أعترف أنني وقعت على قناة نبيل متنكر بالصدفة، كنت أتصفح المقاطع القصيرة قبل النوم، وفجأة ظهر لي مقطع لشخص يرتدي قناعًا ويوزع طرودًا غذائية على باعة متجولين في منطقة شعبية. في البداية ظننت أنها مجرد فعالية خيرية عادية، لكن مع الوقت أدركت أن نبيل لا يقدم مجرد مساعدات مادية، بل يقدم جرعة يومية من الأمل بطريقة غير مباشرة.
أكثر ما لفت نظري هو فلسفته في التوزيع، فهو لا يكتفي بإعطاء الحاجيات، بل يصنع مواقف كوميدية عفوية مع الناس، مثلاً مرة تنكر بزي عامل نظافة وبدأ ينظف الشارع مع أحد العمال، ثم فاجأه بهدية قيمة. هذا المزيج بين الكوميديا والعطاء يخلق طاقة إيجابية نادرة، تشعر وكأنك تشاهد فيلمًا وثائقيًا ولكن بنكهة سيت كوم.
لكن الأعمق من ذلك، المشاهدون بدأوا يتفاعلون معه بطريقة لم أتوقعها صراحة، صار هناك مجتمع كامل حول هذه الشخصية المتنكرة، ناس تتطوع لتساعد في التوزيع، وآخرون يرسلون اقتراحات لحالات تستحق المساعدة. هذا التحول من مجرد مقطع ترفيهي إلى حركة اجتماعية حقيقية شيء مذهل. صرت أدمنت انتظار كل فيديو جديد لأرى أي شخصية سيقتحم نبيل هذا الأسبوع، وبأي طريقة مبتكرة سيغير يوم شخص محتاج.
أهلاً بكم يا رفاق! والله قصة المقابلة الأخيرة لـ نبيل متنكر كانت غريبة جداً وممتعة في نفس الوقت. صراحةً، أنا من أشد المعجبين به وبأسلوبه الكوميدي، لكن أحدث ظهور له فاجأني – مكان المقابلة كان داخل سيارة أجرة قديمة مهترئة في وسط القاهرة! تخيلوا معي، هو شخص معروف بحركاته المثيرة، وهناك جالس في الكرسي الخلفي لسيارة تاكسي صفراء، والمذيع جالس في الأمام جنب السواق! السواق نفسه كان جزءاً من المقابلة، يتدخل بين الحين والآخر بإفيهات شعبية، ومرة وقف في إشارة حمراء وبدأ يغني مع نبيل أغنية 'نور العين'، وكلهم ضحكوا حتى كادت السيارة ترتج. المكان ده أضاف روح تلقائية جداً، لأن نبيل معروف بحبه للأماكن غير المتوقعة، وهو دايم يقول إنه يكره الاستوديوهات المغلقة والبروتوكولات. بعد السيارة، نزلوا في منطقة شعبية واشتروا فول وطعمية من عربة شارع، والمذيع حاول ياكل وهو بيتكلم فصار موقف مضحك حقيقي. أكثر شيء عجبني هو أن المقابلة صورت بكاميرا محمولة باليد، بدون فلاتر ولا إضاءة صناعية، فكانت طبيعية ١٠٠٪. نبيل قال في النهاية: 'الشارع هو أجمل استوديو.' والله أتفق معه، لأنه خلاني أحس إني واقفة في الشارع معاهم، لا إعلانات ولا تكلف. إذا حبيتو تشوفوها، اسمها 'متنكر في التاكسي: لقاء السواق وفول الطعمية'. أنا ضحكت من قلبي، خصوصاً لما السواق قال لنبيل: 'إنت غبي بس حلو!' رد نبيل: 'أنا غبي حلو؟ دي أحلى شتيمة سمعتها بحياتي.'
