" آه... لم أعد أحتمل..."
في الليلة المتأخرة، كأنني أُجبرت على أداء تمارين يوغا قسرية، تُشكِّل جسدي في أوضاعٍ مستحيلة.
ومنذ زمنٍ لم أتذوّق ذلك الإحساس، فانفجرت في داخلي حرارةٌ كانت محبوسة في أعماقي.
حتى عضّ أذني برفقٍ، وهمس بصوتٍ دافئ: "هل يعجبك هذا؟"
"ن...نعم..."
حين رفضت التبرع برحمي لأختي، امتلأ قلب رفيق طفولتي حقدًا عليّ، فدفع بي إلى فراش وريث العائلات النافذة في البلد. كان يُشاع أن ذلك الرجل لا يطيق تعلق النساء به، فانتظر الجميع نهايتي، لكنه، على خلاف كل التوقعات، رفعني إلى أعلى مراتب الدلال. مرت ثلاث سنوات كأنها حلم. وعندما ظننت أنني أحمل طفلاً، ذهبت إلى المستشفى لإجراء الفحوصات، غير أنني، دون قصد، سمعت حديثًا بينه وبين الطبيب:
"جلال المنصوري، قبل ثلاث سنوات طلبت مني سرًا نقل رحم ريما إلى أختها، وها أنت الآن تأمرني أن أوهمها بأنها عقيم منذ ولادتها... كيف قسا قلبك إلى هذا الحد على امرأة تحبك؟"
جاء صوته مألوفًا... لكن ببرودة غريبة:
"لا خيار لديّ. إن لم تستطع رايا إنجاب طفل، فستُهان في بيت زوجها. وحده رحم أختها يناسبها."
في تلك اللحظة، أدركت أن الحب الذي آمنت به، والخلاص الذي تشبثت به، لم يكن سوى خدعة أخرى. وما دام الأمر كذلك... فليس أمامي سوى الرحيل.
تزوجت من زوجي منذ ثماني سنوات، وفي كل ذكرى زواج، كان يقول إن شركة الطيران رتبت له رحلة، ثم يهديني زوجًا من الأقراط باهظة الثمن سعيًا لإرضائي.
ولكن في ذكرى زواجنا هذا العام، سمعت بالصدفة مزاحًا بينه وبين أصدقائه.
"يا فيصل، في كل ذكرى زواج تكون مع مها السبيعي، ألم تلاحظ كوثر الغامدي شيئًا على الإطلاق؟"
"لا عجب أنها لا تستطيع الإنجاب، فما تبقى لها من المخزون، حتى الكلاب تشعر بالحزن."
أخرج فيصل الشمراني زفرة سيجار، ووافق على الكلام.
"مها تركت كل شيء من أجلي، ويجب أن أمنحها عائلة."
"أما كوثر الغامدي، فلم أعد أحبها منذ أن أجهضت. عندما يحين الوقت سأطلب الطلاق، ورغم أن هذا ليس عادلًا بحقها، لكني سأجد طريقة لأعوضها بالمال."
لكن يبدو أن فيصل الشمراني لن يحصل على تلك الفرصة، ففي ذكرى الزواج هذه، تم تشخيصي بسرطان المبيض في مراحله المتأخرة.
وبما أنه لم يعد يحبني منذ زمن طويل، فقد استعددت أيضًا لمغادرته.
يا فيصل الشمراني، وداع بلا عودة.
تزوجتُ ألكسندر منذ ثلاث سنوات. كان الجميع يخشاه بسبب قسوته، أما معي فكان حنونًا دائمًا.
لكن منذ أن تلقت إلينا رصاصةً بدلًا عنه في اشتباك مسلح قبل ستة أشهر تغيّر كل شيء. كان يردد دائمًا أنها أُصيبت لإنقاذه، ولذلك يجب عليّ أن أتفهم الأمر.
في أفخم حفلات العائلة، دخل زوجي — الدون، ألكسندر — برفقة سكرتيرته، إلينا، متشبثة بذراعه.
كان يتلألأ على صدرها بروش من الياقوت الأحمر، البروش الذي يرمز إلى مكانة الدونا، سيدة العائلة.
