LOGINمات…ثم عاد. لكن الزمن لم يُعده لينقذه— بل ليختبر إلى أي حد يمكن أن يسقط. إياد يستيقظ في ماضٍ لم يختره، داخل عالم تحكمه العصابات، الدم، والخيانة. خطوة واحدة فقط كانت كافية…ليتحول من شاب عادي إلى قاتل يُنفّذ أوامر لا تُناقش. لكن هناك خطأ في هذا العالم. شيء لا يجب أن يكون موجودًا. قطعة معدنية غامضة، تظهر معه في كل مرة يعود فيها الزمن، تسخن كلما اقترب من الحقيقة… وتقوده نحو مصير أسوأ من الموت. ووسط هذا الظلام— تظهر "نور". الوحيدة التي لا ترى الدم على يديه، الوحيدة التي تؤمن بأنه ما زال إنسانًا… بينما هو يعرف الحقيقة: أنه في كل مرة يعود فيها الزمن…يصبح أخطر. هل أُعطي فرصة لتغيير مصيره؟ أم أن الزمن يعيده…ليصنع منه وحشًا لا يمكن إيقافه؟ في هذا العالم، لا أحد ينجو. والبعض…يُعاد فقط ليُدمَّر بشكل أعمق.
View Moreلم يكن الليل عاديًا تلك الليلة…
السماء تمزقت بصوت الرعد، والمطر كان يهطل بغزارة، يغسل الطريق وكأنه يحاول محو كل أثر خطأ، كل ذنب لم يُغتفر بعد. الهواء كان ثقيلاً، رطبًا، يحمل رائحة البرق والتراب المبتل، والظلام كان يلتف حول الطريق كغطاء ثقيل لا ينكشف. على طريق مظلم، كانت شاحنة ضخمة تشق الطريق بسرعة جنونية، عجلاتها تدق الأرض كأنها تعلن عن سوء قادم. السائق، رجل متوسط العمر، عرق جبينه يتصبب، عيناه تلمعان من القلق والخوف، والضوء الأحمر من المصابيح الأمامية يتراقص على المطر كما لو أنه يهمس بتحذير لم يسمعه أحد. رنّ الهاتف فجأة، فارتعش في يده. تردد للحظة، ثم أجاب وهو يلهث: — "ألو؟" جاءه صوت بارد، خالٍ من أي شعور، كأنه خرج من الظلام نفسه: — "أنهِ الأمر الليلة." تجمّد الرجل، وكأن الكلمات سُكبت جليدًا في عروقه. — "بس…" تمتم بصوت مرتعش. — "قلت الليلة." انقطع الاتصال فجأة، وبقي الرجل يحدّق في الطريق أمامه، صوته وكلماته معلقة في الهواء. قبضته على المقود شدّت بقوة، ثم ضغط على الوقود، يهرب من شيء لم يفهمه بعد. في مكان آخر، بعيد عن المطر والليل والظلام، كانت نور، فتاة صغيرة بعمر عشر سنوات، تجلس قرب نافذة غرفة صغيرة، تحتضن دميتها الصغيرة، وعيناها تلمعان بتوقع وحنين. قطرات المطر كانت تتساقط على الزجاج، تتراقص كأنها نجوم صغيرة، فتلمع وتخطف انتباهها، لكنها لم تلاحظ شيئًا آخر. — "جدتي… ماما وبابا راح يوصلون قبل منتصف الليل؟" همست نور ببراءة، صوتها يختلط بخرير المطر. ابتسمت الجدة، تحاول إخفاء قلق عميق، محاولة إقناع نفسها قبل إقناع نور: — "أكيد يا روحي… بكرة عيد ميلادك العاشر." ابتسمت نور بسعادة، عيناها تلمعان كالنجوم الصغيرة في السماء المظلمة: — "وعدوني…" على الطريق، وفي نفس اللحظة، ظهر ضوء حاد، تلاه صوت فرامل يصرخ، ثم… اصطدام مدوّي هز كل شيء، تلاه صمت قاتل، كما لو أن العالم توقف عن الدوران فجأة. في المنزل، رنّ الهاتف مرة أخرى. خطت الجدة ببطء، قلبها يسبقها، رفعت السماعة: — "ألو؟" جاءها صوت رسمي وبارد: — "نأسف لإبلاغك… وقع حادث سير…" توقفت أنفاسها. — "ابنتك وزوجها… توفيا في الحال." سقط الهاتف من يدها، وتحرك العالم