذلك الخوف الوهمي ليحل محله هدوء حاد وواثق؛ فليان اليوم ليست تلك الفتاة المرتجفة خلف القضبان، بل هي من صنعت بدموعها وإرادتها حصناً من نور.توقف عاصم عن الكتابة، ورفع نظره بحذر نحو الباب، ثم مد يده بهدوء ليمسك بمصباح يدوي صغير وضعه على الحافة الخشبية. وقبل أن ينطق بكلمة، انفتح الباب ببطء شديد، ليتسرب منه طيف خفيف رافقته نسمة هواء باردة ت
Última atualização : 2026-09-02 Ler mais