لا أستطيع أن أنسى كيف ركّزت الكاميرا على المعطف المعلق قرب المدخل قبل أن تقطع إلى وجهه—هذا ما أقنعني أن المتنكر وضع رسالة التحذير داخل بطانة المعطف نفسه. أثناء المشهد الأخير، لاحظت لمسة سريعة باليد على البطانة قبل أن يترك المكان، وحركة اليد كانت كأنها تضمن شيئًا ما لا يريد أن يراه الآخرون فورًا. كما أن اختيار هذا المكان منطقي من وجهة نظر السرد: المعطف رمز للهوية المتخفية، وبطانته مكان خاص ومأمون، يسمح للمتنكر بوضع الرسالة دون أن يلفت الانتباه في العلن.
تفصيلًا، أُقنعت أكثر عندما تذكرت لقطات قريبة للدرز والخيط، والضوء الذي يتلألأ على النسيج بطريقة أبقتنا نستنشق تفاصيل المشهد بدلاً من الإبهار البصري. تخيلت أن المتنكر دخل إلى المشهد، لمس المعطف كجزء من طقسه، وشقَّ جزءًا صغيرًا من البطانة ليخفّي ورقة رفيعة هناك. هذا يفسّر لماذا بقى البطل هادئًا قليلًا قبل أن يفتح المعطف لاحقًا؛ كان يعلم ضمنيًا أن شيئًا مهمًا مخبأ هناك لكنه لم يفتح المكان إلا عندما اقتنع بأنه آمن.
من ناحية رمزية، وضع الرسالة داخل بطانة المعطف يحمل طابعًا مزدوجًا: رسالة تحذير مخفية في قلب ما يخفي الهوية الحقيقية، وكأن التحذير نفسه ينتمي إلى عالم الخفاء. كما أن هذا الاختيار يمنح المشهد طاقة خاصة عند إعادة المشاهدة—تفاصيل صغيرة تظهر لاحقًا وتربط الأحداث السابقة بالختام، وتبقى لديك رغبة في فحص المشاهد ثانية لالتقاط الإيحاءات.
أخيرًا، أحب أن أفكّر أن هذا التصرف يعكس حنكة المتنكر؛ ليس مجرد إخفاء ورقة، بل صنع لحظة درامية صغيرة تخدم السرد وتمنحنا متعة التفكيك. بالنسبة لي، هذه الحيلة البسيطة أعطت المشهد نكهة ذكية ومرضية أكثر من أن يُترك الأمر في العلن، وبقيت أكرر في رأسي لقطات المعطف كلما فكّرت في النهاية.
أنا متابع شغوف لأعمال نبيل المتنكر منذ أول مرة شاهدت فيها مسلسله القصير 'ظل الريح' على منصة الأنمي، وبصراحة، الإتقان اللي لاحظته في الرسم والتأليف خلاني أدق بحث عن الجوائز اللي حصل عليها. طلع فاز بجايزة 'أفضل أنمي مستقل' في مهرجان الشرق الأوسط للرسوم المتحركة سنة 2021، وكانت منافسة قوية مع أعمال عالمية. بعدها بسنتين، في مهرجان القاهرة الدولي للأنمي، كسب جايزة 'أفضل قصة أصلية' عن فيلمه القصير 'آخر رسالة'. اللي يخليني أتأكد إن هالجوائز مهمة هو إنها مش بس شهادات تقدير، لكنها فتحت له مجال إنه يتعاون مع استوديوهات يابانية صغيرة، وبدأوا يترجمون أعماله للغة الإنجليزية. أنا فخور إنه يمثل جيل جديد من المبدعين العرب اللي يوصلون للعالمية بأعمالهم المستقلة.
أما بالنسبة للروايات، فنبيل كمان له إصدارات مطبوعة زي رواية 'عرق الجليد' اللي ترشحت لجايزة البوكر العربية في فئة الشباب، وما قدروش يفوز بالجايزة لكن مجرد الترشيح خلاه يدخل قوائم الأكثر مبيعًا في معارض الكتاب بالسعودية والإمارات. في الحقيقة، إحدى قصصه القصيرة فازت بجايزة 'القلم الذهبي' في مسابقة أدبية أونلاين، وكانت قصته عن صبي يبحث عن والده في عالم افتراضي. بالنسبة لي، هالجوائز تعكس مدى عمق أفكاره وقدرته على المزج بين الخيال العلمي والواقع العربي.
