LOGINفي قلب لندن عام 1920، حيث يمتزج ضباب القرن التاسع عشر المتأخر بظلال العصر الحديث، كانت ليلتنا تبدأ كأي ليلة باردة. كنا نحتسي الشاي مساء يوم الثلاثاء الممطر، والدفء يملأ الغرفة، إذ سمعنا صوتاً يمزق سكون الليل من الخارج يصرخ: "أغيثوني!". لم يكد الصدى يكتمل حتى أُسكت هذا الصوت فجأة، وكأن يداً آثمة قطعت أنفاس صاحبه. بوجلٍ لم يخلُ من فضولي، أخذت معطفي واتجهت صوب الشارع غارقاً في المطر. هناك، تحت ضوء المصباح الخافت، رأيت رجلين يجريان بعيداً ليتواريا بجوار حانة "توماس السكير". لم تكن هذه مجرد جريمة عابرة، بل كانت الغلاف الأول لكتاب "علم الجريمة" الذي سيغير مجرى حياتنا. تلك الحادثة لم تكن إلا خيطاً رفيعاً يقود إلى شبكة معقدة من الأسرار الغامضة التي تلف أزقة لندن. خلف أبواب الحانة الكئيبة، وداخل تلك البنايات العتيقة التي تجر أمامها العربات بالخيول، اختبأ قاتل محترف يتحدى أحدث نظريات التحقيق الجنائي. القصة ليست مجرد ملاحقة لمجرمين هاربين، بل هي صراع مرير بين العقل البشري والشر المطلق، حيث تصبح الأدلة الجنائية، وتحليل الآثار المجهرية، وفهم النفس البشرية هي الأسلحة الوحيدة لفك طلاسم لغز "الغرفة المغلقة" وجرائم النفق المظلم. بين صفحات هذه الرواية، يمتزج عبق التاريخ اللندني ببرودة الجريمة، ليرسم المحقق والصحفي معاً ملامح حقبة كان العلم فيها يولد من رحم الغموض. "علم الجريمة" هي رحلة مشوقة في أعماق النفس البشرية، تبدأ بصرخة استغاثة في ليلة ممطرة، وتنتهي بحقائق مذهلة تدفعك للتساؤل عن الحدود الفاصلة بين العدالة والانتقام.
View Moreفي قلب لندن عام 1920، حيث يمتزج ضباب القرن التاسع عشر المتأخر بظلال العصر الحديث، كانت ليلتنا تبدأ كأي ليلة باردة. كنا نحتسي الشاي مساء يوم الثلاثاء الممطر، والدفء يملأ الغرفة، إذ سمعنا صوتاً يمزق سكون الليل من الخارج يصرخ: "أغيثوني!". لم يكد الصدى يكتمل حتى أُسكت هذا الصوت فجأة، وكأن يداً آثمة قطعت أنفاس صاحبه.
بوجلٍ لم يخلُ من فضولي كشاب اسعي لأكون صحفياً، أخذت معطفي واتجهت صوب الشارع غارقاً في المطر. هناك، تحت ضوء المصباح الخافت، رأيت رجلين يجريان بعيداً ليتواريا بجوار حانة "توماس السكير". لم تكن هذه مجرد جريمة عابرة، بل كانت الغلاف الأول لكتاب "علم الجريمة" الذي سيغير مجرى حياتنا.
تلك الحادثة لم تكن إلا خيطاً رفيعاً يقود إلى شبكة معقدة من الأسرار الغامضة التي تلف أزقة لندن. خلف أبواب الحانة الكئيبة، وداخل تلك البنايات العتيقة التي تجر أمامها العربات بالخيول، اختبأ قاتل محترف يتحدى أحدث نظريات التحقيق الجنائي. القصة ليست مجرد ملاحقة لمجرمين هاربين، بل هي صراع مرير بين العقل البشري والشر المطلق، حيث تصبح الأدلة الجنائية، وتحليل الآثار المجهرية، وفهم النفس البشرية هي الأسلحة الوحيدة لفك طلاسم لغز "الغرفة المغلقة" وجرائم النفق المظلم.
بين صفحات هذه الرواية، يمتزج عبق التاريخ اللندني ببرودة الجريمة، ليرسم المحقق والصحفي معاً ملامح حقبة كان العلم فيها يولد من رحم الغموض. "علم الجريمة" هي رحلة مشوقة في أعماق النفس البشرية، تبدأ بصرخة استغاثة في ليلة ممطرة، وتنتهي بحقائق مذهلة تدفعك للتساؤل عن الحدود الفاصلة بين العدالة والانتقام ،
كانت عقارب الساعة المقابلة للمدفأة تشير إلى الحادية عشر مساءً. صوت قطرات المطر وهي ترتطم بنوافذ الغرفة الزجاجية كان النغمة الوحيدة التي تكسر صمت المكان، يرافقها تصاعد بخار الشاي الدافئ من كوبين استقرا على الطاولة الخشبية العتيقة. كنت أجلس برفقة صديقي الصحفي، نناقش مقالاً طبياً حول تطور أساليب رفع البصمات، ولم نكن نعلم أن أبحاثنا النظرية على وشك أن تتحول إلى واقع حي في غضون دقائق.
