LOGINفي أزقة المدينة القديمة بطرابلس، عاشت "شهد" حياة هادئة قبل أن تنقلب موازينها بوفاة والدها ومرض والدتها، فتجد نفسها مجبرة على التخلي عن أحلامها الجامعية والعمل لإعالة أسرتها. وسط تلك العتمة، كان "عمران" نافذتها الوحيدة نحو الأمل؛ شاب طموح وقف إلى جانبها في أصعب مراحل حياتها، حتى نمت بينهما مشاعر صامتة ظنت أنها ستقود أخيرا إلى الحب الذي انتظرته طويلا. لكن، وقبل أن تبدأ قصتهما، تتدخل الخيانة وسوء الفهم والمؤامرات لتفرق بينهما، فيرحل عمران بعيدا ويتزوج امرأة أخرى، بينما تبقى شهد عالقة في حياة قاسية، محاصرة بالفقر والخذلان ورجل خطير يدعى "إياد". تمر السنوات، ويعود عمران إلى حياتها مجددا، لكن ليس كرجل عاشق، بل كرجل محطم فقد ابنه الوحيد واكتشف خيانة زوجته. وفي أكثر لحظات شهد ضعفا، يقدم لها عرضا صادما لا يشبه الحب بشيء: أن يتزوجها مقابل علاج والدتها وإنقاذ حياتها. بين زواج بارد تحكمه المصالح، وماضٍ لم يمت رغم الخراب، تجد شهد نفسها عالقة مع رجل غيرته الخسارات، يحمل في قلبه الغضب والانتقام أكثر مما يحمل الحب. فهل يمكن لمشاعر دفنتها السنوات أن تعود للحياة؟ أم أن بعض القلوب حين تنكسر… لا تعود كما كانت أبدا؟
View More- بإمكاني مساعدتك في علاج والدتك ونقلها إلى الخارج.
تجمدتُ في مكاني للحظات عند رؤية عمران، وغرقتُ في تفاصيل وجهه التي حاولتُ نسيانها طويلا. رغم حدة ملامحه، وجدتُ نفسي أتأملها بتركيز لم أحصل عليه يوما؛ تبرز عيناه البنيتان من خلف رموشه الطويلة التي تظلل نظراته، وتلتقي اللحية المهذبة بحدود فكه القوي، فتحدد معالم وجهه بدقة. كان يرتدي بدلة زرقاء عززت فخامة حضوره، وكأن السنوات لم تزده إلا صلابة وشموخا. همس قلبي في تلك اللحظة بشيء أخفيته لسنوات: - لقد اشتقتُ إليه كثيرا. قطع شرودي صوته الجاد حين كرر عرضه بحزم: - بإمكاني مساعدتك في علاج والدتك ونقلها إلى الخارج. حين استوعبتُ العرض، ضيقتُ عيني وسألته باستنكار، والخوف يصارع الكبرياء في صدري: - لماذا؟ لم قد تساعدني؟ وما المقابل الذي تريده؟ ضيق عمران عينيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، قبل أن يجيب ببرود: - أن نتزوج نهاية الأسبوع. هكذا، وبكلمات قليلة جردت من العواطف، بدأت قصة زواجي من عمران. لم يكن هناك متسع للرومانسية التي تخيلتها يوما في أزقة المدينة القديمة، ولم تكن هناك زهور أو وعود بالحب الخالد، كان عرضا واضحا ومقايضة صريحة؛ حياة أمي مقابل حياتي معه. وفي تلك اللحظة، وأنا أستحضر وجه أمي الشاحب وأنينها، أدركتُ أن كبريائي ومشاعري المبعثرة لم تعد تملك رفاهية الرفض. وافقتُ بصمت، وأنا أعلم أنني أخطو نحو مستقبل مجهول، تاركة خلفي شهد القديمة بكل أحلامها المنكسرة، لتبدأ رحلة أخرى فوق أنقاض ما تمنيت. **** كانت طرابلس عامة، والمدينة القديمة خاصة هما العالم بأسره في عيني، هناك حيث الدروب تتنفس، والحي الذي ترعرتُ فيه يختصر خارطة الأرض بممراته التي ضاقت بالحجر واتسعت بالحب. عشتُ في تلك الأزقة أجمل فصول عمري، بين والدين صاغا من الحنان بيتا صغيرا، لكنه كان أعظم بيت. كنتُ أمشي في شوارع المدينة بخطوات واثقة، يسبقني فخري بأنني ابنة هذين