LOGINكان الجميع يهاب الكبير... حتى جاء اليوم الذي عجز فيه عن مواجهة القدر. حمزة الجارحي، الرجل الذي تهابه الحارة بأكملها، لا يسمح لأحد بتجاوز حدوده، ويعيش بقوانين لا يجرؤ أحد على كسرها. أما آسية، فتخفي سرًا قد يغيّر حياتها إلى الأبد، وتجد نفسها في طريق لم تختره. بين صراعات العائلات، وهيبة الاسم، والأسرار التي تُدفن خلف الأبواب المغلقة، يضعهما القدر في مواجهة لا مفر منها، حيث يصبح الحب أقوى من الكبرياء... لكنه قد لا يكون أقوى من الحقيقة. فهل تنتصر الهيبة... أم يكتب القدر كلمته الأخيرة؟
View Moreفي منطقة شعبية في محافظة الإسكندرية تُعرف باسم "حارة الجن"، خاصة في الصباح الباكر.
استيقظ الجميع على أصوات طلقات نارية، فهلع كلٌّ من فراشه برعب. هناك من أسرع بالنزول، وآخرون اصطفوا في شرفات شققهم، وآخرون تجنبوا الرؤية وأغلقوا نوافذهم، فمن غيره حمزة الجن القادر على فعل شيء كهذا؟ نقطة واستوب. مين هو حمزة الجن؟ حمزة محمد أحمد الجارحي، خريج كلية الهندسة، عنده 29 سنة، ويمتلك شركة من أكبر شركات المعمار في البلد. وشريكه في الشركة صديق عمره يحيى الجمال، وابن عمه أحمد الجارحي. طويل، طوله حوالي 185 سم، شعره أسود بني، وعيونه عسلية برموش كثيفة، ملامحه شرقية حادة، وبشرته قمحية، جسمه رياضي ومنتظم على الرياضة يوميًا. عودة للحارة. وقف في منتصف الحارة لابس بنطال جينز وعليه قميص أسود، عيونه حمراء وأنفاسه عالية جدًا، ماسك فرد في إيده اليمين، وإيده الشمال ماسك شابًا من ياقة قميصه. اتكلم بعدما اخرج صوت من حنجرته: "اسمعوا كلكم... أوعوا تفتكروا إن البدلة والكرافتة غيرت حمزة الجن. اللي يفتكر الحارة ملهاش كبير يبقى بيكتب نهايته بإيده. وأنا طول ما أنا واقف هنا، محدش فيكم يمد إيده على بنت أو يظلم حد. واللي هيوصلني عنه شكوى... أقسم بالله هخليه يتمنى إنه ما اتولدش، وساعتها محدش هيقدر ينقذه مني." ترك الشاب بعدما ألقاه أرضًا. تحدث يحيى بصوت حاد: = يلا يا أخويا، منك ليه؟ بيتك بيتك، العرض خلص. ثم دخل خلف صديقه إلى البيت وهو يدق الباب بطريقته المعهودة: = يا خالتو، يا خالتو، صباح! تحدثت صباح من داخل المطبخ: = خش يا واد يا يحيى، خلصتوا العرض؟ كل يوم إنت والتاني. يحيى بعدما جلس على السفرة في المطبخ بجوارها: = يا خالتي، والله الهيبة بتضيع يا خالتي، لو حد من الموظفين سمعك وإنتِ بتقولي يا واد، هيبقى شكلي إيه؟ كان بيتكلم وهو بيأكل ورق العنب. صباح بخوف: = بس يا ولد، بطنك هتوجعك يا واد، استنى أما أطيبه. يحيى بعدما أخذ الطبق بيديه: = لأ يا خالتي، أنا بحبه كده. = بت يا آية، أخوكي غار على فين؟ آية بضحكة: = على السطح يا يحييي. يحيي بعدما صعد الي السطح: جن إيه يا جن؟ كل يوم عركة. إيه يا عم؟ حمزة بهدوء: = قابلت العميلة يا يحيى؟ يحيى وهو يحك رأسه بطريقة عشوائية: = يلهوووي عليك، كل شغل! كده يا عم؟ أيوه يا سيدي، قابلت البرنسيسة امبارح. = وليّة ملزقة. حمزة وهو بياخد نفس: = يخربيت ألفاظك يا جدع. المهم، خلصت معاها يعني؟