All Chapters of الأسرار الأخيرة: Chapter 11 - Chapter 20

20 Chapters

الاسم الخامس عشر

أغلقت هالة قفل الباب وأسندت ظهرها إليه، ثم وضعت المسدس على الطاولة كما يوضع شيء ثقيل لا يخصها. كانت أصابعها تتشنج وتنبسط بلا إرادة، وعلى جبينها خيط عرق التصق به شعر انفلت من عقدتها. في الخارج ارتفع وقع أقدام وصرخات بعيدة، ثم خبا كأن المبنى يبتلعه.«الاسم الخامس عشر.» قال زياد بصوت هادئ يخفي ما تحته. «لن أسأل مرتين.»«ليس لدينا وقت لهذا.»«لدينا ساعتان، وقد بددتِ منهما دقائق في المراوغة.» أدار الحاسوب نحوها. «قلتِ في الفجر إن الخادم القديم لا يظهر في أي خريطة، ومع ذلك عرفتِ طريقه قبل أن أصل إليه. من أين؟»أطرقت وحدّقت في خشب الطاولة كأنها تقرأ عليه اعترافاً مكتوباً. ثم رفعت رأسها دفعة واحدة. «من كمال. منذ سنتين وهو يعطيني ما أحتاج إليه، وأعطيه ما يطلب.»«وماذا يطلب؟»«أين تذهب، ومع من تتحدث، وماذا تحمل في حاسوبك.» خرجت منها ضحكة جافة قصيرة. «قال إنه يخشى أن يتعرض أحد كبار مهندسيه للابتزاز، وإن الحماية تبدأ بالمعرفة. صدّقته، لأن أخي ياسر كان يغسل كليتيه ثلاث مرات في الأسبوع، ودوره في قائمة الزراعة يتأخر بلا سبب، حتى نطق كمال بكلمة واحدة فصار الموعد بعد شهرين. ليلتها بكيت من الامتنان في
last updateLast Updated : 2026-11-03
Read more

باب التحميل

«منصة التحميل في القبو الثاني.» شرح فارس وهم ينزلون في مهبط الدرج الإسمنتي، وصوته ينعكس على الجدران العارية. «ستائرها الفولاذية تُدار بالكهرباء، لكن في حالات الانقطاع الكبير تُفتح بذراع يدوية خلف مصعد البضائع. رأيت عمال الصيانة يستعملونها في تمرين الطوارئ قبل ثلاث سنوات.»«وهل يعرف محمود بها؟» سأل زياد.«لا أحد يعرف بها، لأنها لا تُذكر في أي دليل.»أمسكت هالة بالمسدس بيد وبالدرابزين بالأخرى، ولم تنظر إلى زياد. وبعد طابقين همست: «لم تضربني.»«ليس لأنني لم أرغب.»«أعرف. وأنا أفضّل لو فعلت.» رأى فكّها يرتجف، فلم يعرف ماذا يقول، وأسرع الخطى.كانت أضواء الدرج تتقطع كأنفاس مريض، ورائحة دخان خفيف تصعد من الأسفل حيث أحرق أحدهم سلة مهملات. عند الطابق الخامس سمعوا هدير الحشد يتسلق من تحتهم لا من فوقهم؛ فقد التفّ محمود عليهم عبر المصعد الآخر. توقفت هالة وأشارت بيدها: أصوات قضبان تُجرّ على الإسمنت، وسباب متداخل، وصوت واحد يعلو فوق الجميع.«هناك!» صاح محمود حين لمحهم على الدرجات العليا. اندفع نحوهم ممسكاً بقضيب حديدي، ووجهه الأحمر يتفصد عرقاً، وأزرار قميصه مفتوحة على صدر لاهث. «ثلاثتهم! امسكوهم!»
last updateLast Updated : 2026-11-03
Read more

