ANMELDENكرّست حياتها لله... وكرّس حياته للدم والنار. لكن حين تصادما، احترقت السماء واهتزّ الجحيم. ماكسيمليان دي لوكا، أخطر زعيم مافيا في إيطاليا، لا يعرف الرحمة. وُلد من رحم الجريمة، ونشأ في حضن الخطيئة. يحكم عالمًا لا يؤمن بالحب... ولا ينجو فيه الطاهرون. أما كاترينا، فقد دفنت ماضيها بين جدران الدير، واختارت طريق النقاء. لكن كل شيء انهار في ليلة واحدة، حين خبّأت هاربًا في غرفتها... ولم تكن تعلم أن ماكس هو من سيطرق بابها، لا لينقذها، بل لينتقم منها. كان يجب أن يكسرها. لكنه احترق بها. وكانت بداية هوسٍ... لا يعرف سوى الهلاك. هو لا يعرف الحب. وهي لا تعرف الخيانة. لكن حين يولد الشغف من رحم الانتقام... أيّهما سيُنقذ الآخر؟ وأيهما سيكون خطيئة الآخر الأخيرة؟
Mehr anzeigenكاترينا مورن
انتهيت لتوي من تلاوة صلواتي الصباحية، وقبّلتني الأم ماري ببركتها كعادتها، فغمرني دفء غريب، كما لو أن الرب نفسه قد طبع قبلته على جبيني. أنهيت تنظيف الدير بخفة وطمأنينة تسلّلت إلى صدري دون جهد.
عدت إلى غرفتي بخطًى هادئة، يرافقني شعور بالسكينة، تخيلتني أستحمّ ثم أدرس قليلاً. اعتدت أن أكرّس وقتي للعلم، وكنت أتهيأ أخيرًا للرحيل إلى إيطاليا... هناك سأعيش في إحدى دور الرهبنة، راهبة رسمية. كم حلمت بهذا اليوم، وها هو يقترب.
كرّست حياتي للرهبنة منذ أن فتحت عيناي على هذا العالم. لم يكن لي مكان فيه بدايةً، فقد وُلدت في عالم لم يردني. تركتني والدتي أمام بوابة الدير وهربت، وهناك... وجدتني الأم ماري واحتضنتني بعاطفة أمومية صادقة. علمتني، رعتني، ورافقتني في كل مراحل حياتي. كل شيء فيّ تشكّل داخل هذا الدير؛ شهادتي، إيماني، حتى طريقتي في التنفس. فرصة السفر كانت بمثابة مكافأة إلهية، فشعرت بامتنان لا تسعه الكلمات.
عندما دخلت غرفتي، شعرت بشيء يتحرك... خربشة خفيفة، بالكاد تُسمع، لكنها كانت كافية لتوقظ قشعريرة في عمودي الفقري. تجمّدت، وكل شيء داخلي ارتبك. قبضت على إحدى العصي الموضوعة بجانب الخزانة، أصابعي كانت ترتجف، وقلبي ينبض بسرعة، حتى شعرت أنه يضرب في حلقي. حاولت أن أُقنع نفسي بأنها قطة، دخلت عبثًا، فبدأت أبحث بحذر... رمشات عيني تسارعت، وأنفاسي خرجت متقطعة دون إرادتي.
ثم... حدث كل شيء دفعة واحدة.
ذراعان قويتان أحاطتا بي من الخلف، وقُطعت أنفاسي بأنفاس مذعورة خرجت من أنفي رغماً عني. حاولت أن أتحرر، لكن قبضته كانت من حديد.
كمّم فمي بيده، وجسده كان يرتجف، وسمعت صوته يهمس في أذني، صوته منخفض، مضطرب، ومبحوح بتعب وخوف: "لا تخافي، لن أؤذيك... لم آتِ هنا بنية أذيتك، بل أحتاج ملجأ لبعض الوقت... أرجوكِ."
تجمّدت في مكاني. لم أستطع حتى أن أتنفس بشكل طبيعي. شعرت بأن الهواء علق في صدري. ثم فجأة، أبعد يده عن فمي وتراجع خطوة. التفت إليه ببطء، لا لشيء سوى أن أعرف من هو. كان شابًا، في منتصف العشرينات، وجهه شاحب، عيناه مشتعلة بهلع مرهق، ثيابه ملطخة بالدماء، كأنه خرج تواً من الجحيم. أنفاسه العالية المتقطعة أفزعتني، وكان يحاول عبثًا أن يسيطر على نفسه.