ا يحيي =تعليمك يا ابني. حمزة: = طب يلا يا بكاش، عندنا شغل يا خويا. يحيى وهو يضع يده على كتف حمزة: = يلا يا كبير. في مكان آخر مختلف كل الاختلاف عن صباح اليوم في تلك الحارة، خاصة داخل فيلا الحديدي. كانت نايمة على السرير، حاطة وشها في المخدة، كاتمة صوت شهقاتها، ودموعها نازلة زي الشلال. بعد مرور عدة دقائق، قامت بكسل متجهة ناحية حمام غرفتها. وقفت قدام الحوض، ساندة بإيديها الاتنين على طرف الحوض. بصت لنفسها في المراية، عيونها حمراء. مكالمة تليفون واحدة ضيعت الحلم اللي كل بنت بتحلم بيه. بمجرد ما بصت في المراية، غطت وشها بإيديها الاتنين ورجعت لحالة البكاء الهستيري. قعدت على الأرض وهي ضامة نفسها، ساندة ضهرها على الباب. بعد مرور عدة دقائق أخرى، دقات متتالية على باب الغرفة تبعها دخول أحدهم. ثم دقات على باب الحمام، وبصوت أنثوي تحدثت امرأة في نهاية عقدها الخامس: = آسية حبيبتي، إنتِ هنا؟ قامت سريعًا من خلف الباب، ثم تحدثت بعدما أجلت حنجرتها وبللت شفتيها، محاولة إخراج صوتها طبيعيًا قدر المستطاع: = أيوه يا دادة، أنا في التواليت. = طب يا حبيبتي، هاشم بيه مستنيكي على الفطار. = ماشي يا دادة. خرجت الدادة من الغرفة، مغلقة الباب خلفها. تابعت آسية لبسها بعدما غسلت وجهها، متجنبة النظر لنفسها كي لا تعاود البكاء، ثم اتجهت إلى غرفة الملابس. أخرجت فستانًا باللون الأسود، وعليه حذاء باللون الأبيض، ولمّت شعرها على هيئة كعكة. خرجت من الغرفة، وبينما تنزل الدرج قابلت بنت عمتها. أسيل وهي تتأبط ذراعها: = صباحك نور يا قلبي. آسية وهي تبتسم بخفة: = صباح الخير يا عيوني. أسيل وهي تتابع نزول الدرج: = آه صحيح، عايزين نروح نجيب التحاليل قبل الجامعة. آسية وقد سرت قشعريرة في جسدها بأكمله: = آآ... أصلًا هما اتصلوا امبارح وقالوا كل التحاليل كويسة جدًا، الحمد لله. أسيل وهي غير مهتمة: = طب الحمد لله، مفيش داعي نجيبها. يلا، زمان الفطور برد. = آه، يلا يا قلبي. على طاولة الفطور: كان يجلس على رأس الطاولة هاشم الحديدي، رجل أعمال كبير جدًا في السوق. على يمينه زوجته ملك، وإلى جانبها ابنه فارس. بينما على يساره أخته أمل، وبجانبها ابنتها أسيل، وإلى جانبها تجلس آسية تداعب الطعام بملعقتها، فلا نفس لها للأكل. ملك بنبرة هادئة: = مالك يا آسية؟ طبقك زي ما هو. أمل بقلق: = في حاجة يا حبيبتي؟ آسية وهي تهز رأسها: = لأ يا ماما، بس ماليش نفس للأكل. هاشم بحنان: = بس يا قلب أبوكي، إنتِ ماكلتيش من امبارح. آسية بعدما قبضت على طرف الكرسي بيديها محاولة عدم البكاء والركض إلى حضن والدها: = مش عارفة يا بابي، بس أنا أكلت مع البنات بره امبارح. أسيل: = خلاص يا جماعة، أنا هأكلها، متخافوش. دي معايا برضو، دانا إيد أمينة. أمل: = والله أنا ما خايفة غير منك إنتِ. ضحك الجميع واندمجوا في أحاديث أخرى. في محطة القطار: نزلت من القطار بينما تحمل في يدها حقيبة ليست بالكبيرة. = أوف بقى، ما تحاسب يا جدع! الله، براحة، هي الدنيا هتطير؟ الرجل: = يلهوي! إيه المصورة المفتحة دي؟ = أنا مصورة يا جدع إنت. الرجل، حاسس إنها واحدة مجنونة، سابها ومشي. وقفت سيارة أجرة، فأعطته ورقة فيها عنوان. = اطلع يا أسطى على العنوان ده. بعد مرور نصف ساعة وصلت. أخيرًا نزلت بعدما دفعت له الأجرة. أول ما نزلت من التاكسي كان في يافطة مكتوب عليها "حارة الجن". افتكرت كلام عمتها عن الحارة، فبسرعة لبست عباية وحطت على وشها نقاب. واتجهت ناحية سيدة قاعدة قدام بابها. = لو سمحتي يا خالتي، فين بيت أم حنان؟ = وإنتِ مين يا أختي؟ = هو تحقيق يا خالة؟ فين بيت أم حنان؟ الست: = خلاص يا أختي، جنب بيت ابن الجمال، قدام بيت الجن. = لأ والله، على أساس إني أعرف الناس دي منين؟ = خلاص يا بنتي، هما البيتين دول مميزين في الحارة ومكتوب عليهم أساميهم، وبيت أم حنان جنب بيت ابن الجمال. = طب تسلمي يا خالة. دخلت الحارة، وفعلاً البيتين دول مختلفين كل الاختلاف عن الباقي في الشكل والمساحة، والجنينة اللي حوالين كل واحد فيهم. دقت الباب، وفتحت لها عمتها. واللي أول ما شافتها قالت: = إنتِ مين يا ست إنتِ؟ رفعت النقاب، وابتسامة كبيرة على وشها، وارتمت في حضن عمتها. = حبيبتي يا سوسو، واحشاني مووووت. = بنت الغالي، واحشاني يا بت. بعدها دخلتها وقفلت الباب. سامية بقلق: = حد شافك وإنتِ جاية؟ = لأ يا عمتو، محدش حتى لمحني. = طب الحمد لله إن محدش شافك يا بنتي. = آه يا عمتو، هو إيه الجن ده؟ أنا خفت. = اسكتي يا بنتي، الحيطان ليها ودان. كانت بتتكلم وهي تقفل الشباك وباب البلكونة. = يا عمتو، الجو حر، سيبي الشباك. = لأ يا بتي، البيت قصاد بيت الجن، أحسن يشوفك ويسأل عليكي، إحنا مش ناقصين. = والله يا عمتو إنتِ حرة، أومال فين المطبخ؟بسم الله الرحمن الرحيمحلَّ صباحٌ جديد، حمل السعادة للبعض، بينما حمل الحزن لآخرين...في الشركة...دوّى صوت يحيى في أرجاء الشركة وهو يراجع جدول مواعيده، حتى خُيّل للجميع أن الجدران ستسقط من شدة غضبه.أما غزل، فما إن ارتفع صوته، حتى أغمضت عينيها بقوة.ارتجفت يدها من جديد...الرعشة التي كانت تحاول جاهدًة إخفاءها عادت، ومعها انسابت دمعة صامتة على وجنتها.صرخ يحيى:ـ ملك!دخلت ملك مسرعة، وقد ارتسم الخوف على ملامحها.ـ أيوه يا مستر يحيى؟نظر إليها بغضب وقال:ـ إزاي جدول النهارده مليان بالشكل ده؟! وأنا منبه عليكم من امبارح إن عندي معاد مهم بالليل!في تلك اللحظة...انسحبت غزل بهدوء من قاعة الاجتماعات، واتجهت إلى الحمام دون أن يلاحظها أحد.أغلقت الباب خلفها، وأسندت يديها على حافة الحوض، وهي تحاول السيطرة على أنفاسها.فتحت صنبور المياه، وغسلت وجهها مرة...ثم مرة أخرى...حتى هدأت الرعشة قليلًا.رفعت رأسها لتنظر إلى انعكاسها في المرآة.كان وجهها شاحبًا بصورة أخافتها.أغمضت عينيها، وأسندت ظهرها إلى الباب، وأخذت نفسًا عميقًا.وفي الداخل...قالت ملك بتوتر:ـ والله يا مستر يحيى... غزل هي اللي جهزت ال