قال ألكسندر: "إلينا تلقت رصاصة من أجلي. أعجبها البروش، فأعرته لها لبعض الوقت. وعلى أي حال، أنتِ الدونا الوحيدة هنا. حاولي أن تتصرفي برقي".
لم أجادله.
نزعتُ خاتم زواجي، وأخرجتُ أوراق الطلاق وقلتُ: "طالما أعجبها إلى هذا الحد، فلتحتفظ به، بما في ذلك هذا المقعد إلى جوارك أتنازل عنه أيضًا".
وقّع ألكسندر دون تردد، وابتسامة باردة تعلو وجهه.
"أي حيلة تحاولين القيام بها الآن؟ أنتِ يتيمة، بلا عائلة، لن تصمدي ثلاثة أيام في صقلية. سأنتظر عودتكِ لتتوسليني".
أخرجتُ هاتفًا مشفرًا يعمل بالأقمار الصناعية، لم أستخدمه منذ ثلاث سنوات.
ألكسندر لم يكن يعلم أنني الابنة الصغرى لأقدم عائلة مافيا في أوروبا.
لكن عائلتي وعائلته كانوا أعداء منذ قديم الأزل. ولأتزوجه، غيرتُ اسمي، وقطعتُ صلتي بأبي وإخوتي.
تم الاتصال، أخذتُ نفسًا عميقًا وهمستُ: "بابا، أنا نادمة. أرسل أحدهم ليأخذني بعد أسبوعين".
كانت رويدة تقف عند باب الغرفة، تسمع صوت عاصي وراما يتحدثان ببرود كأنها غير موجودة.
"هي لم تعد طبيعية…" قالت راما بهدوء.
صمت عاصي، ثم رد بصوت بارد: "لا أعرف ماذا أفعل معها بعد الآن."
تراجعت رويدة خطوة، وقلبها ينكسر بصمت. الباب انفتح فجأة، وظهرت راما بابتسامة خفيفة: "إلى متى ستظلين هنا؟"
نظرت إليها رويدة بعينين مرتجفتين، ثم إلى عاصي الذي لم يتحرك.
في تلك اللحظة أدركت أن شيئًا فيها قد انتهى… لكن شيئًا آخر كان يولد داخلها لأول مرة.
على الرغم من علمي بأن زوجي أكرم العدناني قد زيّف موته ليحل محل شقيقه الأصغر، إلا أنني لم أكشف الأمر.
بل زرت إلى المشير في المنطقة العسكرية وأبلغته أن زوجي قد مات، وطلبت منه شطبه من السجل العسكري.
في حياتي السابقة، توفي أخو زوجي الأصغر في حادث، فتخلى أكرم عن منصبه كقائد فوج وانتحل شخصية شقيقه الأصغر، فقط كي لا تصبح زوجة أخيه الأصغر أرملة.
عرفتُ بأنه أكرم، وسألته لماذا انتحل شخصية أخيه الأصغر.
لكن أكرم أنكر بشدة ودفعني بعيدًا ببرود.
"يا زوجة أخي، أعلم أنك حزينة جدًا لوفاة أخي الأكبر، لكن لا يمكنك أن تعتبريني أخي الأكبر لمجرد أنه مات!"
لقد حمى زوجة أخيه الأصغر الضعيفة، ودفعني في النهر المتجمد، محذرًا لي من العيش في أحلام اليقظة.
ابنتي ذات الخمس سنوات بكت وسألت أباها لماذا تخلّى عنها، فاحتجزت في مكان للاحتجاز للتأديب، وجاعت لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ.
لعنتني حماتي ووصفتني بأنني نحس تجلب الموت لزوجي، وطردتني وابنتي من المنزل بلا مال.
بل نشر أكرم في كل مكان أنني جننت، وأنني بعد وفاة زوجي، أطمع مباشرة في أخي زوجي الأصغر.
نبذني واحتقرني الجميع، فمتّ أنا وابنتي، تائهتين وضائعتين، في برد الشتاء القارس.
عندما فتحت عينيّ مجددًا، عدت إلى اليوم الذي انتحل فيه أكرم شخصية أخيه الأصغر.
...
