شفت حلقة من مسلسل درامي عن المحكمة الأسبوع الماضي، وكان في مشهد مشابه خلاني أفكر جدياً في هالموضوع. أعتقد إن المشتبه به يعترف بالماضي السري للمجرم عشان يخلق سردية درامية تقلب الطاولة على الجميع. تخيل معاي، القاضي وهيئة المحكمة متوقعين أدلة تقليدية، وفجأة المشتبه به يطرح قصة عميقة عن ماضي المجرم، سواء كانت صحيحة أو مبالغ فيها، وهالشي يشتت الانتباه ويزرع الشك في نفوس الحضور.
هذي الاستراتيجية تذكرني ببعض وثائقيات الجريمة الحقيقية، زي 'Making a Murderer'، حيث الدفاع يستخدم خلفيات المتهم لإظهار الدوافع. الفكرة إن الماضي السري هو أداة نفسية، إما إنه يظهر إن المجرم عنده تاريخ عنف يفسر الجريمة الحالية، أو إنه يبني تعاطف مع المشتبه به نفسه. صدقني، هالحركة تضرب في وتر حساس، خاصة إذا القصة فيها صدمة أو تفاصيل مثيرة تعلق في أذهان الحاضرين.
تدور أحداث 'المسيح يصلب من جديد' أو 'الملطخ بالخزي' أو حتى 'اللص الذي أحب الحياة' - كلها ألقاب لرواية 'الغريب' لألبير كامو التي لا أستطيع نسيانها. لكن إذا تحدثنا عن مجرم سابق حرفياً، أتذكر أنني قرأت 'الموت الجميل' لميلوش فورمان وأنا في الجامعة، وشعرت وكأني أسير في شوارع نيويورك مع بطلها الذي حاول ترك عالم الجريمة.
ما يجذبني في هذا النوع من القصص هو التحول الداخلي المعقد، كيف يرسم الكاتب رحلة العودة من الظلام. مثلاً في 'الأمير الضفدع' لستيفن كينغ، تجد مجرماً سابقاً يحاول بناء حياة جديدة لكن الماضي يطارده كظل لا يختفي. أتذكر أنني بكيت في مشهد المواجهة الأخير لأنه يطرح سؤالاً مؤلماً: هل يستطيع الإنسان حقاً تغيير جوهره؟
لست من محبي التوصيات الجاهزة، لكن إذا كان هناك عمل واحد سأرشحه بكل ثقة، فهو 'الخلفاء الأربعة' للكاتب الياباني كينزابورو أوي. يروي قصة رجل خرج من السجن بعد عشرين عاماً واكتشف أن ابنه أصبح مجرماً أيضاً. الجملة التي لا تزال عالقة في ذهني هي: 'حين تظن أنك هربت من مصيرك، تجده ينتظرك في أطفالك'. هذه الروايات تجعلك تسأل نفسك: هل الحرية قرار أم قدر؟
أنا دايمًا مهتم بفكرة تصوير المجرم السابق في الأفلام، لأنها مرآة للصراع الإنساني بين الرغبة في التغيير وثقل الماضي. في رأيي، الفيلم اللي ينجح في تقديم هذه الشخصية بواقعية هو اللي يظهرها كإنسان عادي بسيط، مش مجرد شرير أو بطل خارق. مثلاً، شوفت فيلم 'The Shawshank Redemption' وتأثرت جدًا بشخصية 'ريد'، المجرم السابق اللي بيحاول يعيش حياته بعد السجن. ما كانش في مشاهد درامية مبالغ فيها، ولا كان بيحاول يثبت إنه تغير بطريقة مثالية. بالعكس، شفنا خوفه من العالم الخارجي، تردده في اتخاذ القرارات، ونظراته اللي بتظهر إنه لسّه حامل ألم الماضي.
الواقعية تظهر كمان في تفاصيل صغيرة زي كيف يتعامل مع الناس، وكيف ينظر للمستقبل بخوف وأمل في نفس الوقت. فيلم 'The Place Beyond the Pines' مثلاً، صور المجرم السابق كأب بسيط بيحاول يوفّر حياة أفضل لابنه، لكنه حامل عيوب الماضي اللي بتطارده. أجمل حاجة في التصوير إنه ما بيضّحش كل حاجة، ساعات الصمت ولغة الجسد بتقول أكثر من الكلام. مشاهد زي لما يتردد قبل ما يدخل مكان عام، أو لما ينتبه لحركات الناس حوليه، دي الحاجات اللي بتخليني أحس إنه شخص حقيقي، مش مجرد شخصية على الشاشة.