ابتلعت ريقي، وشفتيّ ترتجفان. نظرت إليه بعين حذرة، لم تكن قاسية، فقط... مرعوبة. ومع ذلك، صوتي خرج متماسكًا، ربما لأني كنت أحاول أن أبدو قوية أمامي أكثر مما أحاول طمأنته: "ما الذي تريده؟ ولماذا تختبئ هنا في غرفتي؟"
رفع رأسه نحوي، وكان صوته خافتًا كأنه يتوسل حياة: "هل نستطيع الجلوس والتحدث قليلاً؟"
أومأت برأسي ببطء، ولم أترك العصا من يدي. جلست في أقصى طرف الغرفة، وهو جلس قبالتي، وبيننا هواء مثقل بالريبة والقلق. تبادلنا نظرات صامتة، عينيّ مشدودتان إلى ملامحه المرتبكة، بينما هو يحاول تهدئة أنفاسه، وضغط بكفيه على فخذيه، كمن يمنع نفسه من السقوط.
بعد لحظة، تجرأت أن أتكلم. قلت بصوت منخفض، يلفه توتر خفيف: "أنا كلي آذان صاغية."
تنهد تنهيدة ثقيلة، بدا لي وكأنه يُسقط بها وزناً هائلاً من صدره. ثم قال، وصوته كان كمن يبكي دون دموع.
"اسمي روبرتو ماليني، وأنا إيطالي الجنسية... تعرضت عائلتي للإبادة من قبل أحد رجال المافيا الإيطالية... خسرت أبي وإخوتي وزوجتي، وكذلك طفلي الرضيع... حياتي لم يعد لها معنى، وقررت الانتقام منه. انتظرت الفرصة، وحين غادر إلى جورجيا، اغتنمت اللحظة، وتمكنت من إطلاق النار عليه. لا أعلم إن كان مات... لكن ما أعلمه هو أنني الآن مطارد. وجدتني عيونه، ابنه بالتبني، شيطان على هيئة بشر... إنّه أسوأ من أبيه ألف مرة."
توقف قليلاً. عيناه لمعتا بدموع قاسية، لكنها لم تسقط. كأنه كان يُقاومها بمنتهى الكرامة. همس مجددًا، بصوت اختنق في حلقه: "هربت وهربت، لكنهم دائمًا ما يجدونني... لا يهمني الموت، ما دمت قد خسرت كل من أحب، لكني لا أريد الموت على يد من قتلهم... أفضّل أن أحترق في الجحيم على أن أمنحه هذه السعادة."
خفض رأسه للحظة، ثم نظر إليّ، في عينيّ، بصوت مرتجف بين رجاء وخوف: "اختبأت في بيت الرب متأملاً المساعدة... وأرجو ألا تخذليني، أختي."
وقفت الكلمات في حلقي. شعرت بضيق، ودمعة خفيفة تجمعت في زاوية عيني. لم أعرف إن كانت لأجله أم لأني رأيت فيه شيئًا يشبهني. مددت يدي نحوه، ببطء، خائفة، مرتبكة، حتى تلامست أصابعي بأطراف يده المرتعشة.
قلت، بصوت ناعم، فيه حزن مشفق: "أنا حقاً آسفة لما حصل لك، سيدي... لا أستطيع حتى تخيل أن في عالمنا أناساً بهذا الشر. أتمنى من الرب أن يهديهم إلى الطريق الصحيح... سأساعدك بكل ما أستطيع، لا تقلق."
أغلقت الباب خلفي بإحكام، وتسللت نظرة قلقة مني نحو الممر. تسارعت خطواتي نحو الأم ماري، وكلماتي كانت تتلعثم في فمي، وأنا أرجوها أن تصغي.
تنهدت الأم ماري، بعينيها الحكيمتين، وقالت بصوت هادئ فيه حزم لا يُناقش: "بما أنه جاء إلينا، فهذا يعني أن الرب يريد منا مساعدته... مع أن ما قام به إثم عظيم، لكن نسأل الرب أن يغفر له، ولا يحاسبه بما أقدمت يداه... سأتصل بالأب مارسيل وأستأذن منه أن يعيش بديره في أرمينيا، بمدينة يريفان تحديداً. وإن وافق، سيرحل اليوم مع فوج الراهبات."
ابتسمتُ، أخيرًا. شعرت بجبل من الخوف يسقط عن صدري، وشكرت الأم ماري بحرارة، حتى دموعي لم تخفَ عنها. عدت إلى روبرتو ونقلت له الأخبار. رأيت في عينيه بارقة أمل... كأنما وجد خلاصه.
وافق الأب مارسيل، وتنكّر روبرتو في زي راهبة، وكانت نظراته المشدودة تراقب كل شيء حوله.
