لم أتخيل أن قراءة رواية واحدة يمكنها أن تقلب مفاهيمي عن الجذور والهوية بهذا الشكل. في روايتها الأخيرة 'أوراق الجذر' كتبت ثريا قابل قصة متشابكة عن امرأة تعود إلى بلدة طفولتها بعد غياب طويل لتفكك شبكة أسرار عائلية متوارثة. السرد يتنقل بين زمنين: حاضر الراوية المتيقظ الذي يتحسس أثر الحرمان، وماضي متقطع يروي أحاديث الجدات، وصور طفولة مختنقة برائحة التين والدخان. اللغة عندها ملامس بسيطة لكنها ثاقبة؛ جمل قصيرة تتلوها مفردات شعرية تجعلك تشعر بأن كل مشهد لديه رائحة وذوق.
الشخصيات ليست أسطورية ولا مثالية؛ هي بشر تصنع أخطاء وترجع لتصالح نفسها مع فقدان وحلم. ثريا تتعامل مع موضوعات مثل الهجرة الصغيرة داخل المدن، خسارة اللغة، وكيف تختبئ المآسي في طقوس يومية بسيطة مثل طريقة إعداد الخبز أو طريقة تعليق صورة. هناك مشاهد تكاد تكون سينمائية—زيارة إلى سوق قديم، رسالة مخبأة في كتاب، ليل طويل من الاعترافات—تُعرض ببطء حتى تشعر بثقل كل كلمة.
في النهاية لا تمنحك خاتمة مغلقة بل تترك مسافة بين الأمل والندم، مما يجعل الرواية عالقة في الفؤاد بعد أن تغلقها. بالنسبة لي كانت تجربة قراءة مؤلمة ولطيفة في آن، وكأن ثريا كتبت للحكايات الصغيرة التي لا تصل إلى الصفحات عادة، فأخرجتها لتصبح بطلة بنفسها.
في إحدى قراءاتٍ متأخرة للسرد العربي، لاحظت تطورًا واضحًا في طريقة ثريا قابل؛ شيءٌ ليس مفاجئًا، لكنه ملفت عند تتبع أعمالها. بدا لي أن البداية كانت تميل إلى السرد التقليدي القائم على الحبكة والشخصيات، لكن مع مرور الزمن نشهد تحولًا إلى اعتماد أقوى على الصوت الداخلي والتفاصيل الحسية، وكأنها تحاول جعل القارئ يعيش المشهد لا يقرأه فحسب.
أرى أن هذا التطور كان نتيجة عوامل متداخلة: إطلاعٌ واسع على قصص من بيئات مختلفة، وتجارب حياة أثرت على حسّها النقدي، وممارسة مستمرة للكتابة أعادت تشكيل أسلوبها تدريجيًا. لاحظت أنها أصبحت أكثر جرأة في تحطيم الزمن السردي؛ تحوّلها بين الماضي والحاضر لا يظهر عشوائيًا بل يُستخدم لخلق طبقات معنى، ولإظهار تداخل الذاكرة مع الواقع. كذلك، اهتمامها بالحوارات القصيرة والنغم الإيقاعي في الجمل جعل نصوصها أقرب إلى الشعر من الرواية التقليدية.
إضافة إلى ذلك، لاحظت انتقائية أكبر في الألفاظ: هي لا تُسهب إلا حين تحتاج المشهد لأن يتنفّس، وتختصر حين يريد النص القفزة. التنوع في وجهات النظر السردية—من راوي كلي العلم إلى راوٍ محدود وحساس—أعطى لأعمالها مرونة جعلت القارئ يعيد التفكير في مرامي الحدث ونيات الشخصيات. بالنسبة لي، هذا التدرج في الأسلوب ليس فقط نموًا تقنيًا، بل انعكاسًا لنضجٍ فكري وشجاعتها في التحرر من القوالب المألوفة، ونهايةً تركت أثرًا واضحًا يجعلني أعود لقراءة نصوصها بعيون أكثر انتباهًا.
