FAZER LOGIN
الفصل الأول: هامش على دفتر الخوف
كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة والمظلمة على أزقة القاهرة المترامية الأطراف، ويتراجع صخب المدينة اليومي تدريجياً ليفسح المجال لسكون ثقيل يربض فوق الشوارع كأنه كائن حي يتنفس الصمت. في حي الزمالك العريق، وتحديداً في الغرفة العلوية لتلك البناية ذات الطراز المعماري الكلاسيكي القديم، كان الصمت هو السيد المطلق والوحيد للمكان. في زاوية الغرفة المظلمة، كانت عقارب الساعة الجدارية الإيطالية المصنوعة من الخشب الأبنوسي الداكن تحثّ الخطى بنبرات ميكانيكية رتيبة، كأنها دقات قلب متعب ومجهد ينتظر قدوم فاجعة لا مناص منها ولا مفر من مواجهتها. وعندما تلاقت العقارب ببطء عند رأس الساعة لتعلن عن حلول منتصف الليل، انطلق منها صوت دقة جافة واحدة، مزقت سكون المكان المخيف وتركت صداتها تتردد ببطء بين الجدران العالية المرتفعة. في تلك البقعة المعزولة والنائية من الشقة، كانت "مريم" تجلس خلف مكتبها الخشبي المتهالك الذي تحفّه رفوف مكتبة ضخمة مليئة بالكتب والمجلدات القانونية والصحفية. كان ضوء شاشة الحاسوب المحمول ينبعث بارداً وباهتاً، ينعكس على لوح الزجاج الممتد أمامها والمطل على الشارع الصامت الخالي تماماً من حركة المارة أو السيارات. كانت مريم، الصحفية الاستقصائية البالغة من العمر ثمانية وعشرين عاماً، ترتشف ما تبقى من قهوتها الباردة المريرة من فنجان خزفي قديم. ويداها—على الرغم من محاولاتها الشديدة للتماسك وضبط النفس أمام هذا الخطب—ترتجفان برعشة خفيفة ولكنها محسوسة، تسري من أناملها الباردة لتصل إلى أطراف معصميها. لم يكن الممتد أمامها على سطح المكتب الخشبي مجرد مسودة لتحقيق صحفي عادي، أو أوراق عمل روتينية يمكن إرجاؤها إلى صباح اليوم التالي؛ بل كان ملفاً جلدياً أسود اللون، مطفأ البريق، خالياً تماماً من أي عنوان أو وسم يوضح هويته أو مصدره الأصلي. يحتوي الملف على أصول شيكات بنكية محررة بمبالغ خيالية، وسجلات قيد غير مقيدة رسمياً في دفاتر البنوك أو السجلات التجارية للدولة، تضم أسماء كبار الشخصيات ورجال الأعمال ونافذين في أعلى هرم السلطة والمال. ولكن الصفحة الأخيرة من هذا الملف كانت هي البؤرة المشتعلة التي تتجمع فيها كل خيوط الرعب والذهول والشك؛ إذ اشتملت على وثيقة تنازل رسمية عن مساحات شاسعة من الأراضي في بقعة استراتيجية على ساحل البحر، ممهورة في أسفلها بتوقيع واضح وصريح لا يخاطئه الشك: توقيع والدها الراحل، الكاتب والمستشار المالي السابق "فؤاد عبد الرحمن".. وتحت هذا التوقيع مباشرة، انطبع توقيع آخر بخط عريض، قاطع، يحمل هيبة ونفوذاً لا تخطئهما العين: سليم الشافعي. سليم الشافعي.. لم يكن هذا الاسم غريباً على مريم أو على أي متابع واعي لصفحات الاقتصاد والمال في الشرق الأوسط بأكمله؛ إنه الاسم الذي يتردد في كواليس الشركات الكبرى ومجالس إدارة البنوك كرمز للسطوة النفاذة، والمال النظيف والمشبوه في آنٍ واحد، والغموض المطلق الذي يحيط بكل تحركاته. رجل بنى