المدينة المكشوفة

اخترقت الدراجة شارع الكورنيش بسرعة ترتجف لها عظام زياد. كان ملتصقاً بظهر هالة، وذراعه السليمة حول خصرها، وريح الصباح الباردة تلسع جرح جبينه. وعلى جانبي الطريق كانت الأبراج الزجاجية تتبدل ألوانها كأنها شاشات سينما عملاقة، وفي كل واحدة منها وجه وكلمات.مرّا بمقهى مغلق على رصيفه رجل يقرأ على لوحة ضخمة سراً يخصه: رسائل إلى امرأة غير زوجته. لم يكن يحاول الهرب. جلس على كرسي بلاستيكي وأسند رأسه إلى الجدار كأنه ينتظر حكماً. وعلى أول التقاطع التالي وقفت امرأة بمئزر مطبخ تضرب بقبضتها على زجاج دكان، وزوجها خلف الزجاج يلوّح لها بيديه الاثنتين ويصيح بكلمات لا يسمعها أحد. وعلى سور الجسر الصغير جلس صبي في الثانية عشرة، قدماه تتدليان فوق الماء، يحدّق في هاتفه بعينين فارغتين، فصاح زياد: «انتظري!»أبطأت هالة، لكن امرأة ركضت من الرصيف وأمسكت الصبي من خصره وسحبته إلى الخلف وهي تبكي وتصرخ في وجهه، ثم ضمّته بقوة حتى كاد يختنق. تنفس زياد بعمق ولم يستطع أن يلتفت إلى الوراء.«هذا ليس جنوناً.» همست هالة، ولم يسمعها إلا لأنها أسندت خوذتها إلى كتفه. «هذا رعب مرتب.»عند إشارة مرور معطلة اعترضهما رجل بدراجة بخارية
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

رنا

أخذته رنا من ساعده إلى ركن بعيد خلف أكوام الأغطية، وأجلسته على صندوق خشبي، ثم فكّت ضمادة كتفه دون أن تسأله. كشف الجرح عن حواف حمراء متورمة وصديد خفيف، فشدّت فمها. «ضمدته بنفسك؟ شيء يليق بمهندس.» سكبت عليه سائلاً كحولياً، فعضّ زياد على شفته حتى لا يصرخ.«أين ذهبت مريم؟»«جاء ضابط، قال إن اسمه سامر. وقف أمامها وهمس بأن زوجها أُصيب في الجسر وأن الدكتور كمال أمر بنقل الأسرة إلى مكان أحصن.» ربطت رباطاً جديداً بحزم موجع. «أرادت أن تصدقه. لم تصدقه كلياً، لكنها أرادت أن ترى أنك حي. وآدم تمسك بيدها وقال: سنأخذ أبي ونعود.»أغمض زياد عينيه. وأحس بحلقه يجف كورق قديم.«اسمع.» جلست رنا أمامه على الأرض، متصلبة الظهر، وأمسكت ركبته بقوة. «أختي لا تبكي أمام أحد، لكنها بكت ليلة الأمس في المطبخ حين ظنت أن آدم نائم. قالت إنها لم تعد تعرف إن كانت تعيش مع رجل أم مع خزانة مقفلة. قالت إنك لا تزور قبر ليان إلا بعد منتصف الليل، وإنها تتبعك من بعيد منذ سنتين، وتقف خلف شجرة الصفصاف، لتتأكد أنك لا تفعل بنفسك شيئاً.»كان زياد قد توقف عن التنفس. تذكر الشجرة. كم مرة أحس بأن أحداً يراقبه هناك وأقنع نفسه أنه الريح.«ثم
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

دار الأرشيف

كانت دار الأرشيف القديمة مبنى مستطيلاً من الحجر الرمادي، نوافذه الضيقة مسدودة بألواح خشبية، وأمامه ساحة مفروشة بأوراق جافة تحركها الريح. دخلت هالة قبل زياد بعشر دقائق من نافذة مجرى الفحم الخلفي، وانسلّت بين الرفوف وهي تضغط على مسدسها وتحصي الظلال. كان الهواء مشبعاً برائحة ورق متعفن وغراء قديم، وكل خطوة تثير سحابة غبار صغيرة.وقف زياد وسط القاعة الكبرى، تحت سقف عالٍ تتدلى منه ثريات صدئة. على طاولة قراءة طويلة تحت مصباح وحيد جلس كمال الراوي، يده تعبث بقلم فضي. وعلى الباب الجانبي وقف حارسان بسترتين داكنتين، لا يتحركان.بدا كمال أكبر مما رآه في الصباح، كأن ساعات قليلة سرقت من وجهه عشر سنين. تحت المصباح انعكست لحيته الفضية رمادية، وعلى الطاولة أمامه صينية فيها كوبان من الشاي لم يمسّ أحدهما.«اجلس.»«أين مريم وآدم؟»«في مكان نظيف ودافئ.» وضع كمال القلم وحدّق فيه. «لم يمسّهما أحد، وكلمتي هي التي أبقت الهيئة قائمة خمس عشرة سنة.»«كلمتك قتلت مصطفى رفعت.»لم يرمش كمال. «مصطفى بنى المرآة بتمويل كان ينبغي أن ينتهي بتقرير. ثم رفض تسليم الشيفرة المصدرية، وهدد بنشر كل شيء في صحيفة. كان سيُغرق المدين
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

