أذكر مرة كنت أقرأ كتابًا عن 'الهوية السردية'، والمؤلف شرح فكرة أن قصصنا الشخصية مثل الفصول في الرواية، كل حدث نعيشه نعيد صياغته في أذهاننا لتكوين حبكة متماسكة.
المختصون يرون أن التأثير النفسي يكمن في قدرتنا على إعادة تفسير الماضي، مثلما يفعل محرر الفيديو مع اللقطات الخام. شخصيًا، جربت هذا عندما توقفت عن لوم نفسي على فشل سابق، وبدأت أنظر إليه كـ 'منعطف درامي' في قصتي، وهذا غير شعوري تمامًا.
ما أثاره فضولي هو كيف أن بعض الأشخاص يختارون لأنفسهم هوية 'البطل الضحية'، بينما يختار آخرون هوية 'الناجي القوي'، وهذا يعتمد على أي جزء من قصتهم يسلطون عليه الضوء. حتى في الأنمي، شاهدت شخصيات مثل 'ناروتو' الذي حول قصة الوحدة إلى قصة عزيمة.
العنوان 'التراث' يوحي بأن الكتاب يتعامل مع ذاكرة الشعوب وطقوسها، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنه يقدم تفسيرًا أنثروبولوجيًا للهوية الثقافية بشكل منهجي.
أميل لأن أميز بين عمل يحكي عن العادات والرموز وبين عمل يطبّق أدوات الأنثروبولوجيا: الملاحظة المشاركة، التحليل السياقي، الاهتمام بالاختلافات الداخلية والسلطة والتاريخ. إذا كان المؤلف يصف المظاهر فقط—الأزياء، الأعياد، الأساطير—بدون ربطها بكيفية تشكل الهويات عبر العلاقات الاجتماعية والتاريخية، فستبقى القراءة وصفية أكثر منها تفسيرية.
على الجانب الآخر، عندما يتناول الكتاب كيف تُستخدم الذاكرة والرموز لصنع انتماءات، ومن الذي يستفيد من تعريف ما يُسمى 'تراثًا'، وكيف يؤثر الاستعمار أو الحداثة أو السياحة أو السياسات الثقافية على هذا الصوغ، فإنه يقترب من أنثروبولوجيا الهوية. أنا أقدّر مثل تلك الكتب التي تربط بين القصص الفردية والسياقات البنيوية لأنها تعطيني شعورًا بفهم أعمق لديناميكية الهوية، وليس مجرد مهرجانٍ من الصور الجميلة.
الهوية في 'مكيال المكارم' تُقدّم لي كفسيفساء؛ كل قطعة فيها تحمل لونًا من ذاكرة أو عادة أو تقليد مضرم، والكاتب يركّب هذه القطع لتشكيل صورة متحركة لا تجلس في خانة واحدة.
أول ما لفت انتباهي هو أن الكاتب لا يطرح الهوية كقضية جامدة بل كمشهد يتغير بتغير المكان والزمن والشخص الذي ينظر إليه. الأسلوب السردي يحمل تعدد الأصوات: نسمع همسات كبار العائلة، ونرى قرارات الشباب، ونسترجع ذكريات النساء في بيت الطين، وكل صوت يضيف نغمة مختلفة إلى سؤال 'من أنا؟'. عبر هذه الهوارات الصوتية يظهر عندي أن الهوية ليست صفقة تُغلق، بل عملية تفاوض يومية بين الفرد وبيئته. الكاتب يستخدم تكرار الأشياء اليومية - طعام، زي، لهجة، مراسم - كدليل ملموس على استمرار روابط منسية، وفي الوقت نفسه يجعل تغيّر هذه الأشياء علامة على انزياح الهوية.
اللغة نفسها تعمل كأداة تشكيل هوية: اللهجات المحلية تدخل في الحوار لتفرّق بين من ينتمي إلى مكان ومن صار غريبًا عنه، والانتقال إلى لغة أكثر رسمية أو استعارات حديثة يدل على محاولة إعادة تعريف الذات. أيضًا، المشاهد التي تصوّر الانتقال من الريف إلى المدينة أو من بيت العائلة إلى سفر طويل تستخدم كخلفية رمزية لصراع الهوية—الطريق لا يغيّر الشخص فقط لكنه يعرّيه من أقنعة ويجبره على إعادة تركيب نفسه. أحببت كيف أن الكاتب لا يمنحنا إجابات جاهزة؛ بدلاً من ذلك يطلب منا أن نقرأ الفجوات بين السطور، ونفهم أن الهوية تبقى مشروعًا يُعاد كتابته عبر العلاقات والاختيارات والذاكرة.
في النهاية شعرت أن 'مكيال المكارم' لا يحاول تثبيت هوية معينة بل يعرض حركة الهوية كفسحة للحرية والقلق في آنٍ واحد. هذا الخيط يجعل النص إنسانيًا ومؤلمًا ومطمئنًا في نفس الوقت، ويترك فيّ رغبة طويلة في التعرف على قصص أشخاص آخرين يمكن أن يكملوا هذه الفسيفساء من زوايا جديدة.