وقبل رحيله، أمسك يدي برفق، ثم قبّلها، ونظر إليّ بامتنان حقيقي، صوته كان رطبًا بالعرفان: "تعجز الكلمات عن التعبير عن امتناني وشكري لكِ... حقاً، الرب لم يخذلني يوم لجأت إليه."
ابتسمت، وقلت بصوت دافئ: "الرب رحمته وسعت كل شيء... وأشكرك على ثقتك بي. أتمنى أن يغفر لك الرب ذنوبك جميعها... حفظك الرب."
ركب السيارة، ولوّح لي مودعاً، وعيناي تبعته، يعتصرهما شيء خفي من القلق. وما إن غاب حتى رأيتهم... رجال يركضون باتجاه الدير. قلبي قفز من مكانه.
اقترب مني أحدهم، كان وجهه مرعبًا، تغطيه الوشوم، وأسنانه ذهبية، قال بصوت خشن ومريب: "أنتِ... أقصد أختاه... هل رأيتِ هذا الرجل في مكان ما؟"
أراني صورة على هاتفه. عينيّ تجمدتا عليها، ثم رفرفت بجفني بارتباك، وتمتمت، صوتي يرتعش: "أنا... لا... لا أعلم عما تتكلم..."
حدّق فيّ، صوته أكثر تهديداً: "لم أسألك إن كنتِ تعلمين أي شيء... سألتك: هل رأيتِ هذا الرجل؟"
بلعت ريقي، وجفّ حلقي: "آسفة... اختلطت علي الأمور..."
قال بنبرة جافة: "إذن؟ هل رأيته؟"
هززت رأسي نفيًا، وعيناي تبحثان عن مخرج لا وجود له.
صرخ فجأة: "هيا! تفرّقوا وابحثوا عنه بكل مكان!"
أردت الصراخ، لكن صوتي خانني. دخلوا الدير، والراهبات تراجعن بخوف واضح، وأنا؟ كنت أرتجف. لكنهم لم يجدوه، وغادروا وهم يعتذرون، بنظرات شبهة ما زالت تلاحقني في ذاكرتي.
تنفست بعمق. عُدت لغرفتي، وأغلقتها. استحممت طويلاً، أملًا أن يغسل الماء القلق من روحي.
ماكسيميليان فيدريكورأسي... اللعنة على هذا الألم. كأن أحدهم يطرق جمجمتي بمطرقة صدئة. بقيت أضغط بأصابعي على صدغَيّ، أبحث عن أي نقطة تخفف من هذا الصداع المقيت... من أين أبدأ؟ أين يمكن أن تكون قد اختفت؟ ومع من؟ من تجرأ وساعدها؟ من تجرأ؟مددت يدي المرتجفة إلى علبة الدواء على الطاولة... سحبت حبّة وسحقتها تحت لساني بسرعة، محاولًا كتم ثورتي. لا شيء حتى الآن. لا اتصال، لا رسالة، لا خيط... وهذا الجنون ينهشني.كل هذا... كل هذا بسبب خطتي الغبية. ما كان يجب أن أدعها تغيب عن ناظري. كان يجب أن أبقيها قريبة، تحت أنفاسي، تحت سلطتي.رنّ الهاتف فجأة. قفز قلبي، وانطلقت يدي بسرعة مجنونة نحو الشاشة... لم أنظر حتى للرقم."هل عثرتم عليها؟"صوتي خرج ملهوفًا، متسرعًا، وكأن أنفاسي نفسها تلاحق الجواب...لكني لم أسمع ما توقعت..."عثرتم عليها؟؟؟ من هي، يا ماكسيمس؟؟؟"تجمّد وجهي. شهيقي توقف. الصوت... والاسم... لا أحد يناديني هكذا سوى هو. هو فقط... عرّابي. خوليو.سحبت نفسًا بطيئًا. جفلت ملامحي، ورسمت البرود على نبرة صوتي."لا أحد، عرّابي..."سمعته يهمهم، لكنني لم ألتقط كلماته... ثم قالها بوضوح جعل الدم يغلي في عروق
