Compartir

ملاذ الأسرار

last update Fecha de publicación: 2026-10-08 01:35:16

​الفصل الثاني: ملاذ الأسرار

​كانت السيارة المصفحة تنساب بحذر وثبات على الطريق الصحراوي الممتد نحو أطراف العاصمة، حيث تلتهم العتمة أضواء القاهرة التدريجية لتستبدل بها ظلال التلال الرملية والشجيرات الجافة. داخل المقصورة المغلقة، ساد صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، لا يقطعه سوى أنفاس مريم المنتظمة بعد أن بدأت استجابات جسدها للرعب تهدأ شيئاً فشيئاً، وهدير المحرك القوي الذي يدفع المركبة عبر الطرقات الفرعية المظلمة.

​جلس سليم الشافعي بجوارها مسنداً رأسه إلى الخلف، وعيناه المغلقتان باسترخاء مدروس لا تعكسان أي أثر لتوتّر أو إرهاق. كان يمثل كتلة من الثبات والانضباط الذي يستحيل اختراقه؛ رجل يعيش في قلب الأزمات اليومية ويكتب قواعد اللعبة بنفسه. أما مريم، فكانت عيناها تترصدان كل حركة صغيرة في قسمات وجهه الحادة، بينما يداها المتيبستان ترفضان التخلي عن الحقيبة الجلدية التي تطوقها كدرع متين.

​"إلى أين نذهب؟" قطعت مريم الصمت أخيراً بنبرة متماسكة حرصت أن تخلو من أثر الخوف.

​لم يفتح سليم عينيه فوراً، بل تمهل لثوانٍ معدودة وكأنه يزن كل كلمة قبل نطقها، ثم أدار رأسه ببطء نحوها وقال: "إلى مكان لا يدخله إلا من أسمح له بالدخول، ولا يخرج منه أحد دون معرفتي.. إلى المزرعة الخاصة على طريق الإسماعيلية."

​"مزرعة؟" تساءلت مريم بريبة، وارتفعت حجباها باستنكار. "أنا صحفية يا سيد سليم، ولست سجينة لديك. لدي عمل، ولديك أسئلة كثيرة يتوجب عليك الإجابة عنها بشأن الشيكات والوثائق الموجودة بحوزتي. أطالبك بإيصالي إلى قسم الشرطة أو أي مكان عام."

​فتح سليم عينيه بالكامل، وانعكس بريق بارد في حدقتيه الداكنتين وهو ينظر إليها بنظرة تتسم بالمزيج بين الشفقة والسخرية الراقية. "قسم الشرطة؟" كرر كلمتها بنبرة تهكمية خفيفة. "هل تعتقدين بحق أن الرجال الذين اقتحموا شقتكِ الليلة بمكاتم الصوت والتجهيزات التكتيكية سيتوقفون عند أبواب قسم الشرطة؟ إن الشخص الذي ينظم هذه الملاحقة يمتلك نفوذاً يتيح له التلاعب بالبلاغات الرسمية وتحويلكِ من مجني عليها إلى متهمة في قضية تسريب مستندات سيادية خلال ساعات قليلة."

​اصطدمت كلماته بوعيها كجدار من الخرسانة. كانت تعرف في قرارة نفسها أن كلامه يحمل منطقاً سديداً مرعباً؛ فالقوة التي تحرك الأحداث في الخفاء ليست قوة مجرمين عاديين، بل شبكة نفوذ منظمة تتجاوز الحدود التقليدية للقانون.

​تابع سليم بصوت خفيض ونبرة صارمة: "إذا أردتِ البقاء على قيد الحياة حتى مطلع الفجر لتعرفي الحقيقة التي مات والدكِ دون إعلانها، فستأتين معي دون اعتراض. الأوراق التي تحملينها ليست مجرد صفقات تجارية مشبوهة كما يتراءى لعينيكِ؛ بل هي مفتاح لعملية تجريد منظمة لأصول وممتلكات استراتيجية."

​"وعين والدك كانت في قلب تلك العملية، أليس كذلك؟" اتهمته مريم بصراحة وجرأة، وانحنت بجسدها قليلاً نحوه. "توقيع والدي مكتوب بجوار توقيعك. لقد استخدمتم اسم والدي وخبرته المالية كواجهة قانونية لتغطية تلك الصفقات، وعندما انتهى دوره أو حاول الحديث... تخلصتم منه!"

