بيت / حين أضحى الحب رمادًا / Chapter 11 -الفصل 20

جميع فصول : الفصل -الفصل 20

42 فصول

الفصل 11

بعد بضعة أيام، في غرفة نوم بإحدى الشقق.كانت النافذة الخشبية تصدر صريرًا تحت وطأة رياح الليل، بينما ألقى ضوء المصباح على الجدار ظلين متداخلين.ارتجفت يد نوح التي تمسك بالملقط قليلًا، وهو ينظر إلى كتف نادين العاري.بدت وحمة زهرة الخوخ القرمزية كزهرة متفتحة على بشرتها الرقيقة، وتشبه كثيرًا مشبك الشعر المزدان بزهرة خوخ، الذي كانت تثبته مائلًا عند جانب شعرها يوم التقيا للمرة الأولى."نادين، هل أنت متأكدة؟" كانت في صوته بحة خافتة يصعب ملاحظتها: "هل تريدين حقًا إزالة الوحمة عن كتفك؟"خفضت نادين عينيها إلى انعكاسات الضوء المتراقصة على الأرض، وغرست أظافرها عميقًا في راحة يدها.وبعد صمت طويل، أومأت برفق، وخرج صوتها خافتًا يكاد لا يُسمع: "نعم، أزلها."تحركت حنجرة نوح، ثم أخرج من الحوض النحاسي منشفة مبللة بالماء البارد وعصرها.بقيت يده التي تحمل الدواء معلقة فوق كتفها، ولم يجرؤ لوقت طويل على وضعه.تدفقت الذكريات في ذهنه فجأة، فتذكر مشهد أخيه قبل بضعة أيام، وهو يحاول نزع سوار نادين، فخبت نظرة عينيه قليلًا.وأقسم في نفسه ألّا يسمح لنادين بأن تتألم مرة أخرى.ما إن لامس الدواء المستخدم لإزالة الوحمة
اقرأ المزيد

الفصل 12

"كنت مجرد بديلة عنها..."أطلقت ضحكة خفيفة فجأة، لكن ضحكتها كانت تحمل حزنًا منكسرًا، وانهمرت دموعها بغزارة وهي تقول: "خالد، الألم الذي تتذوقه الآن لا يساوي حتى جزءًا يسيرًا من الأذى الذي تسببت لي فيه."دفنت وجهها في صدر نوح، وأخيرًا سمحت لنفسها بالارتجاف، وقالت: "اتضح أن من يُعامل كبديل هو الأكثر إثارة للسخرية."أسند نوح ذقنه إلى أعلى رأسها، وخرجت من حنجرته زفرة مكتومة، بينما أحاطها بذراعيه بإحكام شديد.راحت أطراف أصابعه تمر على ظهرها بلا وعي، بحركات خفيفة وحذرة، وكأنه يخشى أن يؤلمها.فهو من وضع لها الدواء بيديه ليمحو آثار الماضي عنها، وكان ذلك شاهدًا على ولادتها من جديد.في اليوم التالي.حين دوى صفير الباخرة على ضفاف النهر، خرجت نادين من الرواق وهي تحمل حقيبة سفرها.لفحها هواء النهر الرطب المحمل برائحة المياه المالحة، فرفعت رأسها تتأمل السماء الرمادية المائلة إلى الزرقة.وفجأة تذكرت تلك السنة التي ظلت فيها حبيسة الفناء الخلفي لقصر عائلة الرفاعي، حتى إنها لم تكن تستطيع رؤية سحابة واحدة.اندفعت السيارة السوداء فوق الطريق المرصوف بالحجارة، وتناثر الماء من عجلاتها، فانعكست أشعة الشمس عليه
اقرأ المزيد

الفصل 13

لطالما بقي نوح في الظل، يراقبها وهي تعاني داخل عائلة الرفاعي، ولا يملك سوى أن يطلب في صمت من الآخرين أن يرسلوا إليها الأطعمة التي تحبها.في هذه اللحظة، تخلى عن كل حذره، وأظهر أرق جانب فيه، حتى شعرت بغصة وهي تراه على هذه الحال."حسنًا." أخيرًا أنزلت يدها المعلقة في الهواء، ومررت أطراف أصابعها برفق على بروز العظم عند مؤخرة عنقه، كأنها تهدئ حيوانًا صغيرًا جريحًا: "نم."وما إن أنهت كلامها حتى أحكم ذراعيه حول خصرها، ودفن وجهه أعمق في أسفل بطنها.لكن زاوية فمه ارتفعت في الخفاء بابتسامة تنمّ عن انتصاره، وحده يعرف كم من الليالي والأيام انتظر هذه اللحظة.مرت السيارة السوداء فوق الطريق المرصوف بالحصى، قبل أن تتوقف أخيرًا عند الرصيف الحجري الرطب في الميناء.مزقت صافرة السفينة السماء الرمادية الكئيبة، بينما اندفع هواء النهر المحمل برطوبة مالحة إلى داخل السيارة، فبعثر الخصلات المتناثرة عند صدغي نادين.خفضت نادين عينيها نحو نوح، الذي كان يتوسد أسفل بطنها.كانت رموشه ترتجف بخفة، وأنفاسه المنتظمة تنساب دافئة على قماش فستانها، فشعرت بحرارة تصعد إلى أطراف أذنيها.وما إن كادت أطراف أصابعها تلامس أطراف شع
اقرأ المزيد

الفصل 14

غرست نادين أظافرها عميقًا في جانب الكوب، وانزلقت قطرات الماء التي ظهرت عليه بين أصابعها.اشتد انقباض حلقها، لكنها أومأت برأسها إيماءة متيبسة."إذًا، هل يمكنك أن تفكري في الشخص الموجود أمامك؟"كانت كلماته كإبرة اخترقت أذنها فجأة، فرفعت نادين رأسها بسرعة، وارتجفت رموشها بعنف، وامتلأت حدقتاها بالهلع."أفكر في ماذا؟"اقترب نوح منها فجأة، فاصطدمت أنفاسه الدافئة، المحملة برائحة النعناع، بوجنتها المشتعلة.تراجعت نادين إلى الخلف غريزيًا، حتى اصطدم أسفل ظهرها بمسند الكرسي، ولم يعد أمامها أي مجال للتراجع."نادين، فكري فيّ، حسنًا؟ سأثبت لك ذلك."يثبت ماذا؟خفضت نادين عينيها وحدقت في آثار الشاي في قاع الكوب، بينما راحت أظافرها تحك جانبه محدثة صوتًا خافتًا متقطعًا.كان خفقان قلبها يضرب طبلة أذنيها حتى آلمها، فعضت على أضراسها الخلفية بقوة، وابتلعت الكلمات التي اندفعت إلى طرف لسانها.تأرجحت السفينة وسط الأمواج عدة أيام قبل أن تصل إلى وجهتها.في الأيام التالية، بذلت نادين جهدًا كبيرًا في تعلم اللغة الإنجليزية.كان نوح يحتفظ دائمًا بدفتر مفردات اللغة الإنجليزية الخاص بها في جيب بدلته، وحتى قبل الاجتماع
اقرأ المزيد

الفصل 15

"نادين، ستصلك غدًا رسالة القبول من الجامعة."غيّر نوح الموضوع، ولا تزال قشرة دم جافة عالقة عند زاوية فمه، ومع ذلك ابتسم كطفل يخفي قطعة حلوى سرًا.ما إن لامست أطراف أصابع نادين الضمادة التي بدأ الدم يتسرب منها حتى ضربته على كتفه بظهر يدها.خففت قوة ضربتها مرة بعد أخرى، ومع ذلك جعلته يطلق أنينًا مكتومًا: "كف عن المزاح! أخبرني أولًا، كيف أصبت بكل هذه الجروح؟"حدقت في جروحه المتخثرة، وغرزت أظافرها في راحة يدها؛ فعندما كانت تغيّر له الضماد قبل قليل، كانت تلك الجروح المروعة لا تزال تنزف.حاول نوح أن يعتدل في جلسته، لكن الحركة شدت جروحه وأثارت ألمًا حادًا، فصدرت من حنجرته آهة مكتومة.خفض عينيه، وبعد صمت طويل، قال بصوت خافت: "هاجمني بعض المنافسين في مجال الأعمال، لكنهم لم يخرجوا من الأمر سالمين هم أيضًا."تلاشت نبرته الأخيرة في الهواء، وبدأت بقعة دم حمراء داكنة تتسرب من جديد تحت الضماد.وما إن هدأ قلق نادين حتى تذكرت شيئًا فجأة: "ألم تقل إن رسالة القبول لن تصل إلا بعد نصف شهر؟"مد نوح يده ليلامس أطراف شعرها، لكنها أدارت رأسها وتفادت يده.ظهرت الخيبة في عينيه للحظة، ثم اختفت سريعًا، وارتسمت على
اقرأ المزيد

