LOGINخنجر أثريّ يقطر دماً قديماً، وصمتٌ مطبقٌ دام عشرين عاماً يكسره ظهور امرأة غامضة تُدعى 'تانيت'. بين نفوذٍ يُبنى بقطعٍ من التبر الخالص، ومحققٍ يُصيخ السمع لخطايا الماضي، تبدأ لعبة شطرنج كبرى لا مكان فيها للصدفة. هل تُشترى الحقيقة حين تُباع الأساطير؟ أم أن للعدالة وجهاً آخر لا يرحم؟"
View Moreالفصل الاول
تمرر الجدة يدها الواهنة فوق رأس حفيدتها الصغيرة، وتمتم بصوتٍ تآكلت حوافه من أثر السنين، لتروي حكايتها التي تسكن عتمة كل ليلة: "كان يا ما كان، في غابر الأزمان، تاجرٌ ذائع الصيت يُدعى 'أدير'. كان رجلاً لا تفتنه من الدنيا مباهجها، قدر ما كان يسكنه هوسٌ واحد: أن يرزق بذكرٍ يحمل اسمه، ويصون إرثه، ويسير في جنازته بزهو الرجال. تزوج أدير ثلاثاً؛ الأولى خطفها الموت وهي تضع وليداً ميتاً، فدُفن الحلم مع جثمانها. والثانية كانت سليطة اللسان، قاسية المراس، لم يطق صبراً على طباعها فطلقها قبل أن يكمل الشهر معها. أما الثالثة، فكانت امرأةً رقيقة الحاشية، بيضاء القلب، تضع زوجها في منزلة السلاطين. حملت، وفي مخاضها الأخير، سلمت الروح لبارئها، لكنها تركت خلفها آيةً من الجمال؛ طفلةً تسر الناظرين، كل من رآها سبّح بحمد الخالق على سحر ملامحها، وأطلقوا عليها اسم 'تانيت'. غير أن 'أدير' لم يرَ في ذاك الجمال إلا شؤماً. فالموت سرق منه الزوجة التي أحب، وترك له 'العار' – كما كان يظن في جهله – بنتٌ ستجعله يقضي عمره متوجساً من فتك الألسن وخدش الشرف. مرت السنوات، وكبرت 'تانيت' وازدادت بهاءً كالقمر في ليلة تمامه، لكن قلب والدها كان يزداد قسوة. كان يرى في عينيها خيباته؛ تذكر كيف رفضت نساء القبيلة الاقتران به بسببها، وكيف حُرم من ولدٍ يتباهى به بين التجار. كانت 'تانيت' في نظره مجرد حِملٍ ثقيل يهدد سمعته." في ظهيرةٍ قائظة، لمح 'أدير' في ركن متجره خنجراً أثرياً كان قد ابتاعه من قوافل الغرباء. كان خنجراً فريداً، نُقشت على نصله رموزٌ غامضة، وتوسطت مقبضه ياقوتة حمراء تلمع كقطرة دمٍ متجمدة. أخفاه تحت عبائته، ومضى إلى بيته وعيناه تلمعان بقرارٍ أسود. نادى بصوتٍ أجش: "تانيت.. يا تانيت!" خرجت الفتاة من خدرها؛ كانت ممشوقة القوام، غدافية الشعر، ترتدي ثوباً أبيضاً ناصعاً. اقتربت لتقبل يد والدها بوقار، قائلة: "نعم يا والدي". أجابها باقتضاب: "ارتدي وشاحكِ واتبعيني". خرجت 'تانيت' خلفه والسرور يغمر قلبها، ظناً منها أن والدها أخيراً سيمنحها عطفه ويصحبها في نزهة. كانا يعبران زقاق القبيلة، والناس يلقون السلام على التاجر الوقور، بينما هي تتأمل العالم من خلف لثامها بفضول طفولي. توغلا في المسير حتى غادرا حدود القبيلة، وصعدا نحو منبع الواد الكبير، حيث الشلال الذي ينهمر بهديرٍ مرعب في بحيرةٍ عميقة تغذي العروق الخضراء للأرض. وقفت 'تانيت' مبهورةً بجمال المشهد، تطرب لصوت الماء، بينما كان 'أدير' يراقب محيطه بحذر الذئاب. وفجأة، استل خنجره، وبلا تردد، غرز النصل في صدرها مرتين. شهقت 'تانيت' شهقةً هزت أركان المكان، ونظرت إلى والدها بعينين يملؤهما العتاب والذهول، قبل أن تسكن الروح في جسدها. نظر 'أدير' إلى ثيابها التي صبغها الدم بخرائط الموت، ثم دفع جثتها ببرود لتستقر في قاع البحيرة، وألقى بالخنجر وراءها، وعاد إلى القبيلة بخطى واثقة كأنه لم يفعل شيئاً. مر أسبوع، وكان 'أدير' يترقب كل صباح أن يسمع نحيباً على جثة طافية، لكن الوادي ظل صامتاً. بدأ الشك ينهش صدره: هل ابتلعتها الأرض؟ أم أن أحداً أنقذها؟ استبد به الهوس، فعاد في ليلةٍ مقمرة إلى الشلال. نزل إلى حافة البحيرة، كان الليل قد أرخى سدوله، وصوت الشلال صار كالعويل. لم يجد أثراً للدمٍ أو الثياب. خلع نعليه ووشاحه وغاص في الماء البارد. غطس مرةً تلو الأخرى، وفي الغطسة الثالثة، وبينما يرفع رأسه ليتنفس، وجد وجهها يلتصق بوجهه! صرخ رعباً وحاول الفرار، لكن يداً باردة كالثلج أمسكت بقدمه وسحبته نحو الأعماق. صارع الموت حتى أفلت، وخرج يلهث مرعوباً، ليرى 'تانيت' تقف على سطح الماء كخيالٍ مهيب، تمسك بالخنجر ذي الياقوتة الحمراء. بدأ 'أدير' يتلعثم بآياتٍ من الذكر الحكيم وهو يرتجف، فنطقت 'تانيت' بصوتٍ يشبه حفيف الشجر: "أتذكر الخالق الآن؟ أتتلو كتابه وقد ذبحت ابنتك بدمٍ بارد؟ لقد قتلت من وثقت بك، وتركتها وحيدة في الظلمات.. وها أنت قد عدت إليّ بقدميك." بلمحة بصر، استقر الخنجر في قلبه، فسقط صريعاً بجانب البحيرة، واختفت 'تانيت' ومعها النصل المسحور، ولم يعثر لهما على أثر منذ تلك الليلة. بعد قرون طويلة، عاد الخنجر للظهور مجدداً، وانكشف معه السر. يقول الرواة إنه كلما استبد ظالمٌ بمظلوم واستخدم خنجراً للغدر، تخرج روح 'تانيت' من مكامن الغيب لتقتص للمظلوم، ثم تختفي ومعها سلاحها. تعددت الأقاويل؛ منهم من قال إن البحيرة مسكونة بـ "عريفات" الماء اللواتي انتقمن لها، ومنهم من جزم بأن الخنجر كان ملعوناً منذ البدء، وأن روح 'تانيت' سكنت في الياقوتة الحمراء، لتظل حيةً تترصد بكل من تسول له نفسه الغدر بدمه."بعد دقائق حبست الأنفاس، خيم سكونٌ تام على القاعة؛ لم يكن صمتاً مفروضاً بوقار المحكمة هذه المرة، بل كان لهفةً لسماع الكلمة التي انتظرها الجميع طيلة ستة أشهر.. لحظة النطق بالحكم.بدأ القاضي بسرد الحيثيات، فصلاً تلو الآخر، مفصلاً العقوبات المستحقة عن كل جريمة نُسبت لرمزي الساخي. وختم كلماته بعبارة جعلت منى تغمض عينيها بابتسامة انتصار هادئة:"حكمت المحكمة علنياً وحضورياً على المتهم رمزي الساخي بالسجن المؤبد."في تلك اللحظة، لم تعد منى تسمع ضجيج القاعة أو صرخات رمزي الهستيرية؛ كانت ترى شريط ذكرياتها يمر أمام عينيها.. رأت مشهد الجريمة البشع، الليالي التي قضتها تبكي فراق أمها، والسنوات الطويلة التي أفنتها في التخطيط والبحث عن الثغرة التي ستهدم عرش رمزي وتذله. ستة أشهر من الانتظار المرير توجت بهذا الحكم الذي أثلج صدرها وأعاد الحق لأصحابه.تبادلت نظرة ممتنة مع المدعي العام، ثم وقفت بشموخ وسط جموع الحاضرين وعدسات الصحافة التي تهافتت لنيل تصريح منها. خرجت من القاعة بخطى واثقة يتردد صداها في الممرات، ولحق بها حمزة.قال حمزة بزهو: "لقد فعلتِها يا فتاة!"ابتسمت له منى قائلة: "لم أفعلها وحدي..