أجمع الأدوات قبل أن أبدأ دائماً؛ بالنسبة لصنع قناع متقن، أحب أن أرتب كل شيء لأن التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق. أول ما أستخدمه هو ورق نمط أو ورق تتبع لرسم القالب — أرسم الشكل على مقاس وجهي وأعدل حتى يتناسب. بعد ذلك أقطع القطع من رغوة EVA بسكاكين حرفية حادة ومسطرة فولاذية على لوحة قطع، لأنّي أحتاج حواف نظيفة. الملقاط الحراري (heat gun) يصبح صديقي لتشكيل الرغوة وتعقيمها قليلًا، ثم ألزق القطع ببلاط لاصق Contact Cement أو غراء سيليكون ساخن لتثبيت الطبقات.
للتشطيب أستخدم ماكينة دوارة مثل Dremel لتنعيم الحواف وفتح تفاصيل صغيرة، ثم صنفرة بأوراق صنفرة متدرّجة. قبل الطلاء أدهّن القناع بطبقة أساس مثل Plasti Dip أو برائمِر مُعبأ بالفيلر لملء الفجوات، وبعدها أطبّق ألوان الأكريليك أو أحيانًا أستخدم أيربَرش للنتيجة الأنعم. للتثبيت النهائي أركّب حشوات داخلية من إسفنج لراحة الارتداء، وأضيف أحزمة مرنة ومشابك أو أربطة مصممة لتوزيع الوزن.
طبعاً لا أنسى أدوات السلامة: قناع تنفّس عند الطلاء، ونظارات، وقفازات. وأحياناً استعين بمواد بديلة مثل فلين (EVA) أو فو بوندو (Bondo) لتشكيل التفاصيل الصلبة أو راتنج إيبوكسي لتقوية أجزاء معينة. كل قناع يحتاج مزيجًا من أدوات القطع، التشكيل، اللصق، والتشطيب — وهذه مجموعتي المفضلة عندي، ومع كل قطعة أتعلم حيلة جديدة تجعل القناع يبدو أقرب للخيال.
تخيّل معي موقفًا يحدث في ساحة المدرسة ويثير القلق؛ هذا هو السياق الذي يدفع الإدارة للتحرك سريعًا وواضحًا. عندما أرى مدرسة تتعامل مع متنمر، ألاحظ أولًا تأمين سلامة الضحية على الفور: فصل الأطراف المعنية، نقل الطالب المتعرض للمضايقة إلى مكان آمن، والتأكد من عدم وجود تهديد فوري. بعدها تبدأ إجراءات التوثيق؛ أحرصُ على كتابة إفادات الشهود، جمع أي رسائل أو لقطات شاشة أو تسجيلات، وتدوين الزمان والمكان بدقة لأنها تصبح مرجعًا مهمًا في التحقيق.
بعد ذلك، يتم فتح تحقيق رسمي بمشاركة مشرف أو مستشار المدرسة. أجد أن المدارس الجيدة تُجري مقابلات مع كل طرف بهدوء وبطريقة تضمن السرية قدر الإمكان لحماية الجميع من تصعيد الموقف. تُستدعى أسر الطلاب عادةً لإطلاعهم وإشراكهم، مع تقديم خطط دعم نفسية لكلٍ من الضحية والمعتدي عند الاقتضاء. في كثير من الحالات تُطبّق عقوبات تأديبية تصاعدية: تنبيه شفهي أو كتابي، جلسات إصلاح سلوكي، حجز أو تعليق مؤقت، وقد تصل إلى نقل أو طرد نهائي في الحالات الخطيرة أو المتكررة.
