الفصل الأول: هامش على دفتر الخوفكان الليل يلقي بسدوله الثقيلة والمظلمة على أزقة القاهرة المترامية الأطراف، ويتراجع صخب المدينة اليومي تدريجياً ليفسح المجال لسكون ثقيل يربض فوق الشوارع كأنه كائن حي يتنفس الصمت. في حي الزمالك العريق، وتحديداً في الغرفة العلوية لتلك البناية ذات الطراز المعماري الكلاسيكي القديم، كان الصمت هو السيد المطلق والوحيد للمكان. في زاوية الغرفة المظلمة، كانت عقارب الساعة الجدارية الإيطالية المصنوعة من الخشب الأبنوسي الداكن تحثّ الخطى بنبرات ميكانيكية رتيبة، كأنها دقات قلب متعب ومجهد ينتظر قدوم فاجعة لا مناص منها ولا مفر من مواجهتها. وعندما تلاقت العقارب ببطء عند رأس الساعة لتعلن عن حلول منتصف الليل، انطلق منها صوت دقة جافة واحدة، مزقت سكون المكان المخيف وتركت صداتها تتردد ببطء بين الجدران العالية المرتفعة.في تلك البقعة المعزولة والنائية من الشقة، كانت "مريم" تجلس خلف مكتبها الخشبي المتهالك الذي تحفّه رفوف مكتبة ضخمة مليئة بالكتب والمجلدات القانونية والصحفية. كان ضوء شاشة الحاسوب المحمول ينبعث بارداً وباهتاً، ينعكس على لوح الزجاج الممتد أمامها والمطل على الشار
آخر تحديث : 2026-10-08 اقرأ المزيد