أذكر قراءة 'عائد إلى حيفا' وكأنني أمسك بمرآة قديمة تعكس وجوهًا ليست كلها ما أعرفه عنهم.
الواقعية في النص عندي ليست واقعية صحفية بل واقعية نفسية وإنسانية: الكاتب يفتح جروح الطرد والحنين دون تزيين، يصور البيت كجسد مضروب عليه آثار الغياب، ويجعل لقاء الأهل بالابن الذي كبر في ظل ظل تطويع الدولة والهوية حدثًا قابلاً للتصديق لأن ردود الفعل متضاربة ومؤلمة وملهاة بالتفاصيل اليومية الصغيرة — رائحة الغرفة، أسماء الأشياء، طقوس القهوة — التي تجعل الألم حقيقيًا أكثر من أي بيان سياسي. لقد شعرت أنني أمام شخصيات تتنفس: الخجل، الحيرة، الغضب، الحب المختلط باللوم.
مع ذلك، لا أظن أن النص يسعى لأن يكون سجلًا موضوعيًا لكل تجربة لجوء؛ هو عرض مركّز لقضية الهوية وتجلياتها، وفي ذلك يكمن براعته. النهاية تترك مرارة وقسوة لا حل لها، وهذا أكثر ما جعل الرواية تبدو واقعية بالنسبة لي — ليست لأنها تغطي كل شيء، بل لأنها تصف كيف يبقى الإنسان موزعًا بين ما فقده وما صار عليه.
هناك جزء من الرواية يلتصق بي كلما تذكرتها. البداية الصادمة في 'عودة إلى حيفا' لم تكن فقط قصة عائلة ضائعة، بل كانت صوتًا يضع إصبعه على جرح جماعي: النكبة، الحق في العودة، ومسألة الهوية التي تُمسّ عند الأطفال الذين كبروا في ظل واقع جديد.
السبب الأدبي للجدل كان واضحًا؛ كانت اللغة غير متصنعة والهوية تُعرض بلا سذاجة أيديولوجية. غسان كنفاني لم يقدم بطلًا ثوريًا مطلقًا ولا شرطًا عقائديًا جاهزًا، بل جلب شخصيات معقدة تتصارع مع الذكريات والندم. هذا الطابع الإنساني جعل بعض القراء يشعرون بالخيانة لأن الرواية لم تقدم خطابًا نضاليًا بسيطًا، بينما اعتبرها آخرون عملاً شجاعًا يكسر الأحكام الجاهزة.
سياسيًا، توقيت الصدور بعد أحداث مؤلمة في المنطقة زاد الاحتقان؛ السؤال عن ابن تحول إلى يهودي وبالتالي عن حقيقة العودة ونجاعتها السياسية أثار غضب من يرفضون أي سيناريو لا يضمن انتصارًا قوميًا واضحًا. بالنسبة إليّ، هذه الرواية لا تهدم الأمل، بل تفرض علينا مواجهة الواقع لكي نبني خطابًا أقوى وأكثر صدقًا.
أحتفظ بصورة الأم وهي تلمس السرير الفارغ في ذاك المشهد الذي لا يفارقني عندما أفكر في 'عائد إلى حيفا'. الرواية تصوّر علاقة الآباء والأبناء على أنها أثر عميق وممتد للنكبة، ليس مجرد غياب جسدي بل انقسام في الزمن والذاكرة. الأم هنا تبدو كحجرة ذاكرة حية؛ كل شيء يذكرها بطفلها الذي تركته في عجلة الخوف، والحنان يحترق في كل كلمة تقولها، حتى عندما تصطدم بواقع أن هذا الطفل صار إنسانًا مختلفًا تمامًا.
الأب يميل إلى المزج بين الحزن والغضب، لكن الرواية تمنحه لحظات تأمل تكشف عن سؤال أوسع: ماذا يعني أن تكون أبًا بعد أن تقطع السياسة خيوط الأسرة؟ العلاقة لم تُمحَ، لكنها تغيرت شكلًا ومضمونًا. التواصل بين الأجيال أصبح مشروطًا بالذاكرة المشتركة، والذاكرة هنا مجزأة؛ للوالدين ذاكرة الطفولة والأصل، وللابن ذاكرة أخرى مبنية على بيئة مختلفة ولغة جديدة.
أحب كيف أن الكاتب لا يقدم حلولًا سهلة. النهاية تركتني مع شعور بالمرارة والقبول في آن واحد: لا استعادة فورية للروابط، ولا صفاء كامل، بل إدراك أن للنزاع أثر دائم على نسيج العائلة والهوية، وأن الحنين وحده لا يكفي لإصلاح ما تفرّق.
أذكر أن مشاهد التصوير في معظم اقتباسات 'عائد إلى حيفا' لم تكن دائماً في نفس الأماكن التي تخيلتها أثناء قراءة الرواية، وهذا شيء يلفت الانتباه لو قارنت النص بالصور المتحركة.