أهم ما لاحظته أيضًا هو أن المدرسة لا تكتفي بالعقاب فقط؛ بل تحاول إصلاح السلوك عبر برامج توعية، وساطات صلح مجتمعية، وتعاقدات سلوكية يوقعها الطالب وأهله؛ كما تُتبع خطط متابعة لمراقبة تحسّن السلوك وتقديم تقارير دورية. وفي حالات التنمر الإلكتروني تتعامل الإدارة بالتوازي مع مشرفي المنصات أو بحجب المحتوى وإبلاغ أولياء الأمور والجهات المختصة. هذا التوازن بين الحماية، التحقيق، والعلاج هو ما يطمئنني عندما أرى فرض قواعد واضحة وصارمة في المدرسة.
أتذكر موقفًا في المدرسة جعلني أفهم جانبًا مظلمًا من التنمر لم أكن أراه سابقًا. كنتُ أتابع مجموعة من الفتيان الذين يستهزئون بزميلهم باستمرار، ورغم أن المدير فرض عقوبات متقطعة، استمرت التصرفات. في رأيي، العقاب وحده يعالج العرض لا السبب، فالمتنمر يحصل على مكافآت اجتماعية -ضحك الزملاء، شعور بالسيطرة- وهذه المكافآت تُقوّيه أكثر من أن تخيفه عقوبة متقطعة.
أيضًا لاحظت أن كثيرًا من المتنمرين يفتقرون إلى أدوات للتعامل مع إحباطاتهم؛ الأسرة المتوترة أو نموذج عنيف في البيت أو توقعات مبالغ فيها يمكن أن تجعل الشخص يتصرف بعنف ليطلق ضغطًا داخليًا. العقاب الذي لا يتبع منهجًا إصلاحيًا لا يعلّم مهارات جديدة، بل يجعل السلوك أكثر خفاءً ودهاءً. بالإضافة إلى ذلك، العقاب العلني قد يمنح المتنمر «سمعة» في عيون أقرانه، مما يحوله إلى بطل سلبي داخل مجموعة تُقدر القوة.
من تجربتي، الأفضل أن يترافق العقاب مع تدخلات علاجية وتغيير ثقافة الصف: برامج لتعليم التعاطف، فرص لإصلاح الضرر عبر حوار يقوده الطرفان، ودعم مستمر للضحية. يجب أن تكون العقوبات حازمة ومتسقة، لكن لا تكفي بدون محاولة فِهم الدوافع وإعادة تأهيل، لأن العقاب وحده يشبه قطع فرع شجيرة من دون علاج الجذور، وفي النهاية سيعود السلوك إن لم نغير البيئة والعلاقات. هذه هي الخلاصة التي بقيت معي بعد رؤية آثار التنمر من قرب.
كنت أتأمل أعمال المخرج نبيل متنكر مؤخرًا، ووجدت أن تعاوناته مع المخرجين تتنوع بشكل مثير. في فيلمه الأول 'خلف الأبواب'، تعاون مع المخرج القدير هاني لاشين، وكان هذا المشروع بمثابة نقطة انطلاق حقيقية له. لاحظت كيف أن تلك التجربة المبكرة علمته الكثير عن الإيقاع السينمائي وبناء المشاهد.
لاحقًا، اندهشت عندما اكتشفت تعاونه مع المخرج الشاب سامح عبد العزيز في فيلم 'أحلام المدينة'. هذا الثنائي قدم شيئًا مختلفًا تمامًا، حيث مزجا بين الواقعية والخيال بشكل لم أره من قبل. ما جذبني حقًا هو كيف استطاع نبيل أن يتكيف مع أسلوب كل مخرج، فمع لاشين كان التركيز على التفاصيل الإنسانية، بينما مع عبد العزيز كان هناك جرأة في التجريب.
فيلم 'الزمن الضائع' كان محوريًا في مسيرته، حيث تعاون مع المخرج المخضرم يوسف شاهين. هذا العمل أظهر نضجًا فنيًا كبيرًا، وشعرت أن نبيل استفاد كثيرًا من خبرة شاهين في معالجة القضايا المجتمعية. الأجمل أنه بعد هذه التجارب، بدأ نبيل يطور بصمته الخاصة، لكنه ظل دائمًا يحافظ على روح التعاون مع مخرجين من أجيال مختلفة، مما جعل مسيرته غنية ومتنوعة.