​شعرت مريم ببرودة تصدر من اتجاه سليم حين جمدت ملامحه تماماً. اقترب منها ببطء، وتوقفت أضواء الممر الجانبي المارة على جبهته العريضة، ليقول بصوت كأنه فحيح أفعى حذرة: "أنصتي إليّ جيداً يا مريم.. لو كنت أنا من أراد تصفية والدكِ، لما احتجت إلى تدبير حادث سير على الطريق الصحراوي. سليم الشافعي عندما يحارب خصومه، يحاربهم في العلن ويدمرهم في البورصة وفي ساحات القضاء والمجالس المغلقة. فؤاد عبد الرحمن كان صديقاً ورجلاً امتلك من النزاهة ما جعله يرفض التوقيع على النسخة النهائية لهذه الوثائق."

​"لكن توقيعه موجود على الصفحة الأخيرة!" هتفت مريم بتحدٍ.

​"توقيع مزور باحترافية عالية"، قال سليم بثبات قاطع. "أو تم الحصول عليه تحت تهديد مباشر يمسكِ أنتِ شخصياً قبل عامين. وهناك من يحتفظ بالنسخة الأصلية لابتزازي بها قبل ابتزاز أي طرف آخر."

​ساد الصمت مجدداً داخل السيارة، لكن هذه المرة كان صمتاً ملغوماً بالأفكار والتناقضات. تراجعت مريم إلى الخلف واستندت على المقعد، وشعرت برأسها يكاد ينفجر من حجم المعلومات والشبهات. هل يعقل أن يكون سليم الشافعي خاضعاً للابتزاز؟ هذا الرجل الذي تهابه الأسواق وتخشاه المؤسسات، يتحدث عن أعداء يهددون وجوده؟ أم أن هذه مجرد مناورة حذقة منه لاستدراجها وكسب ثقتها حتى يستولي على الملف ويمزقه أمام عينيها؟

​بعد أربعين دقيقة من السير المتواصل على طريق فرعي غير ممهد، انحرفت السيارة نحو بوابة حديدية ضخمة تحيط بها أسوار عالية يعلوها سلك شائك وكاميرات مراقبة حديثة تحركت برصد آلي فور اقتراب المركبة. انفتحت البوابة الكهربائية ببطء وبصوت ميكانيكي مكتوم، لتدخل السيارة إلى ممر ممهد تحفه أشجار الزيتون والنخيل من الجانبين.

​كانت المزرعة تشبه حصناً معزولاً عن العالم. بناية كلاسيكية ذات طابقين، تتسم بالبساطة الفارهة والتصميم الذي يمزج بين الحجر الطبيعي والزجاج المصفح. توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي، وسارع السائق بفتح الباب الخلفي.

​نزل سليم بخطوات هادئة ورزينة، ووقف ينتظر مريم التي ترجلت بحذر، وهي تستكشف المكان بعينيها المتوجستين. كان هناك رجال حراسة يرتدون ملابس مدنية داكنة يقفون في نقاط استراتيجية حول المبنى، ويتواصلون عبر أجهزة أذن لاسلكية بلهجة مقتضبة.

​"تفضلي"، أشار سليم بيده نحو الباب الرئيسي المفتوح. "هنا يمكنكِ التنفس بأمان مؤقتاً."

​دخلت مريم خلفه إلى البهو الرئيسي الفسيح. كان المكان مفروشاً بسجاد دافئ وأثاث خشبي راقٍ، وتنتشر على جدرانه لوحات زيتية قديمة تحت إضاءات خافتة تمنح المكان طابعاً من الهيبة والوقار. قادها سليم نحو غرفة مكتب ضخمة في نهاية الممر، تحوي طاولة اجتماعات خشبية ورفوفاً مليئة بالمجلدات والخرائط الاستثمارية.

​جلس سليم خلف مكتبه العريض وأشار لها بالجلوس على المقعد المقابل. وضع يديه المتقاطعتين على سطح المكتب وقال بصوت جاد: "الآن يا آنسة مريم.. أخرجي الملف الأسود وضعي الوثائق أمامي."

​قبضت مريم على الحقيبة بقوة أكبر، وقالت بثبات: "لن أفرط في هذا الملف بسهولة. هذه أدلتي الوحيدة للتأكد من براءة أبي وتحديد المسؤول عن مقتله."