حولها ببطء غير طبيعي. نور لم تفهم كل شيء بعد، لكنها شعرت أن الانتظار قد انتهى، وأن الوعد لن يتحقق. لكن الجدة لم تصدق الكلمات. كانت نظرتها مختلفة… حادة، متأملة، كما لو كانت ترى خلف الأحداث مباشرة. — "هذا مو حادث… هذا مدبّر." تمتمت لنفسها بعد أيام، جلس السائق في مركز الشرطة، صوته مكسور، عينيه حمراء من البكاء: — "كنت سكران… لم أرهم…" انحنى باكيًا: — "أنا السبب…" أُغلقت القضية رسميًا. حادث عرضي، خطأ سائق مخمور. حكم: خمس سنوات. لكن الحقيقة كانت أعمق، أكثر ظلامًا. في مكان فاخر، داخل مكتب كبير، جلس رجل يراقب الأخبار بهدوء. رفع كأسه، ابتسم ابتسامة خفيفة: — "انتهى الأمر." خلفه، وقفت فتاة جميلة، هادئة، تبتسم كما لو أن موت إنسانين لم يؤثر فيها. لم تكن هناك دموع، لم تكن هناك علامات حزن. مجرد هدوء مخيف. وفي المنزل الصغير، كانت نور تحتضن دميتها بقوة، عيونها مليئة بدموع لم تفهمها بعد. همست بصوت ضعيف: — "ماما…؟" لم يجبها أحد. وفي تلك اللحظة، لم تكن نور تعلم أن هذه الليلة لم تسرق والديها فقط… بل سرقت حياتها كلها. وأن طريقها القادم… سيمتلئ بأشخاص سيأخذون منها أكثر مما تتخيل. وأن كل وعد، مهما كان صغيرًا، يمكن أن يُمحى في لحظة واحدة… تاركًا قلبها وحيدًا في عالم مظلم لا يرحم.لم يطفئ إياد الضوء، ولم يغيّر مكانه، ولم يُبعد الدفتر عن صدره، وكأن الزمن توقّف عند تلك اللحظة التي لم يعد بعدها شيءٌ يتحرّك داخله. كان جالسًا على الأرض، ظهره مستند إلى الحائط البارد، وساقاه ممدودتان بلا قوة، وقميصه الأسود مجعّد قليلًا من كثرة ما انحنى وأكمامه مرفوعة بشكلٍ عشوائي يكشف عن معصميه الشاحبين. شعره مبعثر، وعيناه محمرّتان، غارقتان بتعبٍ لا يشبه السهر… بل يشبه الانهيار البطيء 💔الدفتر ما زال مفتوحًا بين يديه، وصفحاته تحمل أثر دموعٍ لم تجف. مرّر أصابعه المرتجفة على الكلمات، ببطءٍ شديد، كأنّه يخشى أن تختفي إن تركها. صوته خرج خافتًا، مكسورًا: "اليوم تحدّث معي قليلًا… لكنّي سعيدة." توقّف، وارتجف صدره بعنف، كأن الجملة سكينٌ انغرست داخله. "لا أحتاج الكثير… يكفيني أن يبقى." أغمض عينيه للحظة، لكن الكلمات لم تختفِ… بل بقيت، تتردّد داخله بقسوة ⚡قلب الصفحة ببطء، وأصابعه بالكاد تقوى على الحركة. "أحيانًا أفكّر… ماذا لو اختفى فجأة؟" انحبس نفسه، وتوقّف قلبه لثوانٍ. "لا أظن أني سأحتمل." تجمّد، وعيناه اتسعتا ببطء، ثم همس بصوتٍ ضائع: "وأنا…؟" لم يجبه أحد… فقط الصمت، ذلك الصمت الذي صار أثق
لم يشعر إياد كيف خرج من المقبرة… ولا متى ابتعد عن ذلك التراب الذي ترك فيه كل شيء. لم ينتبه للطريق، ولا للوجوه، ولا حتى لصوت خطواته. كل ما كان يعرفه… أن قدميه تتحرّكان وحدهما، ببطءٍ ثقيل، رغم أنّه… لم يعد يشعر بهما أصلًا ⚡الطريق إلى المنزل… كان مألوفًا، نفس الشوارع، نفس الزوايا، نفس الأبواب… لكن هذه المرة بدا مختلفًا. أطول… أبرد… وكأن الهواء نفسه تغيّر، أصبح أثقل، يخنق الأنفاس بدل أن يمنحها. كل خطوة كانت تسحب منه ما تبقى من طاقته، وكأن جسده يمشي… بينما روحه ما زالت هناك، عند القبر 💔وصل أخيرًا.