الفصل 16

نظرت نادين إلى الاحمرار في عينيه، وشعرت بانقباض في حلقها: "توخ الحذر."راحت أطراف أصابعها تتحسس دون وعي الندبة القديمة عند طرف كمه، تلك التي خلّفها هجوم خصومه في المرة السابقة.أمسك نوح بيدها بيده الأخرى، وقال: "خلال فترة غيابي، أبقي لانا إلى جانبك، حسنًا؟"هبطت قبلة دافئة على مفاصل أصابعها، تحمل في طياتها وعدًا جادًا.أجابته نادين: "حسنًا، اعتن بنفسك جيدًا حين تعود إلى البلاد."وما إن أنهت كلامها، حتى دوى فجأة صوت بوق السفينة في الميناء، فحلق سرب من الحمام الأبيض مذعورًا.كانت رياح البحر المالحة على سطح السفينة تحمل معها حزن الفراق.تشبثت نادين بكمه ولم ترض أن تفلته، حتى حثها أفراد الطاقم على ذلك مرارًا.عندها فقط أفلتت يده، وظلت تراقبه وهو يصعد إلى سطح السفينة.بعد بضعة أيام من مغادرة نوح، تلقت نادين رسالة، وحين فتحتها، اكتشفت أنها من يارا، تهددها فيها بأنها إن لم تعد إلى البلاد، فستخبر خالد بأنها لا تزال على قيد الحياة."أمي، ما بك؟" احتضنت لانا ساقها، بينما مرّت ضفيرتاها على ظهر يدها.رفعت الطفلة وجهها الصغير إليها، وقد ارتسم القلق على ملامحها، بينما لا تزال آثار مربى الفراولة عالق
اقرأ المزيد

الفصل 17

"نادين..."شق السكون نداء مرتجف.تصلب ظهر نادين فجأة، وقبضت أطراف أصابعها على طرف فستانها، ثم التفتت ببطء.ظهرت أمامها في مواجهة الضوء هيئة رجل جعلت حدقتيها تنكمشان قليلًا. كان ذلك الرجل الذي عرفته يومًا مفعمًا بالحيوية والطموح، لكن الشيب غزا جانبي رأسه الآن، وانطبعت آثار السنين في الخطوط المحيطة بعينيه، حتى بدا وكأن السنين انتزعت منه معظم حيويته.وفي اللحظة التي كادت يده المرتجفة تلامس طرف فستان نادين، دوى صوت طفولي فجأة."أيها العم الشرير، اترك أمي!"كانت لانا تتلوى بعنف بين ذراعي نوح، وقد ضمت يديها الصغيرتين في قبضتين، واحمرّ وجهها الوردي من شدة الغضب، كأنها شبل صغير انتفش فراؤه غيظًا.أحاط نوح بابنته بإحكام، وضغط بأصابعه ذات المفاصل البارزة برفق على ذراعها التي راحت تلوح بها بعشوائية: "لانا، كوني مطيعة، ودعيني أتولى الأمر، حسنًا؟"كان صوته العميق يحمل نبرة حانية ومهدئة، فسكنت لانا فورًا، ولم يبق منها سوى نظرات غاضبة مسلطة على خالد."أبي... أمي..."ظل الصوت الطفولي الخائف يتردد في ذهن خالد.تنقلت نظرات خالد بين الثلاثة أمامه، بينما أخذ صدغاه ينبضان بعنف.تلاطمت في داخله مشاعر السخط
اقرأ المزيد

الفصل 18

خفض نوح عينيه، وراح يردد عبارة "فرد من العائلة" وكأنه يمضغها بشفتيه، ثم خرجت من حنجرته ضحكات خافتة متقطعة.رفع رأسه ببطء، وكانت أطراف عينيه محتقنة بالدم، لكن لم يكن في عينيه أدنى أثر للابتسام:"أما زلت تتذكر أنني فرد من العائلة؟ عندما ألقيتموني، وأنا رضيع وجسدي كله مزرق، في مقبرة الموتى، كأنكم تتخلصون من قطة أو كلب ميت، هل فكرتم يومًا أن دم عائلة الرفاعي يجري في عروقي، وأنني فرد من العائلة؟"هبت نسمة خفيفة، فحرّكت الأجراس النحاسية المعلقة تحت سقف القصر، وأصدرت رنينًا عذبًا. ثم تقدم نوح نحوه نصف خطوة فجأة: "ومن الذي واجه العاصفة والثلوج، ونبش مقبرة الموتى حتى أخرجني منها؟"لم تكن سوى مسرحية قذرة دبرها هؤلاء ومثلوها بأنفسهم!فوالدته كانت في الأصل ابنة عائلة الراشد في مدينة المرجان، لكن عائلة الرفاعي أجبرتها بالقوة على أن تصبح مغنية يسخر منها الجميع!أما إلقاؤه في مقبرة الموتى ثم إنقاذه، فلم يكن سوى جزء آخر من المسرحية التي دبرها هؤلاء ومثلوها بأنفسهم.حتى موت والدته كان للعم توفيق ومن معه يد فيه.كانت أشعة الشمس اليوم ساطعة إلى حد مؤلم، فشقت ظل العم توفيق إلى نصفين، بينما ترنح وتراجع ثلا
اقرأ المزيد

