لم يعد للصمت ذلك الوجه المخيف الذي اعتاد أن يسكن أركان غرفتي القديمة؛ فقد تحول السكوت من رفيق للوحدة والقهر إلى مساحة مقدسة تتنفس فيها الحروف بكل حرية وجرأة. في ذلك الصباح المختلف، حين كانت خيوط الشمس تداعب زجاج نافذتي المطلة على النيل العظيم، جلست إلى مكتبي القديم الذي شهد ولادة حكاياتنا، وأنا أستحضر كل خطوة قادتنا إلى هذه اللحظة من النضج والاستقرار. دخل عاصم بخطواته الهادئة المعتادة، ووضع أمامي ملفاً يضم الآراء النقدية الأولى للرواية العالمية المترجمة، وبابتسامة تفيض بالفخر قال: "انظري يا ليان.. النقاد في كبرى الصحف الأوروبية يكتبون عن روايتك باعتبارها وثيقة إنسانية نادرة للتحرر والانتصار على الظلم. لقد تجاوزتِ حدود المحليات لتصبحي صوتاً عالمياً لكل من أُسكت صوته يوماً." أخذت الملف بين يدي، وتصفحت السطور الإنجليزية والفرنسية التي تمدح عمق الشخصيات وبراعة السرد. تذكرت كيف كانت أوراقي تُخفى سراً خوفاً من بطش الأمس، وكيف أصبحت اليوم تُرجم وتُطبع وتُقرأ في شتى بقاع الأرض. أغلقت الملف بهدوء، ورفعته إلى صدري كأنه وسام شرف نلتُه بعد حرب طويلة ومريرة ضد القيود والوصاية. قلت لعاصم بنبرة
آخر تحديث : 2026-08-06 اقرأ المزيد