وأخيرًا، أنا بقدر الأفلام اللي تخليني أنسى إنه ممثل، وأحس إنه فعلاً واحد كان في السجن. دي علامة الواقعية الحقيقية، لما تنسى إنك بتتفرج على فيلم وتبقى عايش مع الشخصية.
من أكثر النظريات اللي تخليني أقعد ليل كامل أقرأ عنها هي نظرية إن المجرم ما كان دايماً مجرم، بل كان ضحية في وقت مبكر من حياته.
فيه دايماً تساؤلات حول ماضيه: هل تعرض لخيانة من أقرب الناس له؟ أو عاش طفولة قاسية خلت عنده فكرة إنه ما عنده خيار غير إنه يكون بهالقسوة؟ تخيلوا لو مثلاً اكتشفنا إنه كان شخص طيب وحساس قبل يصير هيك، وإن حدث واحد هو اللي قلبه رأساً على عقب.
أنا أتذكر في مسلسل 'ديث نوت'، لايت ياغامي بدأ بشخص يبي يغير العالم للأفضل، لكن بعدين تحول لشرير عظيم. شيء زي كذا يخليني أتساءل: هل المجرم في قصتنا كان عنده لحظة تحول مشابهة؟ لحظة قرر فيها إنه يترك كل مبادئه خلفه؟ هذي النظريات تخليني أحس إن الشخصيات السلبية مو مجرد أشرار مسطحين، بل نتاج ظروف ومشاعر معقدة.
أعطيك مثال من تجربة قراءة ومشاهدة متراكمة. في رواية 'الجريمة والعقاب' لدوستويفسكي، راسكولنيكوف اعتقد أنه فوق القانون بعد قتله للمرابية العجوز، لكن العقوبة الحقيقية كانت في داخله - العزلة، جنون الارتياب، وفقدان القدرة على التواصل الطبيعي مع البشر. هذا هو الجانب الأعمق اللي ما تظهره أفلام الأكشن.
اللي لاحظته من متابعتي لوثائقيات الجريمة الحقيقية على منصات مثل 'نتفليكس'، إن العواقب تتجاوز السجن بكثير. فيه نوعين من العقاب: الأول قانوني واضح زي السجن والغرامات، والتاني اجتماعي ونفسي أخطر. الشخص اللي يتورط مع مجرمين بيصبح تحت رادارهم دايمًا، حتى لو حاول يبتعد. في مسلسل 'Breaking Bad'، والتر وايت بدأ بدوافع نبيلة لكن كل خطوة كانت تقوده لفقدان أسرته، هويته، وفي النهاية حياته.
من ناحية عملية، العقوبة تختلف حسب طبيعة التورط. لو كان الشخص مجرد شاهد أو متورط بشكل بسيط، ممكن يواجه تهديدات بالقتل أو ابتزاز عاطفي. لكن لو صار شريك فعلي، فالعقوبات القانونية في العالم العربي تتراوح بين السجن المشدد لسنوات طويلة، وحتى الإعدام في قضايا المخدرات أو القتل. وفيه جانب أخطر - وصمة العار الاجتماعية اللي بتلاحق الشخص وعيلته لأجيال.
أنا شخصيًا أتابع قناة 'Michael Franzese' على يوتيوب، وهو كان عضو سابق في المافيا الإيطالية. يقول إن أكثر عقوبة مؤلمة هي الخيانة - لما تدرك إن رفقاتك الجدد مستعدين يضحون بك في أي لحظة. العزلة اللي يعيشها المجرم بعد سقوطه، حتى داخل السجن، أصعب من القضبان الحديدية.
ختامًا، أعتقد إن العبرة الحقيقية من كل قصص الجريمة اللي قرأتها وشاهدتها هي إن التورط يبدأ بخطوة صغيرة، لكن العواقب مثل الدومينو - كل قطعة تسحب اللي بعدها. وبمجرد ما يتحول الضوء الأخضر لأحمر، ما في زر تراجع.