الفصل 19

لوّح بيده، وقد ارتسم على وجهه تعبير واضح يقول: "لا تكوني جاحدة." ثم قال: "ألا يمكنك أن تمنحيه فرصة؟""العم شرير!"أطلت لانا فجأة من بين ذراعي نوح، وقد امتلأت عيناها الكبيرتان بالأسى والشعور بالظلم: "لقد تسبب في أن تصبح أمي على هذه الحال، فلماذا علينا أن نسامحه؟"تعلقت الصغيرة بطرف ملابس نوح، ورفعت رأسها تتوسل إليه بدلال: "أبي، لا أريد رؤية هذا الرجل السيئ، دعه يرحل، حسنًا؟"ربّت نوح برفق على رأس لانا، وقال لها بصوت هادئ: "حسنًا، سأطرده الآن."وبينما كان يتحدث، بردت نظرته، وألقى على العم توفيق نظرة حادة كالسكين."سأفكر في اقتراحك يا عم توفيق، لكن يبدو أن ابنتي لا تحب وجودك. لذا، أرجو أن تغادر."اتسعت عينا العم توفيق من شدة الصدمة.ابنة نوح ونادين...هل أنجب طفلة من تلك المرأة الحقيرة؟وماذا عن الزواج الذي اتفق عليه للتو مع عائلة كرم؟نظر إلى نوح، وقد اشتد غضبه أكثر: "نوح، كيف تجرؤ على إقامة علاقة مع نادين من وراء الجميع؟ ألا ترى أنك أسأت إلى أخيك الأكبر؟"ضحك نوح بسخرية عندما سمع ذلك، فما الذي فعله ليستحق هذا اللوم أصلًا؟"وما الذي فعلته لأكون قد أسأت إلى أخي؟ نادين هي المرأة التي أحبها
اقرأ المزيد

الفصل 20

تسللت نسمات الليل من شقوق النافذة، فحرّكت الأوراق الموضوعة على المكتب. وما إن رفع نوح رأسه حتى انعكس ضوء المصباح الدافئ على عينيه اللتين ما زالت آثار السهر عالقة بهما، لكن ما إن وقعت عيناه عليها حتى ذابت حدتهما، وحلّ مكانها دفء رقيق.أغلق قلمه بفرقعة خفيفة، وما إن نهض حتى هبّت في وجهها رائحة الحبر ممتزجة بعبق خشب الأرز."وكيف لي أن أخلف وعدي؟" مد يده وعبث بتسريحة شعرها المنسدلة، وحين مرت أنامله على شحمة أذنها، تعمد أن يبقيها هناك نصف ثانية إضافية."لقد أقسمت لك في ذلك الوقت أن أمنحك أنت ولانا حياة سعيدة."أطلقت نادين همهمة خافتة، ثم وخزت صدره عند الأزرار الجديدة في ملابسه: "الآن بات الجميع في الأحياء الراقية يعرفون جيدًا نفوذك وقدرتك، ومع ذلك ما زلت ترهق نفسك إلى هذا الحد؟"كانت كلماتها قاسية، لكنها لم تستطع منع يدها من الانزلاق إلى الهالات الداكنة تحت عينيه.وفجأة، دوى في الخارج صفير سفينة شحن، ممتدًا وحزينًا.استغل نوح الفرصة وأحاطها بذراعيه أمام المكتب، وانسابت أنفاسه الدافئة على مؤخرة عنقها: "ألهذه الدرجة أنت قاسية معي يا نادين؟"وأخذ يشد قبضته ببطء حول خصرها.قالت نادين: "وكيف أكو
اقرأ المزيد
السابق
12345
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status