أترى، عندما أفكر في الأمر، أجد أن بطلات الفانتازيا يقدمن نموذجًا مختلفًا تمامًا عما اعتدنا عليه في القصص الواقعية. مثلاً، في رواية 'The Poppy War' أو مسلسل 'The Legend of Korra'، البطلة ليست مجرد شخصية تمر بمشاكل عادية، بل تواجه تحديات كونية وصراعات داخلية عميقة. هذا يمنح القارئات مساحة لتخيل أنفسهن في مواقف استثنائية، بعيدًا عن القيود اليومية.
بالنسبة لي، شخصية مثل 'Ciri' من سلسلة 'The Witcher' أو 'Furiosa' من 'Mad Max' تمثل شجاعة حقيقية ليس لأنها تقاتل وحوشًا، بل لأنها تتعلم كيف تتحكم بمصيرها رغم كل الظروف. في مجتمعاتنا العربية، غالبًا ما تُختزل النساء في أدوار محددة، لكن الفانتازيا تعطينا فرصة لرؤية نساء يخترن طريقهن الخاص، سواء كان بالقوة أو بالسحر أو بالدهاء.
الأجمل أن هذه القصص تظهر أن القوة ليست جسدية فقط، بل عقلية وعاطفية أيضًا. شخصية مثل 'Senua' من لعبة 'Hellblade' تعلمنا أن الخلل النفسي ليس ضعفًا، بل قد يكون مصدر قوة. لهذا أعتقد أن البطلات الخياليات يتركن أثرًا عميقًا، لأنهن يذهبن إلى حيث لا تستطيع النساء العاديات الذهاب في الحياة الحقيقية - إلى أراضي المجهول والمستحيل.
أمسكتني إحدى صديقاتي بتساؤل مشابه قبل أسابيع، وأذكر أنني شرحت لها كيف أن تطور بطلات الفانتازيا في الروايات الطويلة يشبه رحلة بناء جسر من الخشب الحساس.
في البداية، أجد أن الكتّاب الماهرين يبدأون بتقديم البطلة في حالة هشاشة أو جهل، لكن مع تقدم الحبكة، تتراكم لديها الخبرات مثل حلقات شجرة البلوط. خذ مثلاً 'سيركا أوف ذا إيست'، حيث تبدأ البطلة كفتاة قروية لا تعرف شيئاً عن العالم، لكن الكاتب يضعها في مواقف تجبرها على اتخاذ قرارات صعبة، فتتحول من مجرد متفرجة إلى صانعة مصير.
لكن ليس كل الطرق ممهدة، بعض الكتّاب يقعون في فخ جعل البطلة 'قوية جداً' بسرعة، مما يقتل متعة التطور. ما يميز السرد الطويل هو أن الكاتب يملك مساحة لبناء بطلة غير مثالية، تتعثر وتنهض، وتتعلم من أخطائها ببطء. من المثير حقاً متابعة كيف تتحول البطلة من شخصية ثنائية الأبعاد إلى إنسانة بطبقات متعددة، تتفاعل مع العالم بطرق غير متوقعة.
من أكثر ما يشدني في عالم الفانتازيا هو رؤية بطلة تواجه صراعاتها الداخلية بنفس قوة مواجهتها للوحوش. في رواية 'The Poppy War'، رين شخصية محطمة نفسياً، تتعامل مع صدمات الحرب والهوية، وهشاشتها النفسية تجعل كل قرار لها مأساوياً وحقيقياً.
أما في المانغا، فأجد 'The Witch Hat Atelier' تقدم كوّيكو بطلة فضولية تكتشف السحر، لكن عمقها النفسي ينبع من شكوكها الأخلاقية وقلقها من إيذاء الآخرين بقواها.
الأمر لا يقتصر على الكتب، ففي الأنمي 'The Garden of Sinners'، شيكي ريوغي تعاني من ازدواجية الهوية وذكريات مؤلمة، مما يجعل كل تحركاتها محملة بثقل نفسي. هذه الأعمال تجعل القارئ يعيش داخل رأس البطلة، لا مجرد مشاهدة مغامراتها.
من بين كل البطلات اللي صادفتها في روايات الفانتازيا الحديثة، ما في واحدة أثرت فيني زي 'ماريانا' من ثلاثية 'The Drowning Empire'. البطلة هناك مش مجرد فتاة خارقة تقاتل الوحوش، لا، هي شخصية معقدة تعاني من ضعف جسدي ومرض مزمن، لكنها تستخدم ذكاءها الحاد وعزيمتها الصلبة للتغلب على العقبات. الأجمل إن تطورها النفسي حقيقي جدًا، تبدأ كشخصية خجولة ومترددة، لكنها تتحول تدريجيًا لقائدة جريئة دون أن تفقد إنسانيتها.
حبكة الرواية نفسها ممتعة، تجمع بين السياسة والسحر والعلاقات المعقدة، لكن ماريانا هي اللي تخلِّي القصة لا تُنسى. أنا شخصيًا أحب هذا النوع من البطلات اللي يحاربون من الداخل والخارج، اللي يظهرون قوتهم في اللحظات الهادية مش بس في المعارك الصاخبة. إذا تحب شخصيات واقعية حتى في عالم خيالي، هالبطلة تستحق القراءة.