أذكر كتاباً ظل يطارده نحوي طوال سنوات القراءة: 'موسم الهجرة إلى الشمال'.
أحببت هذا الكتاب لأنه يجمع بين لغة شاعرية وحوار فكري حاد، وفي كل مرة أعود إليه أكتشف طبقة جديدة من المعاني. الطيب صالح رسم شخصية الراوي وغامبيتي بشكل يجعل الصراع بين الهوية والآخرية نابضاً بالحياة، والنقد الذي يحيط بالاستعمار والالتباس بين الحداثة والتقليد لا يفقد قوته حتى بعد قراءات كثيرة. أسلوب السرد مختزل لكنه كثيف، والجمل تتراكم لتصنع صوراً لا تُمحى بسهولة.
كمُطالِع نهم، أجد أن النقاد يقدّرون هذا العمل لأنه استطاع أن يكون عربياً في جوهره وعالمياً في أسلوبه؛ لا يتخلى عن جذوره ولا يهرب من التحدي. النهاية المفتوحة تتركك تتساءل عن محركات الأبطال وعن حدود التواطؤ مع التاريخ، وهذا ما يعشقه القراء والمحللون على حد سواء. أنصح به لمن يريد كتاباً قصيراً لكنه عميق، ويمنحك مادة طويلة للنقاش بعد إغلاق الصفحة.