مشهد خيانة ياسر ضربني بعمق وخلّاني أراجع كل لحظة قبلها في 'مسلسل الجريمة المشهور'.
أنا أرى الخيانة نتيجة تراكم ضغوط داخلية وخارجية: ضغوط مادية، تهديد بالدم، أو حتى وعد بحماية أحد أحبائه. في الكثير من المشاهد، كان واضحًا أن ياسر ليس مجرد شرير بارد؛ هناك لحظات ضعف، نظرات تائهة، واتصالات سرية تُظهر أنه تعرض للابتزاز أو اللعب عليه من قوة أكبر.
أيضًا، أعتقد أن الخيانة كانت اختيارًا استراتيجيًا في لحظة انعدام الخيارات. الشخصيات في هذا النوع من المسلسلات تُدفع إلى اتخاذ قرارات مبهرة عندما تُحاصر أخلاقيًا وماديًا. لذلك، ليس من المستبعد أن يكون هدفه الحفاظ على ما تبقى من حياته أو إنقاذ طرف آخر كان يعتبره أهم.
ختامًا، أنا أميل لتفسير الخيانة كتركيبة من الخوف والطموح والالتزام المُزاحم؛ وشاهدت كيف أن ذلك يضيف عمقًا دراميًا للحدث بدلًا من أن يحوّله إلى فعل بلا معنى.
لا أزال أرى المشهد كأنه فيلم مقطّع: ياسر يربط حزام حقيبته الصغيرة تحت ضوء خافت، ثم يتسلل عبر الأزقة. غادر المدينة عند بزوغ الفجر، قبل أن تبدأ السوق في الصخب وفتحات أبواب الدكاكين. كان قراره يبدو هادئًا لكنه حاسم؛ لا وداع كبير ولا احتفالات، فقط هدوء الصباح وتعابيره الملتفة حول ما ينتظره.
الهدوء الذي رافق خروجه جعل اللحظة تبدو أكثر قسوة؛ الناس نيام، والرياح تحمل رائحة الخبز الطازج من أفران الجوار. رأيته يمد يده ليلتقط شالاً كان على سور، ثم يختفي خلف تلة صغيرة على طريق السهل. كان مغادرته مع شروق الشمس رسالة صامتة عن بداية جديدة، وهذا ما بقي في ذهني طويلاً.
كانت نيّتي خفيفة عندما شاهدت إعلان التجنيد، لكن شيئًا في داخلي تغيّر.
دخلت عالم اللعبة لأبحث عن متعة سريعة، لكن رؤية اسم 'فرقة الصيادين' أثارت فضولي؛ بدا لهم تاريخ طويل من المغامرات والقصص التي تتناقض مع نمطي البسيط. أول ما جذبني كان الوعد بتحديات لم أجربها من قبل؛ لم أكن جيدًا في القتالات المنظمة، وكنت أريد اختبار حدود قدراتي الحقيقية بعيدًا عن انفراد اللعب. ثانياً، شعرت بجاذبية الانتماء—وجود فريق يخوض المخاطر معًا يمنحك شهادة على مهارتك ومكانًا تتعلم فيه من الأقدمين.
بعد أيام من التردد أصبحت أُقدّر الفائدة العملية: أمكنة الغنائم النادرة، فرص الترقية، ومهام السرية التي لا تُفتح إلا للأعضاء. كل هذا ربطته بقصة شخصية صغيرة بداخلي—أن أكون شخصًا يعتمد عليه الآخرون. انضممت أيضًا لأن زعيم الفرقة لم يقدّم وعودًا فارغة، بل تحديات واضحة ومسوؤلية حقيقية، وهذا ما جعل قراري ثابتًا. في النهاية، لم تكن الغنيمة فقط، بل الرحلة وجِدّة الاختبار التي جعلتني ألتزم.
في الليل الذي لم أستطع فيه النوم، وقفتُ أمام الصفحات وأعيد قراءتها كما لو أنني أبحث عن علامة خفية. لاحظتُ أمرًا صغيرًا لم يلحظه أحد: هامشٌ مكتوبٌ بخط متعرّج لا يبدو ككتابات الشخصيات الأخرى. كانت الكلمات قصيرة لكنها متكررة، وكأنها تُشير إلى شيء ما خلف السطور.
قضيت بعدها ساعتين أُقارن بين تلك الحروف وحروفٍ أخرى في الرواية، وأجرب أن أضعها بجانب بعضها البعض كأنها قطعُ أحجية. الفكرة البسيطة التي تبنّيتها كانت تحويل تكرارات الجملة إلى عمودٍ من الحروف، ثم قراءتها عموديًا بدلًا من أفقيًا. الانكشاف بدأ يظهر تدريجيًا: اسم مكان، ثم تاريخ، ثم إشارة إلى صندوق مخفي في بيتٍ قديم.
لم يكن اكتشافُ yasir ساعيًا أو بطوليًا بلسانٍ واحد، بل جاء من صبرٍ متواضع ومُراقبة التفاصيل التي يتجاهلها الآخرون. الشعور عندما فهمتُ ما تعنيه تلك الحروف كان مزيجًا من الخوف والفضول، لكن الأكثر روعة كان إدراك أن الرواية كانت تُخفي سرّها أمام أعيننا طوال الوقت، ونحن فقط احتجنا أن نقرأ بزاويةٍ مختلفة.
لا أنسى المشهد عند وصول الشرطة؛ كانت الأنوار تومض والشارع يغرق في دخان العادم والغبار. رأيت بعيني الضابط يشير إلى ركام شرفة مطلية بالشقوق، وهناك بجانب قطعة من طاولة خشبية مكسورة، كانوا يقفون حول 'ياسر' وهو جالس على الأرض، وجهه ملطخ بالغبار والدماء، لكن عينيه كانتا مفتوحتين يُحاولان أن يلمّتا صورة المشهد.
تحدثت مع أحد الجيران بعد أن رحلت سيارة الإسعاف، قال لي إن ياسر كان يحاول نقل جرحى من تحت الأنقاض قبل أن ينهار جسده من التعب. الشرطة اقتادته ببطء إلى مكان آمن، لم يُقاوم، لكن كان واضحًا أنه مُنهك ومتألم؛ تذكرت حينها كم يمكن أن تتحول الشجاعة إلى هدوء مرهق.
جلست أراقب المكان حتى اختفى الأثر؛ كان يوماً مزعجاً، لكنه كذلك عبّر عن رابط لا يُرى بين الناس في الحي، وبقيت أتأمل كيف أن البحث عنه لم يكن مجرد عملية شرطية، بل محاولة لإعادة شيء من النظام والروح إلى حي كان قد فقد الكثير من مساحته الحيوية.
قصة خسارة ياسر لحقوق القصة تبدو بالنسبة لي نتيجة سلسلة من التنازلات التي بدأت بتوقيع اتفاق شفهّي وتحولت إلى تنازل مكتوب دون تحفظات واضحة.
أول شيء ألاحظه هو أن ياسر قبل مبالغ أو مقابل عمل دون الإبقاء على بند صريح يحدّد أنه يمنح ترخيصًا مؤقتًا أو غير حصري. في كثير من القضايا، الحكم يميل لصالح من يمتلك الوثائق الرسمية أو من سجّل العمل باسمه أولًا. هنا، يبدو أن الطرف الآخر سلّم أوراقًا أو عقدًا يُظهر أن الملكية انتقلت أو أن العمل تم إنتاجه كـ'عمل مأجور'، وهذا في كثير من الأنظمة القانونية يُعني أن صاحب الدفع هو مالك الحقوق.
ثانيًا، يمكن أن تكون أدلة الاتصال والنشر دفعت ضد ياسر؛ رسائل البريد أو المنشورات التي تُظهر تنازله أو موافقته يمكن أن تُستعمل لإثبات نقل الحقوق. أخيرًا، إجراءات التقاضي المكلفة والضغط النفسي أحيانًا تدفع الطرف المُدّعى عليه للتسوية أو التخلي عن المطالب، فتصبح الخسارة ليست فقط قانونية بل عملية أيضًا. هذه ترکیبة تجعلني أشعر أن الدرس هنا عن الحذر والتأكّد من صياغة كل بند، لأن الغياب هنا كلف ياسر حقه في القصة.