​تنهد سليم بصبر نافد، ثم مال بجسده إلى الأمام: "أنا لا أطلب منكِ التخلي عنه، بل فحص المستندات معاً. أنتِ صحفية وتجيدين قراءة الشبهات، لكنني رجل أعمال وخبير في الهندسة المالية وقادر على فك الشفرات والرموز المصرفية المكتوبة بين السطور. الأوراق التي بحوزتكِ تحتوي على أرقام حسابات وهمية في ملاذات ضريبية آمنة، وأنا الوحيد الذي يمتلك خريطة هذه الحسابات في الشرق الأوسط."

​ترددت مريم لثوانٍ. كان حدسها الصحفي يحثها على الحذر، لكن العقل والمنطق فرضا حكماً آخر؛ فهي بالفعل لا تفهم جميع الرموز المصرفية المعقدة المدونة في السجلات الملحقة بالملف. سحبت السحاب الخارجي للحقيبة ببطء، وأخرجت الملف الجلدي الأسود، ثم وضعته على سطح المكتب الخشبي الممتد بينهما، دون أن تبعد يدها عنه تماماً.

​سحب سليم الملف بنعومة ودون استعجال. فتح الغلاف الأسود المطفأ، وأخذ يقلب الصفحات بعناية فائقة. كانت نظراته تتفحص كل شيك وكل ختم بدقة متناهية، وتحولت ملامحه الهادئة تدريجياً إلى خطوط حادة قاسية تشي بغضب مكتوم وذهول حقيقي.

​عندما وصل إلى الصفحة الأخيرة التي تحتوي على وثيقة التنازل الرسمية والتوقيعين المشتركين، توقفت حركة أصابعه. مرر إبهامه على الملمس المطبوع للتوقيع، ثم رفعه نحو الضوء الخافت للبؤرة الضوئية للغرفة.

​"ما الأمر؟ هل تأكدت من تورطك؟" سألت مريم بنبرة تخفي اضطرابها.

​رفع سليم عينيه إليها، وكان البرق الذي يلمع فيهما حاداً كالمشرط. "التوقيع الخاص بوالدكِ كُتب بحبر يحتوي على نسبة عالية من الرصاص المقطعي، وهو نوع قديم من الحبر كان يُستخدم في وثائق العقارات في التسعينيات. هذا يعني أن الورقة أُخذت من وثيقة بيع قديمة جداً وتم نسخ النص الحديث عليها باستخدام تقنية الطباعة الحرارية المتقدمة."

​ثم أشار بأصبعه إلى التوقيع المنسوب إليه: "أما توقيعي أنا... فهو صحيح 100%."

​شخصت مريم عينيها في دهشة: "ماذا؟ تعترف بأن التوقيع توقيعك؟"

​"نعم، توقيعي"، أجاب سليم بصلابة. "ولكن هذه الوثيقة لم تكن وثيقة تنازل عن أراضٍ كما تتخيلين. هذه كانت جزءاً من اتفاقية شراكة استراتيجية سرية بيني وبين وزارة المالية قبل ثلاث سنوات لتأسيس صندوق استثماري محلي لحماية الأصول الوطنية من الاستحواذ الأجنبي. أحدهم قام بقص الصفحة الأخيرة من الاتفاقية الرسمية وشفر نصوصها، وركب عليها هذا النص المزيف الذي يتحدث عن بيع الأراضي لصالح شركة وهمية مسجلة في جزر العذراء البريطانية."

​وقفت مريم من مقعدها بارتباك، واقتربت من الطاولة وهي تنظر إلى الأوراق: "ومن يمتلك القدرة والجريمة على التلاعب باتفاقية حكومية سرية وإعادة تركيبها بهذه الاحترافية ليورطك ويورط والدي؟"

​"شخص واحد فقط"، قال سليم وهو يغلق الملف بحدة وصوت جاف. "شخص كان يشغل منصب النائب لرئيس مجلس إدارة الصندوق والاستشاري القانوني الأول لوالدكِ قبل وفاته.. الدكتور إبراهيم العلي."

​نزلت الكلمة على مريم كالصاعقة. إبراهيم العلي لم يكن مجرد استشاري قانوني؛ بل كان صديقاً مقرباً لأسرتها، والشخص الذي وقف بجانبها أثناء تقبل العزاء في والدها، وكان يتردد على منزلهم بانتظام ليقدم لها الدعم والنصائح القانونية بشأن تركة والدها!

​"هذا مستحيل..." هتفت مريم بصوت متقطع. "عمي إبراهيم؟ إنه هو من نصحني بالابتعاد عن فتح تحقيق في حادث والدك، وقال لي إن القضايا المالية شائكة وقد تضر بسمعة أبي الراحل!"