القلبين. طفولتي عشتها هادئة وجميلة، خالية من المشاكل والهموم. أما الجيران، فكانوا سياجنا المتين، يتقاسمون معنا رغيف الضحك ومرارة الأيام، كأننا عائلة واحدة تفرقت في بيوت شتى. كبرنا معا، ركضنا في الممرات ذاتها، وحفظنا تفاصيل وجوه بعضنا كما نحفظ ملامح إخوتنا، فكانت المساندة بيننا فطرة لا نحتاج لتعلمها. وحين بلغتُ السادسة عشر، استقبل الحي جيرانا جددا، استقروا في البيت القريب منا، ولم تمض أيام قليلة حتى ذاع صيت هدوئهم وطيبتهم التي سبقتهم إلينا. أتذكر جيدا ذلك الشعور الذي غمرني حين سمعت عن نبل أخلاقهم؛ اعتقدت حينها أن حينا العتيق، ببركة سكانه وقدم جدرانه، لا يستقطب إلا كل ما هو جميل وطيب، وكأن المدينة القديمة تختار سكانها بعناية لتزيد من طهر أزقتها. لكن القدر لم يمهلنا لنصافحهم في محفل بهيج أو وليمة فرح، فما إن مر أسبوعان على استقرارهم بيننا، حتى انطفأ السراج الذي كان يضيء عتمة أيامنا ويمنح دارنا الدفء؛ رحل أبي. غاب السند، وغادرنا الرجل الذي لم أتخيل يوما أن الحياة قد تستمر بدونه. رحل وترك خلفه فراغا موحشا، صمتا ثقيلا لا يكسره ضجيج العالم، وغصة في الروح لا يمحوها مرور الزمن. غاب الأمان الذي كان يحيط بنا، لتصبح الدنيا من بعده واسعة ومخيفة، وكأن الدار فقدت سقفها فجأة تحت سماء لا ترحم. غرقنا أنا وأمي في لجة الصدمة، كدنا نفقد أنفاسنا تحت وطأة الفقد، لكن الحياة كانت قاسية بما يكفي لكي لا تمنحنا رفاهية البكاء طويلا. وجدت أمي نفسها وحيدة أمام عاصفة المسؤولية التي هبت بغتة، فشدت مئزر الصبر وقررت ألا تترك للنقص ثغرة تتسلل منها إلى حياتي، أو تكسر كبريائي الذي استمددته يوما من وجود أبي. ذهبت للعمل في حقل "خالي جلال"، هناك حيث تقف الأرض شاهدة على كفاحها، تحت لهيب الشمس الحارق وجفاف التربة القاسي، تنثر عرقها وتعبها، فقط لكي تزرع في عيني بريق النجاح وتضمن لي مقعدا في فصول العلم، بعيدا عن شقاء اليدين الذي اختارته لنفسها. توالت السنون، حتى بلغتُ العشرين، وهناك بدأ التعب يكتب فصول قصته الموجعة على ملامح أمي. رأيت الضعف يزحف بخبث إلى جسدها الذي استهلكته الحقول، وانحنى ظهرها الذي كان لي يوما سندا لا يميل، وكأن الشمس سرقت نضارتها وعافيتها لتعطيني ثمن مستقبلي. لا تزال تلك الليلة عالقة في ذاكرتي، ليلة ثقيلة الهواء، خنقت فيها العبرات وسكن فيها كل شيء إلا أنينها المكتوم الذي كان يمزق هدوء بيتنا الصغير. كانت تلك الأنفاس المتعبة تخبرني أن شيئا ما قد انكسر، وأن فصلا جديدا من التحدي قد بدأ يفرض نفسه على قدري. تلك الليلة هي الحد الفاصل، النقطة التي انشطر عندها عمري إلى نصفين؛ نصف يفيض بالأحلام، ونصف وضعني أمام القرار المصيري الذي سيحدد ملامح ما تبقى من أيامي. بدأ الأمر حين اخترق مسامعي سعال أمي، لم يكن مجرد سعال عابر، بل أنينا لشيء يتمزق في صدرها المثقل بالتعب. اندفعتُ نحو غرفتها والخوف ينهش قلبي، كان الظلام يبتلع الأركان إلا من خيط قمر باهت يتسلل من النافذة، يرسم اهتزاز جسدها النحيل فوق السرير: - أمي.. جلستُ بجوارها، وضعتُ يدي على ظهرها المنهك، فشعرتُ بأنفاسها حارقة كأنها جمرات تتآكل في جوفها. مدت يدها الواهنة تبحث عني في العتمة، فقبضتُ على أصابعها المرتجفة، عندها همست بصوت واهن يقطر حنانا: - أنا بخير.. لا تخافي. كذبة مكشوفة، كذبة بيضاء غلفت بها وجعها، كنتُ أسمع حشرجة صدرها الواضحة وأتظاهر بتصديقها، ليقيني أن الوجع الذي يسكنها أكبر من كل حيلي. ناولتها كوب الماء، فارتجفت يدها حتى انسكب منه القليل فوق الغطاء، فسندتُ الكوب معها بقلب يرتجف، ورفعته إلى شفتيها ببطء مرير. - سنذهب إلى الطبيب غدا. قلتها بجرأة، فنظرت إلي بعينين ذابلتين ملأهما الاعتذار، وكأنها تعتذر عن مرضها: - لا حاجة، هو تعب قليل. كنتُ أعلم جيدا أن كلمة "قليل" في قاموسنا المرير تعني أن جيوبنا فارغة من كل شيء إلا الكرامة. في صباح اليوم التالي، وقفت أمي عند الباب تلف وشاحها بوهن، تحاول جاهدة إخفاء شحوب وجهها خلف ابتسامة ذابلة وقالت: - سأذهب للحقل وأعود قبل الظهر. - لن تذهبي. خرجت الكلمة مني بصوت حازم لم يعهده لساني من قبل، صوت ولد من رحم الخوف عليها. نظرت إلي بدهشة تخللها انكسار، ثم قالت بعد أن أشاحت بوجهها نحو الأفق: - ومن سيعمل إذن؟ خالك لن يعطينا المال بسهولة. عجزتُ عن الرد، فابتلعتُ غصتي واكتفيت بمراقبة قامتها التي انحنت قليلا وهي تبتعد بخطى منهكة. في ذلك اليوم، لم تأخذني قدماي إلى مقاعد الدراسة، بل جلستُ على حافة سريري، أمام ركام كتبي التي كانت تمثل نافذتي على العالم. سحبتُ أحدها، فتحتُ صفحاته، قرأتُ سطرا.. ثم سطرين.. ثم انطفأ المعنى فجأة في عيني، وأصبحت الحروف مجرد أشباح لا روح فيها. أغلقتُ الكتب بهدوء تام، كأنني أطبق باب القبر على حلم كان يتنفس الصعداء، ثم رفعتُ نظري للسقف، وقلتُ في سري ما لم يجرؤ لساني على النطق به: - انتهى. لم أحتمل رؤيتها تنزف عافيتها لأجل تعليمي، فقررتُ دون تردد أن أطوي صفحة الجامعة. تحولتُ في لحظة من طالبة كانت ترسم أحلامها فوق السحاب، إلى شابة تبحث عن أي عمل بين طيات الأرض، عمل يسد ثمن الدواء ويوفر لأمي الرعاية التي تستحقها، تلك الرعاية التي ضحت بصحتها لأمنحها إياها. عارضت أمي في الباديء، ووقفت أمام رغبتي في ترك الدراسة، فكيف لها وهي التي أفنت عمرها في الحقول أن ترى ثمرة تعبها تذبل قبل الأوان؟ ولكن، ما إن سقطت مريضة وانكسرت قوتها أمام وطأة الوجع، حتى وافقت على مضض. نظرت في عيني بنظرة ممزقة بين الانكسار والامتنان، وأرخت يديها لتتركني أمضي في دروب الشقاء من أجلها، تماما كما أفنت هي صحتها من أجلي ولكن للحق، في تلك المحنة لم يتركنا الله وحدنا، فقد كان للقدر ترتيبات أخرى خبأها لنا خلف جدران الجيرة. وتحديدا في تلك الفترة العصيبة التي مرضت فيها أمي، كان بيت "عمي جلال العالي" هم العوض الجميل؛ هؤلاء الجيران الجدد الذين سكنوا الحي قبل رحيل أبي بأسبوعين، والذين ظننتُ يوما أننا لن نلتقي بهم إلا في الأفراح. لم يتأخروا يوما عن مد يد العون، كان عمي جلال وابنه "عمران" يتناوبان على الوقوف معنا بصدق لم نعهده إلا في ذوي القربى. كانا يوصلانني إلى العمل، ويرافقان أمي إلى المستشفى في أزماتها الصحية المتكررة، حتى صار فضلهما دينا يطوق عنقي، دينا لا ينسى مهما طال الزمن. أما عمران، فكان له في قلبي حيز مختلف تماما، حيز سكنته ذكريات لا تشبه غيرها. كان بيننا ذلك الإعجاب الصامت الذي ينمو في العتمة، حكاية قديمة ولدت في الخفاء، تقتات على النظرات العابرة والكلمات المقتضبة.