فجأة، اخترق الهدوء صوتٌ مزق سكون الليل. صوتٌ حاد، يحمل من الرعب ما يجعل الأبدان تقشعر:
— "أغيثوني!... أرجوكم...!"
لم يكد الصدى يكتمل، ولم نتمكن حتى من تحديد الاتجاه بدقة، حتى أُسكت هذا الصوت فجأة. انقطع وكأن يداً آثمة غليظة كتمت أنفاس صاحبه ووارتها الثرى.
تبادلنا نظرة سريعة لم تدم لأكثر من ثانية؛ كانت نظرة تجمع بين دهشة الفضول وواجب المهنة. لم نتردد، التقطتُ معطفي الطويل وقبعتي، وأمسكت بمصباحي اليدوي، ثم اندفعنا خارج الباب صوب الشارع الغارق في ظلام المطر اللندني البارد.
عندما وطأت أقدامنا الرصيف المبلل، كان الضباب يلف المكان، لكنني لمحت حركة مريبة تحت ضوء المصباح الخافت في نهاية الزقاق. رجلان يجريان بسرعة جنونية، تلتحف أجسادهما بملابس داكنة، ويتوارى أثرهما بجوار حانة "توماس السكير".
ركضنا باتجاه الحانة، وكانت أنفاسنا المتصاعدة في الهواء البارد تسابق خطواتنا. وصلنا إلى المنعطف الذي اختفيا خلفه، لتتوقف أقدامنا فجأة أمام مشهدٍ جمد الدماء في عروقنا..
وصلنا إلى المنعطف الذي اختفيا خلفه، لتتوقف أقدامنا فجأة أمام مشهدٍ جمد الدماء في عروقنا.
تحت ضوء مصباح الحانة الخافت والمتهالك، كانت هناك جثة هامدة ملقاة على الأرض مباشرة أمام المدخل. اقتربنا بخطوات حذرة، والمطر يغسل رصيف الشارع المبلل، ليتضح لنا أنها فتاة شابة في مقتبل العمر. كان شعرها مبتلاً ومبعثراً على وجهها الشاحب، وجسدها مستلقياً بلا حراك.
انحنيت مسرعاً وجسست نبضها، لكن برودة الموت كانت قد سبقتنا إليها. رفعت مصباحي اليدوي الصغير بطلب من صديقي ، الذي كان يراقب الأرجاء بحذر، لنسلط الضوء على رأسها؛ وهناك بدت المأساة واضحة. كانت هناك ضربة عنيفة ونافذة على مؤخرة الرأس، تسببت في جرح غائر سالت منه الدماء لتمتزج بمياه المطر على الأرض. الضربة لم تكن عشوائية، بل بدت وكأنها وُجهت بأداة حديدية ثقيلة وبدقة متناهية شلت حركتها وأنهت حياتها في ثوانٍ، وهو ما يفسر انقطاع صرختها فجأة.
انفتحت دفة باب حانة "توماس السكير" ببطء، وخرج منها ضوء أصفر باهت ومعه رائحة التبغ الرخيص، ليطل علينا وجه توماس الشاحب والمذعور من أثر الخمر، ينظر إلى الجثة ثم إلينا بعينين متسعتين.
الآن، بدأت خيوط "علم الجريمة" تتشابك؛ فتاة مقتولة، رجلان هاربان في عتمة الليل، وصاحب حانة قد يكون شاهداً أو شريكاً ،
انفتحت دفة باب حانة "توماس السكير" ببطء، وخرج منها ضوء أصفر باهت ومعه رائحة التبغ الرخيص. أطل علينا توماس بجسده السمين المترنح، ووجهه الشاحب وعينيه الواسعتين اللتين يملأهما الذهول والنعاس من أثر الخمر، وكان لا يزال يقبض بأصابعه الغليظة على كأس من النبيذ الأحمر.
نظر إلينا، ثم نقل بصره نحو الجثة الملقاة عند عتبته، ولم يبدُ عليه أنه أدرك حجم الكارثة بعد، بل هز رأسه بابتسامة بلهاء وقال بصوت ثقيل تملأه الركاكة:
— "أهلاً بالسيد جوني ماجواير المحترم وصديقه.. تفضلا إلى الداخل، الجو عاصف بالخارج!"
تبادلتُ نظرة سريعة مع صديقي الصحفي. توماس يعرفني جيداً بحكم أنني اسكن بجواره يتردد على هذه الأنحاء، لكن بروده تودده في هذا الموقف كان يثير الريبة. هل يحاول إبعادنا عن مسرح الجريمة؟ أم أن الخمر سلب عقله لدرجة تجعله لا يرى جثة فتاة تنزف عند قدميه؟
خطوتُ خطوة نحو الأمام، وحجبتُ بجسدي الممشوق ضوء الحانة عن الجثة لحمايتها من العبث، ثم نظرتُ إلى توماس بصرامة، وقلت بصوت حازم قطعت به ترنحه:
— "توماس، ضع الكأس جانباً وانظر بتمعن إلى الأرض.. مَن هذه الفتاة؟ ومَن هما الرجلان اللذان خرجا من حانتك قبل دقيقة واحدة كالسهم؟"
سقطت قطرات من النبيذ الأحمر من كأسه المرتجف لتختلط بدماء الضحية ومياه المطر، وبدأ الخوف الحقيقي يتسلل إلى ملامح وجهه السمين ،
ارتجف توماس، ونظر إلى الكأس في يده ثم إلى الجثة، وبدا وكأن برودة المطر بدأت تُذهب سكرة الخمر من رأسه.