​ابتسم سليم ابتسامة كئيبة ومملوءة بالحسرة: "بالطبع كان ينصحكِ بذلك. كان يريد أن يضمن دفن هذا الملف ومعه كل الأسرار. إبراهيم العلي يعمل لحساب تكتل دولي للاستحواذ على الأصول في الشرق الأوسط. وكان بحاجة إلى توقيع والدك لتغطية الثغرة القانونية، وعندما اكتشف والدكِ حقيقة المخطط ورفض التمرير، كان يتوجب إزاحته من الطريق فوراً وتزوير أدلتهم."

​انهارت مريم على مقعدها مجدداً، وشعر بدوار خفيف يهاجم رأسها. الشخص الذي كانت تثق به طوال عامين وتعتبره السند الأخير لها في الحياة، كان هو العقل المدبر وراء المأساة التي دمرت أسرتها وأنهت حياة والدها.

​اقترب سليم منها، ووقف بجانب مقعدها. انحنى قليلاً متحدثاً بصوت يحمل دفئاً خفياً وإصراراً: "أعرف أن الحقيقة صدمتكِ وقاسية يا مريم. لكن لا وقت لدينا للانهيار. إبراهيم العلي يعلم الآن أنكِ حصلتِ على الملف الأسود عبر ذلك الطرد، وهو من أرسل رجاله الليلة لتصفيتكِ واستعادة الأوراق قبل أن تصلي إليّ."

​رفعت مريم رأسها ونظرت في عينيه المليئتين بالتحدي والقوة. "وكيف وصل هذا الملف إليّ بالأساس؟ من أرسل الطرد المجهول لمكتبي؟"

​"والدكِ"، قال سليم بيقين قاطع. "قبل الحادث بيومين، قام فؤاد عبد الرحمن بإيداع هذا الملف في صندوق أمانات مغلق في أحد البنوك، ووضع تعليمات صارمة بإرساله إلى عنوانكِ البريدي الخاص بعد مرور عامين على وفاته، إذا لم يقم هو بنفسه بتجديد الوديعة. كان يعرف أن موته محتمل، وأراد أن تصلكِ الحقيقة عندما تكونين ناضجة صحفياً وقادرة على المواجهة."

​انسكبت دمعة حارة واحدة من عين مريم المجهدة، وسقطت على حافة الحقيبة الجلدية. كان والدها يحميها حتى وهو تحت التراب، تاركاً لها شعلة الحقيقة لتضيء بها العتمة التي غلفت اسمه.

​"ماذا سنفعل الآن؟" سألت مريم وهي تمسح دمعتها بعزم جديد وتستعيد رباطة جأشها الصحفية.

​نظر سليم نحو نافذة المكتب المطلة على حديقة المزرعة المظلمة، ثم التفت إليها بملامح حازمة كالسيف: "سنقلب الطاولة على الجميع. إبراهيم العلي سيعقد مؤتمراً صحفياً كبيراً مساء الغد في أحد الفنادق الكبرى لإعلان اندماج مجموعته العقارية مع المستثمرين الأجانب لتنفيذ المخطط الأخير. سنحضر هذا المؤتمر معاً، لكن ليس كضيوف، بل كقضاة."

​"كيف؟" سألت بشغف المظلوم المشتاق للعدالة.

​"ستقومين بنشر التحقيق الاستقصائي كاملاً على منصتكِ الصحفية المستقلة في نفس لحظة دخولنا القاعة، وسأقوم أنا بتقديم الوثائق البنكية الأصلية والأدلة الرقمية التي تدينه للجهات القضائية الحاضرة في المؤتمر. سنواجهه بالحقيقة أمام كاميرات العالم."

​تطلعت مريم إلى سليم الشافعي برؤية جديدة ومختلفة تماماً. لم تعد تراه ذلك الرجل المستبد أو الغامض الذي يحرك خيوط الفساد في الخفاء، بل رأت فيه حليفاً صلباً يتشارك معها في الرغبة ذاتها للثأر للحق والعدالة، رجل يواجه أعداءه بصدر مكشوف ويحمي من يلوذ به بصلابة.

​فجأة، انطلق صوت صفير حاد من هاتف سليم الموضوع على المكتب. سحبه بسرعة وفتح الشاشة، لتظهر عليها شفرات تحذيرية حمراء من نظام المراقبة الخارجي للمزرعة.