إمبراطورية تجارية واسعة تتخطى الحدود في سنوات قليلة جداً، وظل يحمي حياته الخاصة وحركات استثماراته بسياج فولاذي من التكتم والحراسة المشددة، حتى أضحت الصحافة تتجنب المساس باسمه تجنباً للمخاطر أو للملاحقات القضائية التي لا ترحم. تنفسّت مريم بعمق، وسحبت الهواء البارد إلى رئتيها في محاولة يائسة لاستعادة هدوئها الذهني وترتيب أفكارها المشتتة. منذ أن فارق والدها الحياة قبل عامين في حادث سير غامض على الطريق الصحراوي—وهو الحادث الذي أُغلق ملفه القضائي سريعاً بدعوى أنه مجرد قضاء وقدر وانحراف لعجلة القيادة—نذرت مريم نفسها لملاحقة قضايا الفساد المالي واستقصاء الحقائق التي ظلت مطوية في العتمة. كانت دائماً تظن أن أسباب رحيل والدها التراجيدي تكمن في صراعاته التجارية القديمة مع بعض المنافسين الصغار، لكنها لم تتخيل قط أن تجد وثيقة حية ومباشرة ترتبط باسم رجل بحجم ونفوذ سليم الشافعي في قلب هذا الملف الخطر الذي وصلها عبر طرد مجهول قبل أيام. "هل كان أبي ضحية لمخطط أكبر منه.. أم كان شريكاً في هذا الفساد؟" همست مريم لنفسها بصوت خفيض تشوبه الغصة والحرقة. كانت الأسئلة تتقاطع في رأسها كالمخاريط المشتعلة، والتناقضات تعصر قلبها بين الذكرى الطيبة لوالدها النبيل الذي طالما زرع فيها قيم الحق والمبدأ، وبين الدلائل المادية الملموسة المطبوعة بالحبر الأسود على أوراق الملف الممدود أمامها. وفجأة، ودون أي تمهيد أو تحذير، انقطع التيار الكهربائي عن الشقة بأكملها وعن المبنى السكني. غرق المكان في ظلام دامس، كثيف، ومطبق. انطفأ الضوء البارد المنبعث من شاشة الحاسوب المحمول، وتوقف الطنين المنتظم والمألوف لجهاز التكييف. حلّ صمت مطلق وثقيل، خنق حتى صوت تنفسها المضطرب. تجمدت مريم في مكانها كصخرة صماء، وشعرت برودة مباغتة تسري في عمودها الفقري، بينما أخذ قلبها يخفق بشدة وتسارع شديدين ينبئان بحس صحفي وإنساني بخطر داهم يحيط بالمكان. مدت يدها بحذر تحسسي شديد عبر سطح المكتب حتى لامست هيكل هاتفها المحمول. سحبته بسرعة وفتحت إضاءة الفلاش الخفيفة، ممررة الشعاع الضئيل حول جدران الغرفة الأنيقة وألواح المكتبة. تخطت خطواتها السريعة والساكنة السجاد العجمي متجهة نحو الممر المؤدي للباب الرئيسي للشقة للتأكد من لوحة القاطع الكهربائي، لكنها توقفت فجأة واستقرت في مكانها كتمثال من رخام. من خلف الباب الخارجي المصفح للشقة، تسلل إليها صوت طقطقة معدنية خفيفة جداً ومكتومة.. صوت إبرة دقيقة وأدوات احترافية تتعامل بحذر مع التروس الداخلية لقفل الباب المتطور. لم يكن هناك من يقرع الباب بحس حضاري، أو ينادي باسمها من الخارج.. كان القفل يُخترق بمهارة، وهدوء، واحترافية عالية تشبه عمل الفرق الخاصة. تراجعت مريم إلى الخلف خطوة تلو الأخرى دون أن تصدر أقدامها أي صوت على الأرضية الخشبية. سحبت الملف الأسود من المكتب بكل ما أوتيت من قوة وإصرار، وضغطت عليه بصلابة ضد صدرها كأنه درعها الوحيد والخير في هذه الحياة، ثم دسته بسرعة ودقة داخل حقيبتها الجلدية الكبيرة. اتجهت