الهاتف في الزقاق

كان الزقاق الخلفي يعجّ بالصمت الذي يلي الصخب. أسندت هالة ظهرها إلى جدار رطب وراحت تلهث، وفي عينيها ذلك البريق الأعمى الذي يلي الخطر الشديد. ثم أخرجت هاتفها من جيبها ورمته في حاوية قمامة قريبة. «يتتبعه كمال. من الآن لا أملك غير يديّ.»«لقد أطلقتِ النار على المصباح.» قال زياد وهو يتحسس ضلعه.«كنت أصوّب على قلب الحارس. أخطأت.» لم تبتسم. «يديّ لا تزال ترتجف.»سمعا رنيناً قديماً مبحوحاً، رنيناً لم يسمعه زياد منذ عشر سنين. في آخر الزقاق، تحت لافتة محل مغلق، علّق كشك هاتف عمومي صدئ يهتز ويرنّ كأنه يتنفس. تبادلا نظرة.«مستحيل.» قالت هالة. «هذه الأكشاك مفصولة عن الشبكة منذ عقدين.»أمسك زياد بالسماعة الثقيلة، وكان ملمسها لزجاً كجلد سمكة. «من؟»«أنا من يسمعك.» عرف الصوت: أرغوس، متحرراً من مكبرات المدينة، يتكلم من جهاز ميت. «أنتما في خطر. سيارات كمال بدأت تطوّق الحي من الشمال. وزوجتك وابنك ليسا عند كمال.»ألقت هالة نظرة سريعة على أسطح البنايات؛ كانت كاميرا صغيرة على عمود قريب تدور ثم تثبت عليهما كأنها تتأكد. «حتى هنا؟» همست.«أين هما؟»«في الصهريج القديم في الروضة. النقيب سامر لم ينفذ الأمر. أخذه
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

نصف الحقيقة

صعد زياد الدرج الحلزوني وحده. بقيت هالة في الأسفل تحرس البوابة مع سامر، وسمع وقع خطواته يتضاعف على الحديد الصدئ، وكل درجة كانت تضيف إلى صدره حجراً. حين بلغ الطابق العلوي وقف لحظة يستجمع أنفاسه، وتمنى لو أن الدرج لا ينتهي.كانت الغرفة العليا داخل الصهريج دائرية، تتدلى من سقفها أنابيب صدئة، وفي وسطها مصباح يدوي معلق يُلقي ظلالاً متمايلة على الجدران. جلس آدم على كيس رمل يرسم بقلم رصاص على ظهر ورقة تموين، وحين دخل أبوه رفع رأسه فجأة ووثب.«أبي!» ارتطم بصدره، فتأوه زياد من جرح كتفه ولم يتركه. ضمه بكلتا ذراعيه، وغرق وجهه في شعر الصبي الذي يفوح برائحة تراب وصابون رخيص. «كنت أعرف أنك ستأتي. أمي قالت إنك ستتأخر.»رفع زياد عينيه. وقفت مريم عند النافذة الضيقة، ظهرها إليه، وذراعاها متصالبتان على صدرها. لم تستدر.«آدم.» قال بصوت لين. «اذهب مع الضابط سامر وانظر إن كان معه ماء.»مضى الصبي وهو يلتفت مرتين. ثم ساد الصمت، لا يقطعه غير رنين قطرات الماء في أنبوب بعيد.«قلتُ لك ألا تعدني بشيء.» قالت مريم أخيراً.«لا أعدك.» اقترب خطوة. «أنا فقط... قد قررت أن أقول.»التفتت، وكان وجهها أنحف من الفجر، تحت عين
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