كانت رائحة الطعام المنتشرة في الأرجاء وأصوات نقرات الملاعق والسكاكين تثير أعصابي وتجعل قلبي في حالة من الاضطراب الشديد، بينما ظل نظري معلقا به وجسدي كله في حالة من التشنج والترقب، أنتظر بفارغ الصبر تلك الكلمات التي ستخرج من فمه، ومستعدة تماما لكل ما سيقوله عمران. ولما نجحت في السيطرة على نفسي واستطعت أن أتنفس بهدوء، وانتبه هو لذلك، التفت إلي وكان أول شيء قاله قبل أن يبدأ في سرد الحقيقة: - شهد، أرجو أن تتفهمي ما سأقوله قبل أن تصدري أي حكم، وعليك أن تصبري معي حتى النهاية كي لا يبتر الحديث ويحمل معان غير التي أقصدها فتصلك الحقيقة ناقصة؛ سأبدأ بسرد حكايتي من البداية لنفهم الأسباب معا ونبحث عن حل. رغم ازدياد توتري الذي حاولت ضبطه بصعوبة بعد كلماته هذه، إلا أنني وافقت على الفور ووعدته بأنني سأستمع إليه بعناية، ولن أقاطع حديثه حتى ينتهي تماما. تنفس عمران الصعداء ثم قال: - شهد، قبل أن آتي إلى المدينة القديمة كنا نسكن في جنزور، وكنا أنا ولين جيران منذ الطفولة ولم نفارق بعضنا قط. لم أستطع إخفاء ملامح المفاجأة التي ارتسمت على وجهي، غير أنني في أعماقي أدركت أن الأمر كان واضحا منذ البد
ظلّ الفضول ينخر عقلي كلما وقعت عيني على عمران أو دنيا، فكان لابد لي أن أسأل عن شيئين لأرتاح: الحقيقة التي نطقا بها ولم يخبراني بها، والاتصال الذي جاء لعمران.عزمتُ على أن أسأل عمران، فتقدمت نحوه بخطى مرتعشة، وقلبي يدق بعنف، وحرارة جسدي تلفحني كلما تحركت باتجاهه. لا أعرف سبب هذا الاضطراب؛ هل لأني أخاف أن تكون ردة فعله قوية ويصدني، أم لأني سأصدم بالحقيقة عندما أحظى بمعرفتها؟عندما وصلت وتوقفت أمامه، ضربت جسدي ارتعاشة خفيفة، كأنها ماس كهربائي، مع ذلك انفرج فمي وسألته:- ما بك؟! تبدو مشوشا وقلقا منذ أن جاءك الاتصال...هل هناك خطب ما؟!حدق في وجهي لبعض الوقت وملامح التجهم تكسو محياه، ولكن رده جاء على غير ما توقعت تماما، إذ كان في غاية اللطف وتحدث بنبرة هادئة قائلا:- لا تقلقي...إنها مشاكل العمل وضغوطه فحسب، يبدو أنها تلاحقني حتى هنا.رسمت على شفتي ابتسامة باهتة، لم أستطع تصديق كلامه، ولكنني شعرت أنه لا حيلة بيدي في هذه اللحظة، لأكذبه، وأجبره على قول الحق.غير أن الأمر الذي فاجأني، هو أنه استطرد في حديثه وكأنه يقرأ كل ما يدور في عقلي من أفكار، ليعدني بأنه سيخبرني بالحقيقة كاملة، ولكن في الو
شهد.. أريد أن أعترف لكِ بشيء.بثّت تلك الكلمات الفزع في أوصالي، وجعلتني أتساءل بحيرة إن كان ما أراه هو الحقيقة أم أنه مجرد حلم. عقدتُ حاجبيّ وقد تملكتني رغبة في أن أسأله: - بماذا ستعترف؟خيّم على المكان صمت ثقيل وممتد، إلى أن قطعه رنين صوته الهادئ؛ كان صوته الهادىء يشبه نسمة باردة تلامس الوجه وتنعشه:- أنا أحبكِ...في تلك اللحظة، اتسعت عيناي، وعجز لساني عن إسعافي بأي كلمة، بينما سرت في جسدي حرارة مباغتة كالنار.