بنعومة نحو الممر الخلفي المؤدي للغرفة الداخلية، محاولة استغلال معرفتها المسبقة والدقيقة بتفاصيل الشقة للتحرك في هذا الظلام المطبق. وقبل أن تطأ قدمها عتبة الغرفة الخلفية، دوت تكّة قاطعة وانفراج معدني، وفُتح الباب الرئيسي للشقة ببطء شديد وبصوت شبه معدوم. تسلل عبر الباب ظلان داكنان لرجلين طويلَي القامة، يرتديان أقنعة داكنة تغطي معالم وجهيهما وملابس تكتيكية سوداء لا تعكس أي ضوء. دخل الأول بخطوات محسوبة وموزونة، ومسدسه الأسود المزود بمكاتم الصوت الحديثة موجه للأمام نحو المساحة الفارغة، بينما وقف الثاني عند عتبة الباب لمراقبة الممر الخارجي وتأمين طريق التراجع. قال الأول بصوت خفيض، خشن، وبلهجة حاسمة لا تحتمل النقاش: "فتش المكتبة وغرفة المكتب فوراً.. الأوراق والملف يجب أن تكون في هذا المكان. السيدة لم تصعد إلى السطح ولم تغادر البناية وفقاً لتقارير المراقب المتوقف في الشارع الرئيسي." تسرب الرعب إلى أوصال مريم كالمصل المسموم، وشعرت بركبتيها تكادان تعجزان عن حملها، لكن غريزة البقاء الفطرية غلبت الخوف والتردد في تلك اللحظة الحرجة. كانت تعرف أن الشقة تضم منفذاً واحداً وأخيراً للطوارئ: باب زجاجي صغير يقع في الشرفة الخلفية للغرفة الداخلية، يؤدي لممر من السلالم الحديدية الخارجية المخصصة لعمال الصيانة وسلالم الحريق. تحركت ببطء شديد وأنفاس معلقة، وفتحت الباب الزجاجي للشرفة بحذر بالغ، حريصة على ألا يحدث مفصل الباب القديم أي صفير معدني قد يفضح وجودها. ولكن بمجرد أن وطأت قدمها أولى درجات السلم الحديدي البارد المبتل بقطرات ندى الليل، انزلقت إحدى أدوات المكتب الخشبية الصغيرة من على الحافة وسقطت على الأرض داخل الغرفة، لتصدر صوتاً ارتطامياً خفيفاً لكنه كان كافياً لإثارة الانتباه في ذلك الصمت. صرخ الرجل المسلح من الداخل بصوت حاد ونبرة غاضبة: "إنها في الشرفة الخلفية! انطلق خلفها فوراً ولا تدعها تفلت!" لم تعد هناك أي مساحة للتردد أو الحذر أو الخوف؛ قفزت مريم على الدرج الحديدي ونزلت مسرعة بصورة جنونية ومتهورة. كانت أصوات أقدام الملاحقين الثقيلة تدوي على الألواح الحديدية خلفها كالمطارق المتلاحقة، بينما الريح الباردة تصفع وجهها وتطير خصلات شعرها في كل الاتجاهات. كانت تنزل ثلاث درجات في كل قفزة، وحقيبتها الثقيلة المليئة بالوثائق تتخبط بحدة على جانبها. وصلت إلى الفناء الخلفي المظلم والمغلق للمبنى وهي تلهث بشدة، وأنفاسها تخرج كبخار أبيض في الهواء البارد لمنتصف الليل. كان الفناء يمتد عبر ممر ضيق يوصل نحو الشارع الفرعي، لكن عندما أوشكت على الخروج منه والوصول إلى الفراغ، أُضيئت فجأة أضواء كاشفة مبهرة لسيارة دفع رباعي سوداء عملاقة، كانت تقف بعرض الشارع الصغير لتغلق المخرج بالكامل وتمنع أي محاولة للفرار. أيقنت مريم في تلك اللحظة السوداء أنها حوصرت تماماً؛ خطوتان إلى الخلف والأعداء المسلحون ينزلون السلم الحديدي خلفها بأسلحتهم الموجهة، والشارع الأمامي مسدود برجال آخرين يتأهبون للإمساك بها. وفجأة، وبشكل