أعرف أن الموضوع حساس جدًا، لكني شفت بعيني كيف المجتمع يقدر يغير حياة إنسان. كنت متطوع في برنامج إعادة تأهيل، وكان فيه شاب قضى ٧ سنين في السجن بسبب سرقة مسلحة. أول ما طلع، الناس حواليه كلهم كانوا خايفين منه، حتى أهله رفضوا يستقبلوه. لكن لما بدأ يشتغل في ورشة صغيرة ويصلي مع الجيران، بدأوا يتقبلوه شيئًا فشيئًا. المشكلة إن المجتمع عنده ذاكرة طويلة، وكل ما يتذكر جريمته ينسى إنه عاقب.
في رأيي، دور المجتمع مو بس إنه يساعد في شغل أو سكن، لكن الأهم هو إنه يفتح مجال للفرصة الثانية. هالولد صار يعطي دروس في النجارة للمراهقين بعد ما كسب ثقة الناس. لو المجتمع رفضه من البداية، كان راح يرجع للشارع. بالعكس، لما لقى ناس تصدقه، تغير ١٨٠ درجة. يمكن البعض يقول إنه ما يستاهل، لكن أنا أعتقد إن كل إنسان يستاهل فرصة يتغير، بشرط يكون صادق في ندمه.
التحدي الأكبر هو الخوف. الخوف من إنه يكرر نفس الغلط، والخوف من نظرة المجتمع. لكن إذا كان في برامج تأهيل حقيقية مع رقابة، والمجتمع يتعاون، أشوف إنه ممكن يصير قصة نجاح. أنا شخصيًا مؤمن إن العفو والثقة أقوى سلاح ضد الانتكاسة. مو معناه ننسى الجريمة، لكن نعطي فرصة للبني آدم إنه يثبت إنه تغير.
لطالما أثارني السؤال عن الحماية القانونية للمجرمين بعد خروجهم من السجن، خصوصًا بعد أن تابعتُ قصة أحد أقاربي الذي حاول إعادة بناء حياته. في العديد من الدول، هناك قوانين تمنع التمييز في العمل ضد من لديهم سجل جنائي، لكن التنفيذ يختلف. مثلاً، في بعض الأنظمة، يُطلب من صاحب العمل عدم السؤال عن السجل إلا بعد مرحلة معينة من التوظيف.
أيضًا، هناك قوانين تتعلق بالحق في السكن، حيث لا يجوز لمالك العقار رفض المستأجر بناءً على سجله فقط، لكن الضمانات ضعيفة في الممارسة. الأهم عندي هو قانون حماية البيانات، الذي يمنع نشر معلومات عن الجرائم القديمة بعد فترة محددة، مما يمنح الشخص فرصة لبداية جديدة.
لاحظت أن الجانب القانوني لا يكفي وحده؛ المجتمع يحتاج لقبول هذه الفكرة، ونحن كأفراد نستطيع دعمهم بمنحهم فرصًا حقيقية. القوانين الموجودة هي الأساس، لكني أتمنى أن تكون أكثر شمولاً، مثل توفير برامج إعادة تأهيل إلزامية بعد الإفراج، وليس مجرد عقوبات.
أنا أحب المسلسلات اللي تقدم شخصيات معقدة، وخصوصاً قصة تحول المجرم السابق إلى بطل. شفت مسلسل 'Vincenzo' الكوري وكان مثال رائع لهذا الموضوع. البطل اللي كان محامي مافيا إيطالية، يستخدم أساليبه القذرة لمحاربة الفساد. في البداية، الجمهور يتردد في تقبله، لكن مع الوقت، الواحد يبدأ يتعاطف مع دوافعه.
الجميل في هذه النوعية من القصص إنها تطرح أسئلة عميقة: هل الأفعال السيئة تغفر لو كانت النتيجة خير؟ هل البطل لازم يكون نقي، ولا العبرة بالنية؟ أنا أعتقد إن القصة الناجحة هي اللي تخلي المشاهد يتأرجح بين رفض البطل والتعاطف معه.
في مسلسل 'Money Heist'، كل العصابة مجرمين، لكن الجمهور يهتف لهم. الفرق إنهم يسرقون البنوك، لكنهم في نظر المشاهد يسرقون من الظالمين. هذا التضاد هو اللي يخلق الدراما المشوقة. إذا القصة مكتوبة بذكاء، المجرم السابق يقدر يكون بطل أفضل من البطل التقليدي.