أعترف أنني وقعت على قناة نبيل متنكر بالصدفة، كنت أتصفح المقاطع القصيرة قبل النوم، وفجأة ظهر لي مقطع لشخص يرتدي قناعًا ويوزع طرودًا غذائية على باعة متجولين في منطقة شعبية. في البداية ظننت أنها مجرد فعالية خيرية عادية، لكن مع الوقت أدركت أن نبيل لا يقدم مجرد مساعدات مادية، بل يقدم جرعة يومية من الأمل بطريقة غير مباشرة.
أكثر ما لفت نظري هو فلسفته في التوزيع، فهو لا يكتفي بإعطاء الحاجيات، بل يصنع مواقف كوميدية عفوية مع الناس، مثلاً مرة تنكر بزي عامل نظافة وبدأ ينظف الشارع مع أحد العمال، ثم فاجأه بهدية قيمة. هذا المزيج بين الكوميديا والعطاء يخلق طاقة إيجابية نادرة، تشعر وكأنك تشاهد فيلمًا وثائقيًا ولكن بنكهة سيت كوم.
لكن الأعمق من ذلك، المشاهدون بدأوا يتفاعلون معه بطريقة لم أتوقعها صراحة، صار هناك مجتمع كامل حول هذه الشخصية المتنكرة، ناس تتطوع لتساعد في التوزيع، وآخرون يرسلون اقتراحات لحالات تستحق المساعدة. هذا التحول من مجرد مقطع ترفيهي إلى حركة اجتماعية حقيقية شيء مذهل. صرت أدمنت انتظار كل فيديو جديد لأرى أي شخصية سيقتحم نبيل هذا الأسبوع، وبأي طريقة مبتكرة سيغير يوم شخص محتاج.
أنا متابع شغوف لأعمال نبيل المتنكر منذ أول مرة شاهدت فيها مسلسله القصير 'ظل الريح' على منصة الأنمي، وبصراحة، الإتقان اللي لاحظته في الرسم والتأليف خلاني أدق بحث عن الجوائز اللي حصل عليها. طلع فاز بجايزة 'أفضل أنمي مستقل' في مهرجان الشرق الأوسط للرسوم المتحركة سنة 2021، وكانت منافسة قوية مع أعمال عالمية. بعدها بسنتين، في مهرجان القاهرة الدولي للأنمي، كسب جايزة 'أفضل قصة أصلية' عن فيلمه القصير 'آخر رسالة'. اللي يخليني أتأكد إن هالجوائز مهمة هو إنها مش بس شهادات تقدير، لكنها فتحت له مجال إنه يتعاون مع استوديوهات يابانية صغيرة، وبدأوا يترجمون أعماله للغة الإنجليزية. أنا فخور إنه يمثل جيل جديد من المبدعين العرب اللي يوصلون للعالمية بأعمالهم المستقلة.
أما بالنسبة للروايات، فنبيل كمان له إصدارات مطبوعة زي رواية 'عرق الجليد' اللي ترشحت لجايزة البوكر العربية في فئة الشباب، وما قدروش يفوز بالجايزة لكن مجرد الترشيح خلاه يدخل قوائم الأكثر مبيعًا في معارض الكتاب بالسعودية والإمارات. في الحقيقة، إحدى قصصه القصيرة فازت بجايزة 'القلم الذهبي' في مسابقة أدبية أونلاين، وكانت قصته عن صبي يبحث عن والده في عالم افتراضي. بالنسبة لي، هالجوائز تعكس مدى عمق أفكاره وقدرته على المزج بين الخيال العلمي والواقع العربي.
شفت مسلسل 'الاختيار' قبل كذا وحسيت إن فكرة البطل النبيل المتنكر تطورت بشكل مختلف كل مرة.
في البداية، كان الشخصية تظهر كمجرد غطاء — شخص عادي يتخفى بهدف محدد، لكن مع الحلقات بدأ ينكشف إن القناع ده مش مجرد قناع فعلي، لكن انعكاس لصراع داخلي. مثلاً، كان البطل يضطر يتصرف بشكل ضعيف أو بليد قدام الناس، وده خلاني أتساءل: هل فعلاً هو كده ولا مجرد تمثيل؟
لما وصلت الحلقة العاشرة تقريباً، اكتشفت إن الشخصية بدأت تتغير — التخفي خلاه يواجه جوانب من نفسه كان مخبيها. المهم أن التطور مش كان مجرد اكتشاف هويته الحقيقية، لكن كيف استخدم التخفي ليتعلم التواضع وفهم طبيعة البشر اللي حواليه. النهاية كانت قوية لأنه اختار يظهر على حقيقته لكن مع دروس من فترة التخفي.
أعشق فكرة البطل النبيل المتنكر، خصوصاً لما فيها من عمق درامي.
أكثر ما أثار فضولي هو شخصية 'Zorro'، البطل المقنع الذي دافع عن الفقراء في كاليفورنيا الإسبانية. كنت أعتقد دائماً أنها مجرد قصة خيالية، لكنني تفاجأت عندما علمت أن إلهام الكاتب جونستون ماكولاي جاء من شخصية حقيقية! هناك رجل يدعى خوان باوتيستا دي أنزا، مستكشف وجندي، لكن الجانب المظلم والمغامر في زورو استلهم أيضاً من قصص 'سالتايو'، وهو لص نبيل عاش في المكسيك في القرن التاسع عشر.