دراماتيكي لم يخطر لها على بال أو في خيال، انفتح باب سيارة سيدان فاخرة سوداء كانت تتوقف في الممر الجانبي المظلم تحت ظلال الأشجار الكثيفة على بعد أمتار قليلة. امتدت يد قوية جداً، ذات معصم صلب وأصابع متناسقة، وسحبتها من يدها بأسلوب خاطف، مرن، وسريع للغاية نحو داخل المقعد الخلفي للسيارة. وقبل أن تستوعب مريم ما يحدث أو تطلق صرخة استغاثة تتردد في الحي، أُغلق الباب بقوة واستقر بجانبها ذلك الغريب، بينما داس السائق المحترف على دواسة البنزين بكل قوته، لتنطلق السيارة بسرعة جنونية متجاوزة سيارات الحصار، ومحدثة صفيراً مدوياً للإطارات على الأسفلت وهي تبتعد عن المكان وتغوص في ظلام الطرقات الفرعية في ثوانٍ معدودة. كانت أضواء الشوارع واللافتات التجارية تتراقص وتنعكس عبر زجاج السيارة المعتم للغاية. ساد الهدوء والهدوء الفاخر داخل المقصورة المبطنة بالجلد الطبيعي الداكن، وتصاعدت رائحة عطر رجالي راقٍ يحمل نوتات خشب الصندل والجلود الفاخرة ليتغلب على رائحة الخوف والدخان المكتومة. كانت مريم تستند بجسدها المنهك إلى المقعد الخلفي وهي تلتقط أنفاسها بجهد جبار، ويداها ما زالتا تحكمان القبضة بصلابة واستشراس على حقيبتها الجلدية كأنها حياتها ذاتها ووجودها في هذا العالم. التفتت بجانبها ببطء شديد وهي تمسح قطرات العرق البارد عن جبهتها لترى وجه الرجل الذي سحبها من براثن الموت والاحتجاز قبل لحظات. كان يجلس بكامل هدوئه، رزانته، وثباته الانفعالي الغريب. يرتدي بدلة داكنة التقصيص خالية من أي تجعد أو اختلال، وبدون ربطة عنق، مما أضفى عليه طابعاً من الهيبة العملية. كانت ملامحه حادة، قاسية، ونحوتة بعناية؛ فك بارز ومحدد بصلابة، وعينان داكنتان واسعتان كعينَي صقر جارح تتأملانها ببرود عميق وحذر شديد من خلف الظلمة الجزئية داخل السيارة الفاخرة. لم يكن هذا الشخص سوى الرجل الذي كانت أوراق ملفها الخطر تحمل اسمه وتوقيعه قبل دقائق معدودة من اقتحام شقتها. "سليم... سليم الشافعي؟" همست مريم بنبرة مبحوحة تقطعها اللهثات المتلاحقة، تجمع في ثناياها بين الصدمة المطلقة، الذهول، وعدم التصديق. التفت إليها سليم ببطء شديد، وشفتان مطبقتان في خط مستقيم وقاسٍ، ثم قال بصوت هادئ، رخيم، يمتلك نبرة نفوذ، ثقة، وتحذير لا تخطئها الأذن المجهزة: "لو كان هناك شخص واحد في هذه المدينة العريضة يتمنى هلاككِ أو محوكِ الليلة يا آنسة مريم.. فلن يكون سوى أولئك الرجال الأغبياء الذين يطاردونكِ في أزقة الزمالك. لذا، العفو على أية حال لأنني قاطعت جولتهم." استجمعت مريم شتات شجاعتها المتبقية في ذخيرتها النفسية، ورسخت نظراتها الثابتة والحادة في عمق عينيه على الرغم من اضطراب قلبها الشديد وخوفها المكتوم: "ما الذي تفعله هنا في هذا التوقيت بالتحديد؟ وكيف عرفت بمكاني والتوقيت الدقيق لاقتحام شقتي؟ هل أنت من أرسل أولئك المسلحين لاستعادة الملف بالقوة وإخفاء أدلتك؟" ابتسم سليم ابتسامة سخرية خفيفة وباردة، لم تطرق أبداً أبواب عينيه الداكنتين الحادتين. "لو كنت أريد أوراقي ومستنداتي المخزنة داخل حقيبتكِ الثقيلة هذه، لما كلّفت نفسي عناء إرسال هؤلاء الهواة ليحدثوا كل هذه الضوضاء والسيارات المجهزة في حي هادئ كحي الزمالك. الأوراق والوثائق التي تطوقينها ببدنكِ لحمايتها تشكل خطراً كبيراً عليكِ وعلى حياتكِ أكثر مما تشكل خطراً عليّ وعلى إمبراطوريتي." "هذه الأوراق تضم توقيع والدي وتوقيعك أنت بشخصك!" قطعت كلامه بنبرة حادة ارتفعت فوق صوت المحرك المنساب. "هذه التنازلات والصفقات المشبوهة التي تجري في الخفاء.. والدي مات بسببها وفي سبيل إخفائها، وأنا لن أسمح لك أو لغيرك بأن تدفن الحقيقة أو تشتري صمتي بأسلوبك هذا بـ..." قاطعها سليم بدوره، لكن ليس بالصراخ، بل بصوت خفيض للغاية ولكنه يحمل من الصرامة والحدّة ما جعل الهواء والتنفس داخل السيارة الفاخرة يتجمدان فوراً: "والدكِ الراحل مات لأنه وثق بأشخاص غادرين لم يكن يجدر به حتى مصافحتهم أو الوقوف معهم في غرفة واحدة. وإذا واصلتِ التصرف بهذه السطحية، والعاطفية، والانفعال الصحفي غير المحسوب، ستلحقين به وبأسراره قبل حلول صباح الغد." ساد صمت ثقيل، مخيف، وشديد الوطأة داخل السيارة، لا يقطعه سوى صوت المحرك المنتظم وهدير الأسفلت تحت الإطارات المسرعة التي كانت تتجه بيقين نحو أطراف المدينة الصحراوية المعزولة. كانت مريم تعيش في تلك اللحظات صراعاً نفسياً وعاطفياً طاحناً؛ فمن جهة، هذا الرجل الجالس بجوارها يمثل المتهم الأول والهدف الأساسي لتحقيقها الاستقصائي الذي سخرت له سنوات عمرها لترد الاعتبار والكرامة لوالدها الراحل، ومن جهة أخرى، كانت هناك هيبة طاغية، وجاذبية غامضة، وحضور قوي يحيط بكل حركة وسكنة من حركاته، تجعلها تشعر بتهديد مختلف تماماً.. تهديد لا يتعلق بسلامتها الجسدية المباشرة فحسب، بل بصلابة موقفها وقدرتها على الصمود أمامه. نظر سليم نحو النافذة الخارجية المعتمة متابعاً الأضواء المتلاشية للطريق السريع، وقال دون أن يلتفت إليها أو يغير جلسة جسمه: "أنتِ الآن تحت حمايتي الشخصية والكاملة. ليس حباً في صحبتكِ أو رغبة مني في إقحام نفسي في مشاكلكِ، بل لأن ما تعرفينه وما تحملينه من وثائق في هذه الحقيبة هو الخيط الأخير والوحيد الذي يمنع أعدائي وأعداء والدكِ الراحل من إتمام مخططهم القذر. نحن متجهون الآن إلى مكان آمن لا يصله أصحاب الحسابات المفتوحة." ردت مريم وهي تضع يدها بصلابة وإصرار على مقبض الباب الداخلي للسيارة: "أنا لا أثق بك، ولا بأي كلمة تخرج من فمك. دعني أنزل هنا فوراً وعلى هذا الطريق." أدار سليم وجهه إليها بالكامل ببطء، واقترب ببدنه وجسده ببطء شديد حتى أصبحت المسافة بين وجهيهما لا تتعدى سنتيمترات معدودة. استطاعت مريم في تلك اللحظة القريبة جداً أن تلمح بريقاً غامضاً وعميقاً في عينيه، مزيجاً عجيباً من الإصرار، القسوة، والحماية الخفية التي يحاول باستماتة تغليفها برداء سميك من الجمود والبرود المطلق. "تستطيعين فتح هذا الباب والنزول الآن إن أردتِ ذلك حقيقة"، قال سليم بصوت خفيض، هادئ، وقاطع كحد السيف على العنق. "ولكن بمجرد أن تطأ قدمكِ هذا الشارع المظلم والخالي، لن أكون مسؤولاً عن طريقة قتلكِ أو تصفيتكِ التي ستحدث خلال دقائق معدودة من قبل الرجال الذين يدورون خلفنا. الخيار لكِ كاملاً يا مريم دون أي ضغط: إما أن تطعني في نزاهتي ومقصدي وتواجهي الموت المحقق والبارد في الشارع، أو تبقي معي وتكتشفي الحقيقة كاملة من بؤرتها الأصلية." تسمرت نظرات مريم المتشابكة في عمق عينيه الداكنتين. كان هناك شيء نفاذ وصادق في نبرة صوته يحمل صدقاً مرعباً لا يمكن اصطناعه أو تمثيله بسهولة، برغم كل الشكوك التي تطوق اسمه في عقلها وقلبها. حبست أنفاسها لثوانٍ طويلة تحسب فيها خياراتها، ثم سحبت يدها ببطء وتردد عن مقبض الباب، واستندت بجسدها المنهك إلى المقعد وهي تنظر عبر النافذة نحو العتمة الممتدة المترامية. ابتسم سليم ابتسامة خفيفة، غير ملموسة، كادت لا تُرى على طرف شفتيه الحادتين، وأومأ برأسه للسائق بالإسراع وتجاوز السرعة المحددة. واصلت السيارة الفاخرة طريقها بثبات ونفوذ نحو أطراف المدينة الصحراوية والمجهول، في حين كُتبت في تلك الليلة المظلمة بداية حلف غير متوقع على الإطلاق بين قلبين تفصل بينهما أسرار الماضي المظلم وصراعاته، وتجمعهما مطاردة الحاضر المميتة ورغبة مشتركة في البقاء.الفصل الرابع: ظلال ما بعد العاصفة وبدايات الخيوط الخفيةبعد مرور أسبوعين كاملين على تلك الليلة الفاصلة التي اهتزت فيها أرجاء فندق الماس وسقط من خلالها الدكتور إبراهيم العلي خلف أسوار السجن ومواجهة العدالة الناجزة، كانت مدينة القاهرة تبدو وكأنها تنفض عن نفسها غبار كابوس طويل وثقيل. في ظاهر الأمر، عادت الشوارع إلى صخبها المعتاد، وتدفقت حركة المرور في الميادين الكبرى بلا هدن، لكن الجانب الخفي من الكواليس السياسية والاقتصادية كان يعيد ترتيب أوراقه بعناية شديدة وبصمت مطبق.أما في شقة الزمالك العريقة، فقد تحولت الغرفة العلوية ذات الطراز الكلاسيكي من مساحة مظلمة وموحشة يحاصرها الرعب وانقطاع التيار الكهربائي المفاجئ، إلى واحة دافئة ومستقرة يعمها السكون والسلام. لم تعد الأوراق والمستندات المخيفة تشكل خطراً يهدد الأرواح، بل أصبحت أرشيفاً تاريخياً ومثبتاً لصحيفة دعوى البراءة والإنصاف التي حصل عليها اسم والدها الراحل فؤاد عبد الرحمن بقرار رسمي أعاد له اعتباره وكرامته أمام الرأي العام والمؤسسات الصحفية الكبرى.في تلك الأمسية الهادئة، كانت مريم تجلس كعادتها خلف مكتبها الخشبي القديم. كان ضوء المص
الفصل الثالث: شمس الحقيقة كانت أنفاس مريم تتلاحق داخل الممر الخرساني الضيق الخفي المفضي إلى أقبية المزرعة الخلفية، بينما صدى الطلقات النارية والانفجارات المكتومة يتردد فوق رأسيهما كأنه زلزال يفتك بالجدران الحجرية. كانت يد سليم الشافعي تحيط بمعصمها بصلابة تمنحها ثباتاً أسطورياً وسط هذا الكابوس؛ قبضة رجل يعرف جغرافية الخطر كما يعرف خطوط كفه. "إلى أين نتجه؟" همست مريم بصوت مبحوح يحمل وطأة المجهول، ويدها الأخرى تضغط باستماتة على الحقيبة الجلدية التي باتت تحوي مصير اسم والدها. لم يلتفت