أذكر كيف انطلقت موجة الآراء حول 'شظايا الصمت' وصدمتُ من تنوع ردود الفعل. كنتُ أتابع النقاشات في مجموعات القراءة وعلى تويتر، ورأيتُ كل شيء من مدح مبالغ فيه إلى هجمات قاسية على السرد والشخصيات. ثريا لم تنهار تحت هذا الضغط؛ بالعكس، بدا لي أنها اتخذت مسارًا منهجيًا: فصلت النقد البنّاء عن الهجوم الهادف إلى التشويش. في بدايات الأزمات نشرت بيانات قصيرة تعترف فيها بأنها تسمع القارئ وتقدر ردود الفعل، لكنها لم تدخل في جدول المناظرات الطويلة مع كل ناقد.
بعد فترة وجيزة تحول أسلوبها من الدفاع إلى الاستيعاب. حضرت جلسات قراءة، شاركت في حلقات نقاش محددة، وفتحت باب الأسئلة لمجموعة مختارة من القراء والمحررين الذين قدموا ملاحظات موضوعية. أتذكر إحدى اللقاءات التي تابعتها حيث قالت بشكل مباشر إنها لم تكن تقصد إيذاء مشاعر أحد وأنها مهتمة بفهم أين خُطِفَ السياق. هذا النوع من الصراحة خفف حدة الكثير من الانتقادات وبدّل النقاش من هجوم إلى حوار.
الأجمل في تعامُلها أنها لم تتخلَ عن رؤيتها الفنية؛ بل استخدمت النقد كوقود لتحسين الحوارات وتوضيح الدوافع في أعمالها اللاحقة. لم تصاب بالتقوقع، لكنها أيضًا تعلمت وضع حدود لحماية صحتها النفسية؛ حذفت التعليقات المسيئة وابتعدت عن الحسابات السامة. الطريقة التي مزجت فيها بين الانفتاح والحدود كانت درسًا لي عن النضج المهني والأدبي، وشعرتُ بالاطمئنان حين رأيتها تنهض بمزيد من الحكمة والإبداع.
أذكر جيدًا مقابلة إذاعية قصيرة شغلتني لعدة أيام بعد سماعها: تحدثت فيها ثريا قابل بصراحة عن مصادر إلهامها للروايات، لكن بشكل مرن وغير رسمي. في تلك المقابلة أوضحت أن جذور أفكارها تبدأ من قصص العائلة والحكايات الشعبية التي سمعتها في طفولتها، ثم تنتقل إلى ملاحظاتها اليومية عن النساء والبيئة المحيطة بها. سمعتُها تصف كيف أن صورة شارع أو صوت شيخ يحكي قصة يمكن أن يتحول إلى مشهد كامل في رواية، وأن التفاصيل الصغيرة هي ما تجعل العمل ينبض.
أما في مقدّمة بعض رواياتها فقد لاحظتُ نبرة أكثر عمقًا ومباشرة؛ هناك تقول بصيغة أقرب إلى السيرة الذاتية كيف استلهمت من رحلاتها القصيرة، من أرشيفات وصحف قديمة، ومن قراءاتها لشعر ونثر محلي وعالمي. كذلك شاركت في ندوات أدبية ولقاءات مفتوحة حيث فسرت زوايا إبداعها: السياسة، ذاكرة المكان، والصراعات النسائية، وكيف أن كل مصدر يلعب دورًا مختلفًا في تطور شخصياتها وتقنيات السرد.
أحب أن أقول إن تنوع المصادر عندها هو ما يجعل أعمالها قابلة للقراءة من زوايا متعددة؛ سمعتها في مقابلات وإذاعات وندوات، وقرأت مقدماتها، وتابعت منشوراتها على مواقع التواصل حيث تشارك مقتطفات وأفكارًا عن ما ألهمها—وهذا ما يجعل متابعتي لها تجربة ثرية دائمة التجدد.
كنت أتأمل في مقالات قديمة وأحاديث تلفازية لثريا قابل وتذكّرت بأنها تميل إلى ترشيح مزيج من الأعمال التي تمثل التحوّل في الأدب العربي الحديث، لا مجرد أسماء كبيرة بلا سبب.