​تجمّدت ملامح سليم، واستدار نحو مريم بسرعة وحزم: "لقد تتبعوا إشارة الشريحة الإلكترونية المدمجة في غلاف الملف الأسود.. هم عند البوابة الخارجية الآن!"

​فُزعت مريم ووقفت متأثرة بالصدمة: "ماذا؟ كيف؟"

​"العلي لم يترك شيئاً للصدفة"، قال سليم وهو يسحب مسدسه الشخصي الأنيق من درج المكتب ويتحقق من مشط الذخيرة بمهارة فائقة. "أغلقوا نظام الاتصالات اللاسلكية. نحن محاصرون داخل المزرعة."

​دوى صوت انفجار خفيف عند البوابة الخارجية، تلاه إطلاق نار مكتوم بين حراس المزرعة والمهاجمين المجهولين. تناثرت صداه الحاد عبر أشجار الزيتون في الظلام الممتد.

​أمسك سليم بكتفي مريم وقربها منه بصرامة: "استمعي إليّ جيداً. لا تتركي هذه الحقيبة مهما حدث. سنخرج من الممر السري المؤدي للجراج الخلفي. هل تتذكرين ما قلتُه لكِ في السيارة؟"

​تسمرت نظرات مريم في عينيه الحادتين، وهزت رأسها بنعم دون أن تنطق.

​"قلتُ لكِ إنكِ في حمايتي"، قال سليم بنبرة رخيمة ثاقبة أبعثت في روحها الشجاعة والأمل. "وأنا رجل لا يخلف وعده أبداً.. هيا بنا!"

​أخذ بيدها بقوة وسحبها نحو الممر الخلفي الخفي للمكتب، بينما تعالت أصوات الرصاص والاشتباكات في الحديقة الخارجية للمزرعة، لتشعل ليلة جديدة من صراع الموت والحقيقة.

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • ​شمس تشرق من تحت الرماد   ظلال ما بعد العاصفة

    الفصل الرابع: ظلال ما بعد العاصفة وبدايات الخيوط الخفية​بعد مرور أسبوعين كاملين على تلك الليلة الفاصلة التي اهتزت فيها أرجاء فندق الماس وسقط من خلالها الدكتور إبراهيم العلي خلف أسوار السجن ومواجهة العدالة الناجزة، كانت مدينة القاهرة تبدو وكأنها تنفض عن نفسها غبار كابوس طويل وثقيل. في ظاهر الأمر، عادت الشوارع إلى صخبها المعتاد، وتدفقت حركة المرور في الميادين الكبرى بلا هدن، لكن الجانب الخفي من الكواليس السياسية والاقتصادية كان يعيد ترتيب أوراقه بعناية شديدة وبصمت مطبق.​أما في شقة الزمالك العريقة، فقد تحولت الغرفة العلوية ذات الطراز الكلاسيكي من مساحة مظلمة وموحشة يحاصرها الرعب وانقطاع التيار الكهربائي المفاجئ، إلى واحة دافئة ومستقرة يعمها السكون والسلام. لم تعد الأوراق والمستندات المخيفة تشكل خطراً يهدد الأرواح، بل أصبحت أرشيفاً تاريخياً ومثبتاً لصحيفة دعوى البراءة والإنصاف التي حصل عليها اسم والدها الراحل فؤاد عبد الرحمن بقرار رسمي أعاد له اعتباره وكرامته أمام الرأي العام والمؤسسات الصحفية الكبرى.​في تلك الأمسية الهادئة، كانت مريم تجلس كعادتها خلف مكتبها الخشبي القديم. كان ضوء المص