لطالما أدهشني كيف يمزج هذا البطل بين الظل والنور. أحب مشاهدة أفلام 'The Mask of Zorro' حيث أنطونيو بانديراس يجسد تلك الروح المتمردة. الجانب الأهم هو أن زورو لم يكن مجرد منتقم، بل كان رمزاً للأمل في وجه الظلم.
أعتقد أن الدافع الأعمق لهذا النوع من الشخصيات هو البحث عن 'الحرية الحقيقية'.
إذ يضع النبيل قناع العامي أو المغامر المجهول، فهو يخلع أعباء اسمه وعائلته وتوقعات المجتمع. في 'The Count of Monte Cristo' مثلاً، إدموند دانتيس لا ينتقم فقط، بل يعيد تعريف نفسه خارج السجن الاجتماعي.
جمال هذا التمويه أنه يكشف الصراع الداخلي بين الواجب والرغبة الشخصية. النبيل عادة ما يكون محصوراً بالقواعد، لكن تحت القناع يستطيع أن يفعل ما يمليه عليه قلبه دون حسابات الطبقة. أتذكر رواية 'The Princess Bride' ويستلي، الذي تنكر كقناع لإنقاذ حبه، وهنا يتحول الدافع من الشرف إلى العاطفة الجياشة.
بالنهاية، أجد أن هذا النوع من الحبكات يمنح القارئ شعوراً بالتمرد الجميل. إنه يقول أنه حتى أكثر الأشخاص تقييداً يمكنه أن يكون حراً، ولو للحظة. وهذا ما يجعلني أبحث دائماً عن هذه القصص في رفوف مكتبتي.
أهلاً بكم يا رفاق! والله قصة المقابلة الأخيرة لـ نبيل متنكر كانت غريبة جداً وممتعة في نفس الوقت. صراحةً، أنا من أشد المعجبين به وبأسلوبه الكوميدي، لكن أحدث ظهور له فاجأني – مكان المقابلة كان داخل سيارة أجرة قديمة مهترئة في وسط القاهرة! تخيلوا معي، هو شخص معروف بحركاته المثيرة، وهناك جالس في الكرسي الخلفي لسيارة تاكسي صفراء، والمذيع جالس في الأمام جنب السواق! السواق نفسه كان جزءاً من المقابلة، يتدخل بين الحين والآخر بإفيهات شعبية، ومرة وقف في إشارة حمراء وبدأ يغني مع نبيل أغنية 'نور العين'، وكلهم ضحكوا حتى كادت السيارة ترتج. المكان ده أضاف روح تلقائية جداً، لأن نبيل معروف بحبه للأماكن غير المتوقعة، وهو دايم يقول إنه يكره الاستوديوهات المغلقة والبروتوكولات. بعد السيارة، نزلوا في منطقة شعبية واشتروا فول وطعمية من عربة شارع، والمذيع حاول ياكل وهو بيتكلم فصار موقف مضحك حقيقي. أكثر شيء عجبني هو أن المقابلة صورت بكاميرا محمولة باليد، بدون فلاتر ولا إضاءة صناعية، فكانت طبيعية ١٠٠٪. نبيل قال في النهاية: 'الشارع هو أجمل استوديو.' والله أتفق معه، لأنه خلاني أحس إني واقفة في الشارع معاهم، لا إعلانات ولا تكلف. إذا حبيتو تشوفوها، اسمها 'متنكر في التاكسي: لقاء السواق وفول الطعمية'. أنا ضحكت من قلبي، خصوصاً لما السواق قال لنبيل: 'إنت غبي بس حلو!' رد نبيل: 'أنا غبي حلو؟ دي أحلى شتيمة سمعتها بحياتي.'
أعرف أن الكثيرين يركزون على الأكشن والانتقام في قصص الأبطال المتنكرين، لكن ما يشدني حقاً هو الطبقات المخفية تحت القناع. خذ مثلاً مسلسل 'الكونت دي مونت كريستو'، إدموند دانتس ما كان مجرد رجل يبحث عن الثأر، وراء كل خطة محكمة وكل ضحكة ساخرة، هناك شاب بريء سُجن ظلماً لأربعة عشر عاماً. هذا الماضي المؤلم لم يغير فقط ملامح وجهه، بل شوه نظرته للعالم بأكمله.
الأجمل بالنسبة لي هو كيف تحول إدموند من شخص مفعم بالأمل إلى كائن غامض يحسب كل خطوة. كل لقاء مع أعدائه السابقين يكشف طبقة أعمق من جراحه، تفاصيل صغيرة مثل تذكره لطعام والدته أو رائحة ميناء مرسيليا تجعل الماضي حياً. هذا التناقض بين كرمه الظاهري وقلبه المليء بالحقد يجعلني أتساءل: هل الانتقام حقاً يمحو الألم؟ ربما السر الأعمق هو أن الماضي لا يختفي أبداً، حتى تحت أثقل الأقنعة.