وقف أمام الباب للحظات طويلة، يحدّق فيه بصمت، عيونه غارقة، شاحبة، كأنّه لا يتذكّر ماذا يوجد خلفه… أو إن كان يريد الدخول أصلًا. يده ارتفعت ببطء، أصابعه بردت وهي تلامس المقبض، ثم فتح الباب.المنزل…كان هادئًا.هادئًا بشكلٍ خاطئ.لا صوت… لا حركة… لا حياة. 🕯️كانت الجدة تجلس على الأريكة، عباءتها السوداء تحيط بها، ظهرها منحني قليلًا، ويديها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها غارقتان في فراغٍ موجع. عندما سمعت صوت الباب، رفعت رأسها ببطء، ملامحها متعبة، محمّلة بحزنٍ ثقيل."إياد…"خرج اسمه منها ضعيفًا، كأنه آ
لم يبدأ الحزن عند القبر… بل عند تلك اللحظة، حين فُتح الغطاء للمرة الأخيرة. كان المكان ساكنًا على نحوٍ خانق، والهواء ثقيلًا، يحمل رائحة الوداع التي لا تُحتمل. تقدّم الناس ببطء، وجوههم شاحبة، عيونهم تهرب من المشهد، ينظرون لثوانٍ ثم يشيحون بوجوههم سريعًا، كأنهم يخشون أن يلمسهم هذا الصمت البارد 💔لكن إياد… لم يتحرّك.وقف بعيدًا، مرتديًا قميصًا أسود بسيطًا، لم يهتم بكيّه، أكمامه مجعّدة قليلًا، وشعره مبعثر كأن النوم لم يزره منذ أيام. ملامحه شاحبة بشكلٍ واضح، وعيناه غارقتان في سوادٍ عميق، خاليتان من أي بريق. كان يتنفس بصعوبة، صدره يرتفع ويهبط بثقل، وكأن الهواء نفسه يرفض الدخول إلى رئتيه ⚡"تعال… ودّعها."قالها أحدهم بصوتٍ خافت، مليء بالحذر.لم يرد.لم يقل "لا".لكن قدميه… تحرّكتا رغمًا عنه.خطواته كانت بطيئة، ثقيلة، كأن كل خطوة تسحبه نحو هاوية يعرف أنه لن يخرج منها كما كان. اقترب… حتى توقف أمامها.نظر…وللمرة الأولى منذ الحادث—رآها حقًا.ملامحها هادئة، ساكنة، شعرها مرتب حول وجهها، شفاهها صامتة… لا تبتسم، لا تناديه، لا تغضب منه. كانت… غائبة. بشكلٍ مخيف 💔اقترب أكثر، انحنى قليلًا، وكأنه يخ
دخلت الجدة بخطواتٍ متسارعة، عباءتها الداكنة تتحرك خلفها بخفة، وأنفاسها متقطعة، يسبقها خوفٌ ثقيل لا تعرف له اسمًا. كانت عيناها القلقتان تبحثان في المكان بجنون… عن إياد… عن نور… عن أي علامة تطمئن قلبها الذي بدأ يرتجف منذ أن سمعت الخبر ⚡لكنها توقّفت فجأة.هناك… في منتصف الغرفة… سريرٌ أبيض بارد، وعلى سطحه جسدٌ ممدّد، مغطّى بملاءةٍ بيضاء تخفي كل شيء… كل الملامح… كل الحياة 💔ارتجفت يداها، أصابعها انقبضت على أطراف عباءتها، وتباطأت أنفاسها بشكلٍ مؤلم، وكأن الهواء نفسه أصبح ثقيلاً لا يُحتمل. نظرت إلى الجسد المغطّى، نظرة طويلة، خائفة… ثم همست بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع: "لا… لا… مو هي…"لكن قلبها… كان يعرف.يعرف الحقيقة قبل أن تجرؤ عيناها على رؤيتها.تقدّمت خطوة… ثم أخرى… وكل خطوة كانت تسحب منها قوتها، تسلب منها تماسكها، وكأن الأرض تحت قدميها لم تعد ثابتة. يدها ارتفعت ببطء، مرتجفة، وكأنها تريد أن تزيح الملاءة… لكنها توقفت في الهواء، عاجزة… خائفة من لحظة التأكد 💔عندها… لم تحتمل.التفتت ببطء…لتجده.كان إياد جالسًا على الأرض بجانب السرير، ظهره منحني قليلًا، قميصه ما يزال ملوّثًا ببقع الدم التي