  • ​شمس تشرق من تحت الرماد   شمس الحقيقة

    ​الفصل الثالث: شمس الحقيقة ​كانت أنفاس مريم تتلاحق داخل الممر الخرساني الضيق الخفي المفضي إلى أقبية المزرعة الخلفية، بينما صدى الطلقات النارية والانفجارات المكتومة يتردد فوق رأسيهما كأنه زلزال يفتك بالجدران الحجرية. كانت يد سليم الشافعي تحيط بمعصمها بصلابة تمنحها ثباتاً أسطورياً وسط هذا الكابوس؛ قبضة رجل يعرف جغرافية الخطر كما يعرف خطوط كفه. ​"إلى أين نتجه؟" همست مريم بصوت مبحوح يحمل وطأة المجهول، ويدها الأخرى تضغط باستماتة على الحقيبة الجلدية التي باتت تحوي مصير اسم والدها. ​لم يلتفت سليم، بل واصل التقدم بخطوات سريعة ومحسوبة في العتمة التي تنيرها مصابيح الطوارئ الخافقة: "الجراج المصفح أسفل المزرعة يمتلك منفذاً أرضياً يخرج بنا إلى الطريق الزراعي القديم. حراسي في الأعلى يخوضون معركة تعطيل، والهدف ليس القتال حتى النهاية، بل كسب تسع دقائق كاملة تكفي لخروجنا بعيداً عن هذا الطوق." ​وصل بهما الممر إلى باب فولاذي ثقيل، أزاح سليم مقبضه الميكانيكي بسرعة وأدخل مريم أمامه إلى ساحة الجراج المظلمة. كانت تقف هناك سيارة رياضية سوداء مطفأة الأضواء، يعمل محركها بهدير خفيض يشبه زئير أسد يستعد لل

  • ​شمس تشرق من تحت الرماد   ملاذ الأسرار

    ​الفصل الثاني: ملاذ الأسرار​كانت السيارة المصفحة تنساب بحذر وثبات على الطريق الصحراوي الممتد نحو أطراف العاصمة، حيث تلتهم العتمة أضواء القاهرة التدريجية لتستبدل بها ظلال التلال الرملية والشجيرات الجافة. داخل المقصورة المغلقة، ساد صمت ثقيل يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة، لا يقطعه سوى أنفاس مريم المنتظمة بعد أن بدأت استجابات جسدها للرعب تهدأ شيئاً فشيئاً، وهدير المحرك القوي الذي يدفع المركبة عبر الطرقات الفرعية المظلمة.​جلس سليم الشافعي بجوارها مسنداً رأسه إلى الخلف، وعيناه المغلقتان باسترخاء مدروس لا تعكسان أي أثر لتوتّر أو إرهاق. كان يمثل كتلة من الثبات والانضباط الذي يستحيل اختراقه؛ رجل يعيش في قلب الأزمات اليومية ويكتب قواعد اللعبة بنفسه. أما مريم، فكانت عيناها تترصدان كل حركة صغيرة في قسمات وجهه الحادة، بينما يداها المتيبستان ترفضان التخلي عن الحقيبة الجلدية التي تطوقها كدرع متين.​"إلى أين نذهب؟" قطعت مريم الصمت أخيراً بنبرة متماسكة حرصت أن تخلو من أثر الخوف.​لم يفتح سليم عينيه فوراً، بل تمهل لثوانٍ معدودة وكأنه يزن كل كلمة قبل نطقها، ثم أدار رأسه ببطء نحوها وقال: "إلى مكان لا ي

  • ​شمس تشرق من تحت الرماد   هامش علي دفتر الخوف

    ​الفصل الأول: هامش على دفتر الخوف​كان الليل يلقي بسدوله الثقيلة والمظلمة على أزقة القاهرة المترامية الأطراف، ويتراجع صخب المدينة اليومي تدريجياً ليفسح المجال لسكون ثقيل يربض فوق الشوارع كأنه كائن حي يتنفس الصمت. في حي الزمالك العريق، وتحديداً في الغرفة العلوية لتلك البناية ذات الطراز المعماري الكلاسيكي القديم، كان الصمت هو السيد المطلق والوحيد للمكان. في زاوية الغرفة المظلمة، كانت عقارب الساعة الجدارية الإيطالية المصنوعة من الخشب الأبنوسي الداكن تحثّ الخطى بنبرات ميكانيكية رتيبة، كأنها دقات قلب متعب ومجهد ينتظر قدوم فاجعة لا مناص منها ولا مفر من مواجهتها. وعندما تلاقت العقارب ببطء عند رأس الساعة لتعلن عن حلول منتصف الليل، انطلق منها صوت دقة جافة واحدة، مزقت سكون المكان المخيف وتركت صداتها تتردد ببطء بين الجدران العالية المرتفعة.​في تلك البقعة المعزولة والنائية من الشقة، كانت "مريم" تجلس خلف مكتبها الخشبي المتهالك الذي تحفّه رفوف مكتبة ضخمة مليئة بالكتب والمجلدات القانونية والصحفية. كان ضوء شاشة الحاسوب المحمول ينبعث بارداً وباهتاً، ينعكس على لوح الزجاج الممتد أمامها والمطل على الشار

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status