يحيى حاول يتمالك أعصابه، ورد بقلقٍ خفي:"عمتك وصّتني عليكي، وإنتِ بالنسبة ليا أمانة، ولازم أحافظ عليها... وبرضه، كنتِ فين؟"ردت غزل بتأفف:"أوف... أولًا، أكتر حاجة بكرهها هي التحكمات.ثانيًا، أنا بعفيك من المسؤولية اللي عمتو حطتها عليك.ثالثًا، كنت قاعدة على البحر.ورابعًا..."ثم أكملت بخجلٍ خفيف:"شكرًا على قلقك."اتكلم يحيى وهو بيمرر إيده في شعره:"من بكرة هعدي عليكي."وبعدها خرج فورًا.دخلت غزل الشقة، فوجدت عمتها نائمة، فغطتها، ثم أخذت شاور، وبعدها أعدّت فنجان قهوة وجلست تفكر.كانت صور كثيرة تمر في عقلها... قبو، وصراخ، وحزام.أغمضت عينيها وهي تحاول السيطرة على حالة الارتعاش التي أصابتها، وشعرت بأن أنفاسها تضيق، وكأن الماضي عاد يخنقها من جديد.أما في الخارج، فخرج يحيى ليجد أحمد وحمزة أمامه.قال حمزة باستغراب:"إنت اتجننت يا يحيى ولا إيه؟"ابتسم يحيى ابتسامة مجنونة وقال:"أنا عايز أتجوز."تبادل أحمد وحمزة نظرات الصدمة، ولم يستطع أيٌّ منهما الرد.أما يحيى، فظل يدندن وهو يقول:"هتجوز... هتجوز..."ثم دخل بيت حمزة وهو ينادي:"يا صبوحة... عايز آكل، أنا جعان يا بلد."ــــــــــــــــــــــ
حلَّ المساء على المدينة، وألقى الليل عباءته السوداء فوق كل شيء... وعلى أبطالنا أيضًا.وقفت غزل أمام البحر، تحدق في الأفق بشرود. لم تكن تملك أي رغبة في العودة إلى المنزل، كان وجهها محتقنًا من كثرة البكاء، والدموع المتحجرة داخل عينيها تخبر أي شخص يراها أنها ليست بخير.وعلى بُعد خطوات قليلة، كانت آسية تراقبها منذ دقائق، ترى انكسارها بوضوح، حتى غلب قلبها عقلها، فتقدمت نحوها بهدوء.وقفت بجانبها، فالتفتت غزل إليها، وكانت على وشك المغادرة، لكن آسية سبقتها بالكلام.آسية: ـ أمم... رايحة فين؟توقفت غزل مكانها، بينما الرياح تعبث بخصلات شعرهما.لم ترد، فأكملت آسية وهي تنظر إلى البحر:ـ على فكرة... من كام يوم بس كنت واقفة مكانك بالظبط.ابتسمت غزل بسخرية.ـ أكيد باباكي سحب منك مفتاح العربية؟ضحكت آسية ضحكة باهتة.ـ يا ريت كانت كده... والله يا ريت.اختفت السخرية من ملامح غزل.ـ آسفة... شكلي فكرتك بحاجة ضايقتك.ابتسمت آسية بحزن.ـ عادي... كل واحد فينا شايل وجع محدش يعرفه.سكتت لحظة ثم قالت:ـ تيجي نحكي لبعض؟ وكل واحدة تشوف مين فينا حكايته كانت أصعب.مسحت غزل دمعة هربت منها.ـ أنا اللي شفته لو جبل كان
خرج في نفس الوقت يحيى في اتجاه أحد الأقسام، وهو قسم المدير التنفيذي للشركة، حمزة.دخل يحيى المكتب وهو بيتكلم بصوت عالي:- يا حمزة!اتخض حمزة وقام من على المكتب بسرعة.- في إيه يا ابني؟! إيه، الشركة بتولع؟ضحك يحيى وقال ببرود:- ولا حاجة، أنا بس حبيت أطمن عليك.بصله حمزة بصدمة.- يخرب بيتك يا جدع!مسك البازة اللي على المكتب وحدفها عليه، لكن للأسف مجتش في يحيى.طلع يحيى لسانه وقال بمشاكسة:- ما جتش فيا.حمزة حط إيده على دماغه وهو بيزفر.- عايز إيه يا يحيى؟- خلاص يا عم.طلع الملف من تحت دراعه وشاور بيه.- كنت عايز أكلمك في شوية تفاصيل صغيرة بخصوص صفقة المحمدي الجديدة.اتعدل حمزة في وقفته أول ما سمع اسم الصفقة، لكن مخلاش أي رد فعل يبان على وشه.- وأنا مالي؟ ما تروح عند أحمد.- يا عم، أحمد مش في الشركة.- أومال راح فين؟ابتسم يحيى بخبث.- خرج مع القطة بتاعته.حمزة ضحك وقال:- قطة؟! يخرب بيت ألفاظك يا جدع... هات وريني الصفقة دي.فتح الملف، وبعد ما بص في الساعة قال:- بص يا حبيبي، الصفقة دي ملعبكة شوية، ومش هينفع نركز فيها دلوقتي. بالليل وإحنا قاعدين على السطح إن شاء الله نشوفلها حل.بصله ي