أول ما كانت توصي به غالبًا هو 'موسم الهجرة إلى الشمال' للطيب صالح، كتاب تؤكد ثريا على قوته في كشف صراعات الهوية والاندماج بعد الاستعمار، وكيف يطرح السرد والتواريخ المتقاطعة بطريقة تخاطب قارئ اليوم. بجانب ذلك، كانت تُشير إلى أعمال نجيب محفوظ — خصوصًا 'الثلاثية' و'أحلام شهرزاد' — باعتبارها مرجعًا لفهم تطور الرواية العربية في المدن والذرائع الاجتماعية. في مجال السرد الأكثر قسوة وصراحة، كانت تذكر 'الخبز الحافي' لمحمد شكري كعمل صادم وحيوي يمنح صوتًا لمنَ لا صوت لهم.
لا تكتفي ثريا بالأسماء الكبيرة فقط؛ كان لديها انحياز للشعر الحديث أيضًا، فكانت تدعو لقراءة دواوين محمود درويش ونزار قباني لما فيها من لغة مباشرة ومشاعر معبّرة. أحببت كيف تربط الترشيحات بين الاهتمام بالهوية والجذر واللغة—شيء يجعل القراءة عندها تجربة تدخل في الأعماق، وليست مجرد متابعة للسرد.
هناك مؤلفات تجعلني أعود إلى صفحاتها كأنها ملاذ، وثريا قابل صنعت ملاذًا خاصًا لعشّاق الروايات الخيالية. أتذكر كيف شدّني أول مشهد دخلت فيه عالمها: لم تكن مجرد وصف للمكان، بل كانت لغة تبني حضارة بكاملها — من أسماء المدن إلى أغراض الحياة اليومية، كل تفصيلة شعرت أنها مألوفة وغريبة في آن واحد.
أحببت تعامُلها مع الأساطير المحلية، لم تُقلد فانتازيا الغرب بل استلهمت من خيوط القصص الشعبية العربية وأعادت نسجها بشكل معاصر. هذا المزج أعطاني إحساسًا بالانتماء؛ كقارئة نشأت بين حكايات الجدة لكني أردت شيئًا أكثر جرأة، وثريا منحتني ذلك بعالم واقعيّ يسكنه السحر كقيمة يومية وليس كخدعة درامية.
الشخصيات عندها ليست مبتذلة؛ أبطالها لديهم شقوق إنسانية — خيبات أمل، طموحات صغيرة، اختيارات تُقاس بتكلفة. هذا الواقعية داخل الفانتازيا جعلتني أهتم لكل قرار تتخذه الشخصية وكأنها شخص أعرفه. وفي النهاية، الأسلوب السردي: جُملٌ موسيقية لكنها لا تبالغ، حوار طبيعي، وإيقاع يجعلني أُضيء المصباح حتى منتصف الليل لأكمل الفصل. هذا المزيج من أصالة المصادر، عمق الشخصيات، وسرد محسوب هو السبب الذي جعلني — وغيري الكثيرين — ننجذب لكتاباتها وننادي بأن لدينا صوتًا جديدًا في عالم الروايات الخيالية.
تفاصيل تعابير وجهه في تلك المشاهد بقيت محفورة في ذهني.
النقاد تحدثوا عن قدرة ثري على تحويل لحظة صغيرة إلى حدث درامي كامل: نفسات قصيرة، ميلان بسيط في الرأس، ووقفة تبدو عابرة لكنها تضيف حمولة نفسية كبيرة للمشهد. كثيرون أشاروا إلى 'مشهد المواجهة' كمثال على ذلك، حيث وصفوا توازنه بين الانهيار الداخلي والتحكم الخارجي بأنه أداء متقن يجبر الكاميرا على الاقتراب.
كان هناك حديث عن استثمار الممثل للصمت لا أقل من كلامه، وعن كيف استخدم لغة الجسد لتوصيل طبقات من الألم والندم دون افتعال. بعض النقاد لاحظوا أن الإضاءة والزوايا كانت تساعده أحيانًا فتبرز خطوط التعبير، وفي مشاهد أخرى بدت المونتاج قاسياً بحيث أكسب الأداء طابعاً مقطوعاً.
في النهاية، أغلب الآراء أعطت شحنة إيجابية لجهده، معتبرين أن ثري قدم مشهداً يظل في الذاكرة لأنه جمع بين الدقة والانفعال المحسوب، وهذا ما يجعلني أعود لمشاهدة تلك اللقطات وأكتشف تفاصيل جديدة كل مرة.