أتخيل دائماً رفوف المكتبات وكأنها بوابات لعوالم مختلفة، وهذا ما يجعل سؤال تفضيل القراء للروايات الخيالية ممتعاً ومعقّداً بنفس الوقت. أنا أميل للقول إن جزءاً كبيراً من القراء ينجذبون للروايات الخيالية لأسباب واضحة: الهروب من الروتين اليومي، الانغماس في بناء عوالم متقنة، والفرح باكتشاف تقاليد وشخصيات لا توجد في الواقع. كتجربة شخصية، وقتما احتجت للهروب أو لإعادة شحن خيالي، أعود دائماً إلى صفحة بداية رواية تمنحني فضاءً جديداً، سواء بشجرة تتكلم أو مدينة عائمة أو سحر مرتبط بعواطف البشر. أمثلة مثل 'هاري بوتر' و'سيد الخواتم' تظهر كيف يمكن لعالم خيالي أن يبني مجتمعاً من القُرّاء يشارك نظريات ويحتفل بشخصياته.
لكن لا يمكن حصر الأمر بأن جميع القراء يفضلون الخيال. هناك جمهور كبير يحب الواقعية لأنهم يبحثون عن مرايا تعكس مشاكلهم أو تقدم رؤى نفسية حقيقية. أحياناً ألتقي بأصدقاء يعبرون عن أن الرواية الخيالية مجرد ترفِّيه، بينما يجدون قيمة أكبر في السيرة الذاتية أو الرواية الاجتماعية. أيضاً نوع الخيال مهم: الخيال الملحمي يختلف عن الخيال الحضري أو الخيال العلمي الممزوج بالسحر؛ كل شريحة تجذب جمهورها الخاص. أخيراً هناك عامل وسائل الإعلام: نجاح الأعمال المقتبسة في التلفزيون أو الأفلام يرفع من شعبية الخيال فجأة، ويجذب قراء لم يكونوا ليجربوه لولا ذلك.
في تجربتي الشخصية كرّاحل بين رفوف الكتب ومتابع للمجتمعات القرائية، أرى أن تفضيل الخيال يعتمد على المزاج، العمر، الثقافة، وتجارب القارئ السابقة. هناك من يفضّل الغوص في تفاصيل عالم وبناء أساطير، وهناك من يفضل تقفّياً لحياة يومية تتقاطع مع قضايا معاصرة. في النهاية، الخيال يحتل مكانة كبيرة لكنه ليس متفرداً؛ هو خيار ضمن طيف واسع من الأذواق. بالنسبة لي، يبقى قدر من الخيال ضرورياً لإشعال الخيال الداخلي، حتى لو كان يمكن الاستغناء عنه في فترات أخرى من الحياة.
أجد متعة حقيقية في التنقّل بين رفوف الكتب عندما أبحث عن خيال عربي يلامس مخيلتي، ولهذا لدي مجموعة مكانية ومجتمعية أفضّلها بشدة.
أول مكان أبدأ به دائماً هو المتاجر الإلكترونية الكبرى: Jamalon وNeelwafurat وJarir وAmazon الإقليمي. فيها أقسام مخصصة للخيال ويمكنك تصفية النتائج حسب الفئة أو التصنيف، وغالباً أجد ترجمات رائعة مثل 'هاري بوتر' و'سيد الخواتم' و'سجلات نارنيا' إلى جانب أعمال عربية معاصرة. كما أن المتاجر تمنحني نظرة على تقييمات القراء ومقتطفات من داخل الكتاب قبل الشراء.
ثانياً أتابع منصات الكتب المسموعة مثل Storytel وAudible وأحياناً تطبيقات محلية تضع في متناول يدي عوالم تُروى بصوت ممثلين محترفين؛ هذا يساعدني على اكتشاف عناوين لم أكن لأجدها بالبحث النصي فقط. وأحب أيضاً متابعة دور النشر العربية الكبيرة مثل دار الشروق ودار الساقي التي تصدر أدباً خيالياً أو مجموعات قريبة من الفانتازيا.
أخيراً، لا تتجاهل المجتمعات: مجموعات فيسبوك وهاشتاغات إنستغرام مثل #رواياتخيال أو صفحات مثل Abjjad ومجتمعات واتباد العربية حيث تنشر مواهب شابة أعمالها أولاً. من هناك التقيت بروايات مستقلة ممتازة قبل انتشارها تجارياً. في النهاية، المزج بين المكتبات الرقمية والمعارض والمنتديات هو ما أعتمده لاكتشاف أفضل ما يُكتب بالعربية في عالم الخيال.