ماكسيميليان فيدريكوكانت الغرفة مظلمة، لكن وجهي مضاء بنور المصباح الوحيد فوق المكتب. جلست هناك، أنتظر، وكل شيء فيّ هادئ... ظاهريًا فقط. في الداخل، كنت أشبه بوحش مقيد... ينتظر لحظة الإفلات.دخلت الممرضة. ملامحها متوترة، وخطواتها سريعة لكن حذرة. عيناي لم تترك وجهها حتى قالت:"لقد تمت المهمة بنجاح، سيدي."ابتسمت... بسخرية، لا رضا."هل صدقتِ ما قلتهُ لها؟"هزّت رأسها إيجابًا، ثم أجابت:"أجل سيدي، وشكرتني على مساعدتها."كررت الكلمة، وأنا أرفع حاجبيّ قليلاً وأضغط شفتيّ:"جيد... جيد..."جيد؟ لا شيء جيد. هذه ليست النهاية، بل البداية. اقتربت خطوة وقالت:"هل سوف تطلق سراح أطفالي الصغار الآن بعدما نفذتِ ما طلبته مني؟"نظرت إليها للحظات، ثم أطلقت ضحكة قصيرة، ساخرة، بلا حرارة."بالطبع... فأنا لا أحب الاحتفاظ بشيء ليس لي... اذهبي الآن، وسوف تجدين أولادكِ في البيت."ابتسمت. ابتسامة أمٍّ ظنت أنها كسبت رحمة الشيطان. همّت بالمغادرة، لكنني أوقفتها."لا تنسي... احفظي لسانكِ حتى تحفظي حياتكِ وحياتهم... أتمنى أن يكون كلامي مفهومًا."ردت وهي تخفض رأسها:"بالطبع سيدي... لن أقول شيئًا أبدًا ولو على جثتي."أشر
كاترينا مورن استيقظت وحدي، وجسدي يئن تحت وطأة التعب. كانت حرارة اللحاف تلامس جلدي وكأنها محاولة يائسة لاحتضاني، لكن لا شيء فيّ كان راغبًا في الدفء. رميت اللحاف جانبًا بخشونة وأنا أزفر بقهر. تفاصيل ما حدث بالأمس عادت كصفعة، تخترق رأسي وتنهش كبدي. كان الألم ما زال يضرب جسدي من آثار الطلقة، لكنه لم يكن أقسى من الشعور بالعجز الذي التصق بي.عليّ أن أرحل... إن بقيت، سأفقد كل شيء. كرامتي، حياتي، وحتى صورتي في عينيّ.اتكأت على الحائط، أطرافي تتهادى كما لو أن الدم تخلّى عنها. بخطى متعثرة، توجهت إلى الحمام. لم أكن أفكر، فقط أتحرك كمن يسير فوق جمر. لم أملك سوى ملابسي القديمة... ارتديتها مجددًا، بلا تفكير، بلا مشاعر.ما إن خرجت، حتى انفتح الباب فجأة. تجمدت في مكاني، وقلبي قفز إلى حلقي، لكنّها كانت الممرضة. عيناها اتسعتا، وركضت إليّ."آنستي... ما كان عليكِ النهوض... كان بإمكانكِ مناداتي فقط."كنت أرتجف، أنفاسي تتسارع. تشبثت بها وجلست، وكل ما في داخلي كان يستنجد."أرجوكِ... ساعديني على الرحيل من هنا... أرجوكِ... أتوَسّل إليكِ."توسلت، وكأن كلماتي نحيب مكتوم، يخرج من أعمق نقطة في صدري.لكنها ردّت
ماكسيملياننطقت بكلمة واحدة فقط، لكنها كانت كافية لإشعال غضبي. نبرتي خرجت حادة، باردة، ومشبعة بتحذير غليظ لم أستطع السيطرة عليه، وكأنها تنفث من مكان مظلم بداخلي:"لستُ بأخٍ لأحد، وخصوصًا لكِ أنتِ... لا تناديني هكذا أبدًا ولو بالخطأ."رأيت الخوف يتسلل إلى عينيها، تراجعت خطوة، وجهها شحب، ويداها ارتجفتا وكأنها لم تعد تعرف إن كان من المفترض أن تتكلم أو تلوذ بالصمت.قالت بصوت بالكاد خرج من بين شفتيها المرتعشتين، صوت ناعم ممتزج برجفة حقيقية:"أرجوك... توقّف عن التصرّف هكذا، أخ ماكسيم..."شهقتُ غضبًا... رفعت يدي تلقائيًا في وجهها، لا لضربها، بل للزجر، لكنها فهمت الرسالة فورًا... وصرخت بها، بصوت اهتزّ من الغضب الخالص:"قلتُ لكِ توقّفي عن مناداتي هكذا!"رأيتها تقفز مذعورة، رغم ألمها، وكأن جسدها نفسه فرّ منّي... صوت الزجاج تحت قدميها مزّق سكون الغرفة، وصيحتها حين دخلت القطعة الحادة في قدمها اخترقت صدري."انتبهي!" صرختُ، لكن فات الأوان...صرخت من الألم، قبل أن أتحرّك غريزيًا وأحملها بين ذراعيّ. كنت أسمع دقات قلبي تتصاعد في أذنيّ... وضعتها على الكنبة، في حجري، ويدي تلقائيًا أمسكت ساقها أتفحص الجر