اللون يمكن أن يصبح بصمة لا تُنسى لشخصية حين يُعامَل كجزء لا يتجزأ من سردها المرئي، وليس مجرد خيار جمالي عابر.
أذكر أني حين شاهدت أول مرة 'Sailor Moon' لاحظت كيف أن ألوان الزيّ حفرَت في ذاكرتي صفات كل شخصية: الأحمر لا يعني فقط طاقة بل شجاعة واندفاع، والأزرق يدلّ على هدوء وتأنّي. هذا يحدث عندما يُكرَّر اللون عبر عناصر متعددة: الملابس، الإضاءة، الخلفيات، وحتى واجهة المستخدم في الألعاب؛ التكرار يربط اللون بسلوك أو قيمة.
أيضًا، يصبح اللون علامة هوية حين يخدم التباين والتمييز. لو كانت كل الشخصيات تمتلك لوحة لونية متقاربة، يفقد اللون قدرته على التعرّف الفوري. لكن لو اعتمد المبدع على لون فريد أو مزيج لوني معين مع صيغته الرمزية (مثل الأخضر لربط الشخصية بالطبيعة أو الأصفر للطاقة والفضول)، سيُقرأ هذا اللون كجزء من تعريف الشخصية. إضافةً إلى ذلك، وجود لون مرتبط بتطور الشخصية — يتغير تدريجيًا أو يظهر في لحظة مفصلية — يجعل منه عنصرًا قصصيًا، لا مجرد ديكور. في النهاية، عندما ترى شخصًا وتعرفه من أول لمحة لونية فقط، تكون هذه العلامة قد نجحت في أن تكون هوية حرفية حقيقية.
أحلى مفاجأة وجدتها في 'نظرية الفستق' أنها تحوّل موضوع الهوية إلى تركيب تشبه تقشير حبة فندق: طبقة بعد طبقة تكشف عن علاقتها بالثقافة. أقرأ الكتاب وكأنني أقصّ قطعة موسيقية صغيرة عن كل شخصية، فالقشرة الخارجية تمثّل المظاهر السريعة—اللغة التي نتحدثها، الملابس التي نرتديها، الأذواق الظاهرة—أما اللب الداخلي فهو الذكريات والامتدادات العاطفية التي تجعل هذه المظاهر ذات معنى.
ما أدهشني أكثر هو كيف يربط المؤلف بين ممارسات يومية إلى ما يشبه أرشيف جماعي: طقوس الطعام، طرق التحية، النكات المشتركة، وحتى الأشياء الصغيرة التي نستهين بها تصبح أدوات لصياغة الهوية والحفاظ عليها. في صفحات كثيرة شعرت بأن الهوية ليست شيئًا ثابتًا، بل سياق قابل للتفاوض. الثقافة هنا ليست خلفية جامدة بل مسرح نلعب عليه أدوارًا متعددة؛ أحيانًا نتمثّلها طوعًا وأحيانًا تُفرض علينا عبر التوقعات الاجتماعية.
أحببت أيضًا أن الكتاب لا يقدّم وصفة واحدة للهويتين المحلية والعالمية؛ بدلاً من ذلك يعرض أمثلة من الهجرة والهوية المزدوجة وكيف تتحول الذكريات إلى وسائل مقاومة أو استيعاب. عند قراءتي انتهيت وأنا أفكر في هويتي كمجموعة من حلقات متداخلة—بعضها هش وبعضها متين—تتغذى على الثقافة بكل تفاصيلها، وهذا التفكير ترك لدي شعورًا بالفضول والرغبة في إعادة النظر بما أعتبره "طبيعيًا" حول من أنا ومن حولي.
أعتقد أن الروايات المعاصرة أصبحت أكثر جرأة في معالجة الهوية الطبقية، خاصة بعد العقدين الأخيرين. مثلاً، في رواية 'زقاق المدق' لنجيب محفوظ، رغم أنها قديمة نسبياً، لكن الفكرة نفسها استمرت وتطورت. ما لفت نظري مؤخراً هو كيف أن كتاباً مثل 'ثلاثية غرناطة' لرضوى عاشور يدمجون الطبقة مع التاريخ والهوية الوطنية بشكل معقد.
في رواية 'موسم الهجرة إلى الشمال' للطيب صالح، الصراع الطبقي ليس مجرد خلفية، بل هو محرك للحبكة. الشخصيات تتصارع مع انتماءاتها الطبقية المتعددة: الريف مقابل المدينة، الشرق مقابل الغرب. هذا التطور يجعل القارئ يعيد التفكير في معنى 'الطبقة' نفسها.
أما في الأعمال الحديثة مثل 'الكرنك' لنجيب محفوظ، فالطبقة تتحول إلى أداة نقد سياسي. أحب كيف أن الكتّاب المعاصرين لم يعودوا يصورون الطبقة كشيء ثابت، بل كشيء سائل يمكن أن يتغير عبر الحبكة - مثلما حدث في رواية 'الحرافيش' حيث البطل ينتقل بين طبقات عبر الأجيال. هذا هو الإبداع الحقيقي.