كلما غصت في رواية خيالية أشعر بفرح الطفل الذي يكتشف بابًا سريًا في حديقة خلفية؛ هذه المتعة ليست فقط في الهروب من الواقع، بل في إحساس الاكتشاف نفسه. العالم الخيالي يقدم لي خريطة جديدة للعواطف والأفكار، حيث تنبض المدن والسحر والوحوش بحياة تجعلني أعيد التفكير في ما أعتبره ممكنًا. أذكر كيف جعلتني مغامرات 'هاري بوتر' أعيد التفكير في معنى الانتماء، وكيف أعادني عمق تفاصيل 'سيد الخواتم' للتأمل في صمود الشخصية أمام الخطر، أو كيف جعلتني صراعات السلطة في 'أغنية الجليد والنار' أشعر بثقل العواقب الواقعية للخيال.
أحيانًا يكون السبب أكثر شخصية: الروايات الخيالية تمنحني منصة آمنة لمواجهة مخاوفي وأحلامي عبر رموز وقصص لا تبدو مباشرة. البطل الذي ينهض من الفشل أو الساحرة التي تتصالح مع جانبها المظلم تعمل كمرآة لجزء مني لا أريد مواجهته صراحة. بالإضافة إلى ذلك، هناك المتعة الفكرية في البناء: العالم الذي يُفكر في تفاصيل اقتصاده، آراءه الدينية، أو حتى الطقس الخاص به يرضي جزءًا فضوليًا فيّ يريد تحليل كل شيء، وكأنني أرتب نموذجًا مصغرًا لكون جديد. هذا النوع من السرد يمنح الكتاب فرصة لطرح تساؤلات أخلاقية عميقة ضمن ستار من المغامرة.
وألا نغفل عنصر المجتمع — القراءة الخيالية تجمع الناس. المناقشات حول نظريات الحبكة، مشاركة فن المعجبين، حتى المجادلات حول النهاية تجعل القصة أكثر ثراءً. بصفتي قارئًا، أحب اللحظات التي تتحول فيها قصة فردية إلى ثقافة ميتة تنبض بالحياة بين الأصدقاء على منصات مختلفة؛ هذا الإحساس بالانتماء لمجتمعٍ يشارك نفس الخيال له سحر خاص. في النهاية، لا أعتقد أن الجمهور يحب الخيال لأنها مجرد هروب؛ بل لأنه يمنحنا أدوات لفهم ذواتنا والعالم بطرق أكثر إبداعًا وإنسانية — وهذا ما يجعل العودة إلى الصفحات مرة تلو الأخرى ضرورية ومرحة على حد سواء.
هناك لحظات أعتقد فيها أن الخيال الجيد يملك القدرة على أن يصبح جزءًا من تاريخنا الثقافي، وهذه الروايات التي رشّحها النقاد وتصدرت قوائم الأكثر مبيعًا تثبت ذلك بوضوح.
أولاً، لا يمكن تجاهل القوة التاريخية لـ'The Lord of the Rings' التي تُعد مرجعًا للخيال الملحمي؛ النقاد يمدحون عمق الأساطير والبنية السردية، والقراء اشتروا المجموعات بملايين النسخ. تأتي بعدها سلسلة 'Harry Potter' باعتبارها ظاهرة عالمية — النقاد ناقشوا تأثيرها على جيل كامل، والبيع الضخم لم يكن مفاجئًا. كما أن 'A Song of Ice and Fire' جذب الانتباه النقدي لواقعيته السوداء وتعقيد الشخصيات، بينما البيع ارتفع بشكل كبير مع نجاح المسلسل التلفزيوني.
لا بد من ذكر أسماء أحدث مثل 'The Broken Earth' التي حصلت على جوائز مهمة ودفعت النقاد للتحدث عن تجديد النوع وإدخال قضايا اجتماعية، و'American Gods' التي جمعت بين الأساطير المعاصرة والسرد الغني وحصلت على جوائز كبيرة. من ناحية أخرى، روايات مثل 'Mistborn' و'The Name of the Wind' نالت إعجاب النقاد لابتكار أنظمة سحرية متماسكة وشخصيات متميزة، وهذا ما جذب قراءً كثيرين ودفع المبيعات. في النهاية، النقاد يميلون لمدح العمل الذي يجمع بين بناء عالم متين، لغة سليمة، وموضوعات عميقة — وهذه الروايات كلها تقدم على الأقل جانبًا من هذه المزايا، وهذا ما جعلها تتصدر قوائم الأكثر مبيعًا وتستحق الترشيحات.