ضرب القاضي بمطرقته بقوة صائحاً: "هدووووء! هذه محكمة وقاعة عدالة وليست سوقاً عاماً!" سحب رجال الشرطة رمزي وهو يصرخ بهستيريا، بينما حاول محاموه تهدئته دون جدوى. في هذه الأثناء، تبادل المدعي العام نظرة خاطفة مع منى التي ارتسمت على ثغرها ابتسامة نصر خفية؛ فقد كانت هذه هي الخطة بالضبط: استدراج رمزي واستفزازه وصدمه بالحقائق المدفونة حتى يفقد سيطرته على أعصابه ويعترف بلسانه. خيم الهدوء مجدداً على القاعة، فوجه القاضي حديثه لمنى: "ذكرتِ أنكِ شهدتِ الجريمة، كيف لم يلحظ وجودكِ؟" أجابت منى بثبات: "كنت في الطابق العلوي، أراقب ما يحدث من شق الباب بصمت مطبق خوفاً من أن يلمحني. وحين نزل هو ليغادر مع سائقه، نزلتُ فوجدت أمي جثة هامدة. تملكني الرعب فهربت هائمة على وجهي حتى وصلت إلى ضيعة بعيدة ونمت فيها من فرط التعب. لفتتني امرأة طيبة، ولأنها خشيت عليّ من الضياع في دور الأيتام، آوتني عندها. كبرتُ وتعلمتُ في كنفها بعيداً عن أعين العالم، ولم تظهر هويتي إلا حين فُتحت القضية مجدداً، فجئت لأدلي بشهادتي." سألها القاضي: "وكيف علمتِ بأمر القضية؟" أجابت: "من التلفاز.. حين سمعت اسمه، استيقظت كل ذكريات
جلس المحامي، فاستدار المدعي العام نحو رمزي ورمقه بنظرة ثاقبة قائلاً: "ولماذا لا نقول إنها كانت علاقة عابرة، وحين هددتك ليلى بفضح أمرك قررت التخلص منها؟" انتفض رمزي غضباً وحاول النهوض، لكن المحامي الجالس بجانبه كبحه بقوة. تدخل محامٍ آخر من هيئة الدفاع صائحاً: "سيدي القاضي، إني أعترض! هل لدى السيد المدعي العام دليل واحد على هذه المزاعم؟ هذا اتهام خطير يشهّر بموكلي، والقانون يعاقب على مثل هذه الافتراءات، ونحن نحتفظ بحق المتابعة القضائية." وجه القاضي حديثه للمدعي العام: "هل تملك دليلاً يسند ادعاءك هذا؟" أجاب المدعي العام بثقة هزت أركان القاعة: "بالتأكيد يا سيدي القاضي، لدي دليل قاطع.. شاهدة ستضع حداً لهذا الجدل وتكشف الحقيقة كاملة. أطلب دخول الشاهدة." فُتح باب القاعة الكبيرة، ودخلت بخطى واثقة يتردد صدى كعبها العالي في أرجاء الصمت المخيم. كانت ترتدي طقماً رسمياً أنيقاً، وشعرها ينسدل بحرية، وعلى وجهها ابتسامة غامضة وهي تنظر نحو رمزي المصدوم، الذي راح يبحث في ذاكرته عن سر هذا الوجه المألوف لديه. تقدمت نحو منصة الشهود واستقرت في مكانها. قال المدعي العام: "قبل أن تُعرف الشاهدة
في غرفةٍ معتمة لا يكسر سكونها إلا ضوءٌ خافت، جلس رمزي بملابس السجن الرثة، يقابله ثلاثة محامين ببذلاتهم الرسمية الأنيقة. كان صوته يتهدج غضباً وهو يصرخ في وجوههم: "طلبتم وقتاً ومنحتكم إياه! قضيتُ ستة أشهر بين الحثالة والمجرمين.. طلبتم مالاً وأغرقتكم به، ومع ذلك أنتم ثلاثة ولم تستطيعوا إخراجي من هنا!" رد المحامي الأول بهدوء حذر: "سيد رمزي، القضية معقدة للغاية. المدعي العام عازمٌ على إغراقك، ولقد استنزفنا الشهور الستة الماضية في المماطلة لتقليل الخسائر. غداً هي الجلسة الختامية، وإذا سارت الأمور وفق خطتنا، فقد تنال البراءة." زمجر رمزي: "لا أريد مراهناتكم! أريد جواباً قاطعاً.. هل سأخرج غداً أم لا؟" تبادل المحامي الثاني النظرات مع زميليه وقال بتردد: "بإمكاننا فعل ذلك.. الأمر صعب، لكنه ممكن." خبط رمزي بيده على الطاولة وصاح: "غداً أريد محاكمة تنتهي لصالحي، أريد الخروج من هذا العفن والوسخ!" ثم نهض بعنف وطرق الباب ليأخذه الحارس، تاركاً خلفه المحامين في دوامة من النقاش. وضع المحامي الثالث رجلاً فوق الأخرى وقال بيأس: "المدعي العام لم يكتفِ بحفر حفرة له، بل بنى له مقبرة! القضية خاسرة