لم يمهلني عمران أي فرصة لأستوعب ذهولي، بل أخذ يقترب مني خطوة تلو الأخرى، وهو يمحو كل المسافات الفاصلة بيننا، حتى شعرت بأنفاسه الحارة وهي تختلط بأنفاسي، مما زاد من اضطرابي وتوتري. لم أعد أدرك ما يدور حولي؛ فقد استسلم جسدي بالكامل لهذه اللحظة الحميمية المفاجئة، واغرورقت عيناي بدموع لم أعرف إن كانت من فرط الصدمة أم من مشاعر أخرى غامضة.عشت لحظة مثالية يملؤها السحر، ولكن سرعان ما تبدد كل شيء، حين وجدت عمران نفسه يهز كتفي بقوة ليوقظني من النوم.نعم، لقد كان مجرد حلم، وهما عابرا نسجه عقلي لا أكثر.فور استيقاظي ورؤيته شاخصا أمامي، اجتاحتني موجة عارمة من الحرج والارتباك؛ فقد كانت تف
بدأتُ أفرك أصابعي بقوة، في الوقت الذي صعدتْ فيه حرارة مفاجئة ليتوهج وجهي بالكامل. شعرت حينها برغبة عارمة في الذهاب فورا إلى دنيا، حتى أنني كنتُ على استعداد تامٍّ للهروب.غير أن رؤية وجهه العابس وعينيه الشاردتين جعلتني أعيد ترتيب أفكاري؛ أدركت حينها أن المشهد الذي أخذ لبه وأسر تفكيره هو مشهد الطفل الذي ينادي والده، لذلك فضلت البقاء في مكاني، محاولة التفكير في طريقة لتخفيف وطء ذلك الشعور الثقيل الذي لازمه.أخذتُ أحدق في ملامح عمران، أقرأ تفاصيله بدقة علّ فكرة تلهمني بما يجب عليّ فعله لتبديد حزنه.في تلك الأثناء، لم يكن مسترسلا في القراءة، بل كان يمسك برواية "أشياء تتداعى" لتشنوا أتشيبي كأنما يتخذ منها ستارا لشروده الطويل.لحسن الحظ أنني قرأتها من قبل، فعلى الرغم من أنني اضطررتُ لترك الدراسة الجامعية في منتصف الطريق، إلا أن شغفي بالاطلاع والتعلم لم ينطفئ يوما في داخلي. كنتُ دائما أجد منفذا نحو النور؛ فأثقف نفسي في أوقات الفراغ الشحيحة، وألتهم المحاضرات عبر اليوتيوب في شتى أنواع العلوم، كأنني أعوض غيابي عن مقاعد الدراسة.والآن، وأنا أنظر إلى الكتاب بين يديه، أشعر بالامتنان لكل لحظة سرقت
جلستُ قرب أمي ارتعش جسدي كله لرؤية شحوبها الذي يكسو وجهها، ولكن الخوف الأكبر الذي تملّك قلبي في تلك اللحظة، هو أن أفقدها وألا أكحل عيني برؤيتها ثانية.سألتها بنبرة خافتة عن حالها، وكعادتها التي لم تتغير يوما، قالت إنها بخير، متجاهلة كل الوجع الذي يعتصرها."بخير"... كلمة دافئة اعتادت أمي أن تقذفها ف
تجمدت أطرافي فجأة وحبس الهواء في صدري حين وقع بصري على إياد، كان يبدو في تلك اللحظة كوحش كاسر يتربص بفريسته، وعيناه تتّقدان بالشر، والكراهية العمياء، بينما كان يحاول بجهد مستميت إخفاء سلاح ناري يحمله بين يديه، حرصا منه على ألا تلمحه أعين رجال الشرطة الذين كانوا يقفون على مسافة بعيدة أمام المحكمة.
أغلقتُ باب الغرفة خلفي ببطء شديد، وكأنني أحاول عزل نفسي عن العالم الخارجي بأسره، جلست على حافة السرير، ثم دفنت وجهي بين كفي محاولة ترتيب أفكاري المتشابكة، لكنها كانت تتملص مني وتتشتت كالرماد الذي تذروه الرياح.اجتاحتني موجة عاتية من الحيرة والخوف:- كيف سأواجه نظرات الناس؟ وماذا سيقولون عني حين يسم
مرت السنتان كأنهما دهر من الزمان، مرتا بصعوبة بالغة وثقل نهش من روحي الكثير.لم يكن من السهل علي أبدا تجاوز فكرة رحيل عمران مع والديه إلى بنغازي والاستقرار هناك للأبد، وكأنهم يطوون صفحة الماضي بكاملها، وزواجه من لين كان غصة أخرى استقرت في حلقي؛ تلك التي سافرت هي الأخرى مع عائلتها لتلتحق بالعمل في ش






reviews