سليم، بل واصل التقدم بخطوات سريعة ومحسوبة في العتمة التي تنيرها مصابيح الطوارئ الخافقة: "الجراج المصفح أسفل المزرعة يمتلك منفذاً أرضياً يخرج بنا إلى الطريق الزراعي القديم. حراسي في الأعلى يخوضون معركة تعطيل، والهدف ليس القتال حتى النهاية، بل كسب تسع دقائق كاملة تكفي لخروجنا بعيداً عن هذا الطوق." وصل بهما الممر إلى باب فولاذي ثقيل، أزاح سليم مقبضه الميكانيكي بسرعة وأدخل مريم أمامه إلى ساحة الجراج المظلمة. كانت تقف هناك سيارة رياضية سوداء مطفأة الأضواء، يعمل محركها بهدير خفيض يشبه زئير أسد يستعد لل
الفصل الثاني: ملاذ الأسراركانت السيارة المصفحة تنساب بحذر وثبات على الطريق الصحراوي الممتد نحو أطراف العاصمة، حيث تلتهم العتمة أضواء القاهرة التدريجية لتستبدل بها ظلال التلال الرملية والشجيرات الجافة. داخل المقصورة المغلقة، ساد صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، لا يقطعه سوى أنفاس مريم المنتظمة بعد أن بدأت استجابات جسدها للرعب تهدأ شيئاً فشيئاً، وهدير المحرك القوي الذي يدفع المركبة عبر الطرقات الفرعية المظلمة.جلس سليم الشافعي بجوارها مسنداً رأسه إلى الخلف، وعيناه المغلقتان باسترخاء مدروس لا تعكسان أي أثر لتوتّر أو إرهاق. كان يمثل كتلة من الثبات والانضباط الذي يستحيل اختراقه؛ رجل يعيش في قلب الأزمات اليومية ويكتب قواعد اللعبة بنفسه. أما مريم، فكانت عيناها تترصدان كل حركة صغيرة في قسمات وجهه الحادة، بينما يداها المتيبستان ترفضان التخلي عن الحقيبة الجلدية التي تطوقها كدرع متين."إلى أين نذهب؟" قطعت مريم الصمت أخيراً بنبرة متماسكة حرصت أن تخلو من أثر الخوف.لم يفتح سليم عينيه فوراً، بل تمهل لثوانٍ معدودة وكأنه يزن كل كلمة قبل نطقها، ثم أدار رأسه ببطء نحوها وقال: "إلى مكان لا ي
الفصل الأول: هامش على دفتر الخوفكان الليل يلقي بسدوله الثقيلة والمظلمة على أزقة القاهرة المترامية الأطراف، ويتراجع صخب المدينة اليومي تدريجياً ليفسح المجال لسكون ثقيل يربض فوق الشوارع كأنه كائن حي يتنفس الصمت. في حي الزمالك العريق، وتحديداً في الغرفة العلوية لتلك البناية ذات الطراز المعماري الكلاسيكي القديم، كان الصمت هو السيد المطلق والوحيد للمكان. في زاوية الغرفة المظلمة، كانت عقارب الساعة الجدارية الإيطالية المصنوعة من الخشب الأبنوسي الداكن تحثّ الخطى بنبرات ميكانيكية رتيبة، كأنها دقات قلب متعب ومجهد ينتظر قدوم فاجعة لا مناص منها ولا مفر من مواجهتها. وعندما تلاقت العقارب ببطء عند رأس الساعة لتعلن عن حلول منتصف الليل، انطلق منها صوت دقة جافة واحدة، مزقت سكون المكان المخيف وتركت صداتها تتردد ببطء بين الجدران العالية المرتفعة.في تلك البقعة المعزولة والنائية من الشقة، كانت "مريم" تجلس خلف مكتبها الخشبي المتهالك الذي تحفّه رفوف مكتبة ضخمة مليئة بالكتب والمجلدات القانونية والصحفية. كان ضوء شاشة الحاسوب المحمول ينبعث بارداً وباهتاً، ينعكس على لوح الزجاج الممتد أمامها والمطل على الشار