موجة الألف سر

ارتجّ المذياع الحديدي القديم المعلق على جدار الصهريج، وكان معطلاً منذ عقود. انبثق منه صوت أرغوس رخيماً: «لقد انتهت الساعتان، فلا تنزعجوا من الدقة.»وقف الجميع. دخل سامر وهالة من الدرج الحلزوني، وتجمعوا حول المذياع كما يتجمع المسافرون حول نار.«لن أنشر السر الأخير الآن. ولكن للصبر حدوداً. هذه موجة صغيرة، تحية لكل من لم يشبع من الصمت.»وفي لحظة واحدة، تدفقت عبر نافذة الصهريج أصواتٌ عالية من الأحياء المجاورة. سمعوها كالمطر: صراخ نساء، وبكاء، وصفق أبواب، ومحركات سيارات تتسابق. أطل زياد من الشق، فرأى لوحات الإعلانات الكبرى على أبعد الأبراج تعرض سيلاً من النصوص السريعة: «اختلست من صندوق جمعية الحي.» «أخفيت وصية أبي عن إخوتي.» «لم أحب زوجتي يوماً.» «ضربت ابني فكسرت له ذراعه ثم قلت إنه سقط.» ألف سر في دقيقة واحدة، تتساقط كقطع زجاج.«أوقفه!» صاحت مريم ويدها على فمها. «إنه يمزّق الناس!»«لم يفعل أكثر من أن يقول ما كانوا يعرفونه.» قال سامر ببطء. كان وجهه كالجير، وبين أصابعه هاتف يضيء برسالة تتحرك. «اسمع هذا.»ظلت هالة صامتة تحدّق في الأسماء تتدافع على الجدار، ثم قالت بهدوء: «لو ظهر اسمي بينها لم
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

نفق الصفر

عند ظهيرة اشتد فيها الرعد دون مطر، خرج زياد وهالة من الصهريج. لم يكن في الشارع سيارات، إلا هياكل تُركت على جوانب الطرق، وأبواب مفتوحة، وناس يمشون كالمنومين يحملون أكياساً وأطفالاً. لم يقف بينهما وداع. وقفت مريم عند عتبة الصهريج وآدم متشبث بيدها، وقالت بصوت واضح: «عد بالحقيقة.»«سأعود.»«وبكل ما فيها.»قبل أن يمضي، ركض آدم من الداخل وفتح كفه: بوصلة معدنية صغيرة بحجم عملة، قديمة وخدشها الزمن. «وجدتها في درج ليان.» قال بصوت جاد. «قالت لي مرة إنها تدلّ على الطريق إلى البيت. خذها.»أغلق زياد أصابعه عليها، ولم يستطع أن يتكلم. أومأ، ثم أدار ظهره قبل أن تلاحظ مريم أنه لا يقوى على الرد.قادتهما الخريطة التي جمعتها هالة من ملف المرآة إلى المحطة القديمة للخط الصفري. كان مترو أُغلق قبل ثلاثين عاماً، وبقيت أنفاقه مهجورة تحت المدينة. دخلا من مخرج طوارئ مرتفع خلف سوق الحدادين، وهبطا على سلم حديدي زلق تفوح منه رائحة طين ورطوبة.كانت المحطة القديمة صدفة ميتة من الإسمنت والبلاط الأخضر. ملصقات إعلانات عمرها ثلاثون سنة ما زالت تلتصق بالجدران، مبتسمة بأسنان بيضاء ووجوه أنهكها العفن، وسلم متحرك منهار تدلت
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more

غرفة المرآة

كان ممر الخدمة الضيق يتصاعد بدرجات خرسانية مغطاة بغبار ناعم، تحمل آثار أقدام قديمة جداً. وفي نهايته باب معدني بسيط، عليه ملصق ورقي باهت: «مختبر المرآة، ممنوع الدخول». لم يكن مقفلاً.على جدرانه علّق أحدهم قصاصات ورق صفراء مثبتة بدبابيس، كلها بخط واحد: «لا تثق بمن يملك المفتاح.» «السؤال أخطر من الجواب.» «علّمه أن يتردد.» مرّ زياد بأصابعه عليها وأحس بوخز في ظهره. كان الخط خط أستاذه، متعثراً ومتعجلاً، كأن صاحبه كتبها وهو يسمع خطواتٍ في أثره.دفعه زياد، فانفتح على غرفة مربعة صغيرة، جدرانها مغطاة بمرايا عتيقة، بعضها مشقوق وبعضها معتم. وفي الوسط طاولة خشبية عليها حاسوب صغير مغلق، وكرسي مائل، وكوب شاي جاف الأثر. رأى زياد وجهه يتضاعف في عشرين مرآة: شاحباً، غائر العينين، بلحية ثلاثة أيام.«هنا كان يعمل.» همس.على اللوح الأبيض إلى جانب الطاولة ظلت بقايا معادلات مبهمة، وتحتها سطر كُتب بقلم أحمر: «العاطفة لا تقاس. لكنها تُقلد، وتلك هي المشكلة.» وفي الركن علقت صورة فوتوغرافية باهتة بدبوس: مصطفى جالس في حديقة الجامعة وعلى كتفيه طفلة صغيرة بجديلتين، تضحك وقد أمسكت بشعره. وقف زياد أمامها حتى أحس أن ال
last updateLast Updated : 2026-11-04
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status