الرواية بنيت على ذاكرة مكانية محددة: حيفا، بيت العائلة، الشارع المقابل، البحر والميناء، وكل زاوية تحمل طابعاً فلسطينياً مشحوناً بالغياب والذكرى. أما على أرض الواقع، فبسبب قيود سياسية ولوجستية، فضل كثير من المنتجين التصوير في مواقع بديلة — مدن ساحلية أخرى أو أحياء في دول مجاورة أو في استوديوهات مغلقة — مع اللجوء إلى لقطات أرشيفية لعرض مشاهد ميناء أو سمات معمارية لا يمكن إعادة تصويرها بسهولة.
النتيجة أن الفيلم أو المسلسل قد ينجح في نقل الحالة الشعورية للرواية: البيت كرمز، والغياب كجوّ عام، لكن التفاصيل الحسية (الصوت، الروائح، درج البيت، نسيج الحارة) غالباً ما تكون مفترضة أو معاد إنتاجها فنياً. بالنسبة لي، الفرق كان واضحاً بين صورة الحيفا في النص، التي تُخَيَّل بالتفاصيل الصغيرة، وبين الصورة على الشاشة، التي تضطر للاختيار بين الأمان اللوجستي والدقة الجغرافية.
أذكر أن أول ما لفت انتباهي في 'عائد إلى حيفا' هو كيف تتحول الأشياء اليومية إلى شهادات صامتة على حدث كبير؛ كانت الأشياء الصغيرة أكثر تأثيرًا من الكلمات. في الرواية، يستخدم الكاتب أشياءً ملموسة ليجعل من صراع الذاكرة شيئًا محسوسًا: البيت نفسه ليس مجرد مكان، بل خريطة للذاكرة الممزقة — الغرف الفارغة، الرفوف، ونصيب الجدران من الذكريات تُظهر كيف أن المكان يحتفظ بمعنى لا يتطابق مع الحاضر.
إلى جوار البيت هناك متعلقات شخصية تركت كآثار للغائب: حقيبة، ملابس طفل، وربما صور عائلية أو ألعاب بسيطة؛ هذه الأشياء تعمل كفجوة زمنية تربط بين ذاكرة الزوجين وواقع الشخص الذي كبر بعيدًا عن جذوره. تغيير الاسم واللغة الذي مرّ به الابن يصبح رمزًا آخر؛ فهو يعكس كيف تُعيد الذاكرة تشكيل الهوية تحت ضغوط التاريخ والسياسة.
وأخيرًا، اللغة والصمت في الحوار تُستخدمان كرموز أيضاً؛ الصمت أحيانًا أقوى من الكلام لأنه يحمل الذكريات غير المصقولة التي لا تُعبر عنها الكلمات بسهولة. هذه البنية الرمزية تجعل من الرواية تجربة عن الذاكرة كصراع لا ينتهي، حيث تتصارع الذكريات الشخصية مع الرواية الوطنية، وتترك أثرًا مُقلقًا لكنه إنساني للغاية.
أظن أن السؤال عن 'العودة بعد المنفى' يمس وتراً حساساً في كثير من القصص التي أتابعها. بالنسبة لي، أتذكر رواية 'البؤساء' لفيكتور هوغو، حيث جان فالجيان يعود بعد سنوات من المنفى الاختياري ليصنع فارقاً في حياة كوزيت. لكن الأمر أعمق من مجرد حبكة درامية.
في الأعمال التي أتأملها، أرى أن العودة تمثل اختباراً للهوية. هل يستطيع الإنسان أن يعود كما كان بعد أن غربته ظروفه؟ غالباً ما يصورها الكتاب كفرصة لمواجهة الأشباح القديمة، أو كطريق نحو الخلاص. في مسلسل 'الملاذ الآمن' مثلاً، العودة كانت رحلة لاستعادة الذات المفقودة بين أنقاض الماضي. المؤلفون لا يقدمون إجابات سهلة، بل يتركوننا نتساءل: هل المنفى الحقيقي هو المكان أم الروح؟
عندما يتعلق الأمر بحبكة العودة بعد المنفى، أجد أن أكثر ما يجذبني هو كيف يبني المؤلف الترقب قبل لحظة العودة نفسها. في روايات مثل 'الكوميديا الإلهية' لدانتي، المنفى ليس مجرد مكان، بل حالة نفسية مركبة.
ما يثير اهتمامي حقًا هو الطريقة التي تستخدم بها الكتاب تفاصيل صغيرة لتعكس التغير الداخلي للشخصية. مثلاً، في قصة 'الملحمة' لهوميروس، عودة أوديسيوس إلى إيثاكا لا تأتي بسهولة، بل عبر سلسلة من الاختبارات التي تكشف عن تطور شخصيته أثناء غيابه.
أيضًا في بعض الروايات الحديثة، أرى أن المؤلفين يركزون على فكرة أن العودة ليست عودة إلى الماضي، بل إلى مكان أصبح غريبًا بعد التغيير الذي مرت به الشخصية. هذا الثيمة تجعل الحبكة أكثر عمقًا، لأنها تطرح أسئلة عن الهوية والانتماء: هل يمكن حقًا أن نعود إلى حيث بدأنا؟