حينها، أدركتُ أن عليّ إدارة الموقف بذكاء. أنا جوني ماجواير، شاب في السابعة والعشرين من العمر، أقطن في هذا الشارع ذاته منذ سنوات، وأعرف خبايا جيراني جيّداً، وعلى رأسهم هذا السكير العجوز. ورغم أنني أعمل كصحفي مبتدئ في إحدى صحف المدينة الكبرى وأسعى خلف الحقيقة بفضول المهنة، إلا أن خلفيتي في "علم الجريمة" وشغفي بتحليل الأدلة جعلاني أتصرف ببرود المحققين المحترفين في هذه اللحظة الحرجة.
أمسكتُ توماس من معطفه اللزج برفق ولكن بحزم، وقلت له بصوت منخفض:
— "توماس، لستُ هنا للاحتساء الليلة. انظر إليّ جيداً.. أنا جوني، جارك. مَن هذه الفتاة؟ ومَن اللذان ركضا من هنا؟"
ابتلع توماس ريقه بصعوبة، ونظر يميناً ويساراً كأنما يخشى أن يراقبه أحد من عتمة الزقاق، ثم همس بصوت متحشرج:
— "أقسم لك يا سيد جوني.. أنا لا أعرف الفتاة، لكن الرجلين.. أحدهما كان يرتدي قبعة مخملية عالية ويمشي بجرأة كأنه من نبلاء المدينة، والآخر كان يتبعه كالظل. دخلا الحانة قبل ساعة، ولم يتحدثا لأحد، وفجأة خرجا مسرعين بعد أن دخلت هذه الفتاة خلفهما بدقائق معدودة!"
التقط صديقي الصحفي مفكرته بسرعة وسجل هذه الأوصاف تحت المطر، بينما انحنيتُ أنا مجدداً نحو الجثة. أخرجتُ منديلاً قماشياً من جيبي، ولفت انتباهي شيء يلمع بجانب يد الفتاة الميتة.. شيء سقط من القاتل أثناء الهرب ،
نظرتُ إلى صديقي مارك، الذي كان يرتجف خلفي من برد المطر وهول المشهد، وقلت له بحزم:
— "مارك، يجب أن نبلغ الشرطة فوراً. الجريمة وقعت للتو، والقاتلان لم يبتعدا كثيراً."
أومأ مارك برأسه موافقاً، وعيناه لا تفارقان دماء الفتاة الشابة. التفتُّ إلى توماس السكير وأمرته بصوت صارم ألا يحرك الجثة أو يلمس أي شيء حولها، ودفعته بيدي ليدخل حانته ويغلق الباب حتى تصل السلطات.
بينما ركض مارك باتجاه أقرب كشك هاتف عمومي لطلب رجال الشرطة في "سكوتلاند يارد"، انحنيتُ أنا، جوني ماجواير، على ركبتي مجدداً فوق الرصيف المبتل. لم أكن مجرد صحفي مبتدئ يبحث عن سبق صحفي، بل كان شغفي بـ "علم الجريمة" يدفعني لاستغلال هذه الدقائق الثمينة قبل أن تصل أقدام رجال الشرطة الخشنة وتفسد مسرح الجريمة.
أخرجتُ منديلاً قماشياً نظيفاً من جيبي، وقربت المصباح اليدوي من يد الفتاة اليسرى التي كانت ممدودة على الأرض. هناك، بين أصابعها المتشنجة، كانت تقبض بقوة على شيء ما...
أزحتُ أصابعها بلطف مستخدماً المنديل، ليتلألأ تحت ضوء المصباح الخافت زر ذهبي مقطوع من معطف فاخر، نُقش عليه شعار عائلة أرستقراطية معروفة في لندن.
التقطتُ الزر بعناية ولففته في المنديل وأخفيته في جيبي تماماً مع سماع دوي صفارات إنذار عربات الشرطة وهي تقترب مسرعة عبر الضباب. لقد ترك "النبيل" الذي ذكره توماس خلفه دليلاً سيقوده إلى المشنقة، وتبدأ معه أولى قضاياي الحقيقية ،
مزقت صفارات الإنذار سكون الليل، وتوقفت عربتان للشرطة تتبعهما عربة الإسعاف أمام الحانة مباشرة. ترجل الضابط ببدلته الرسمية الصارمة وقبعته المميزة، ورافقته جلبة رجال الإسعاف وهم يحملون المحفة، وبجانبهم رجل يحمل حقيبة جلدية سوداء يبدو عليها الوقار والأهمية.
تقدم الضابط نحونا بخطوات واثقة، متخطياً حاجز الضباب والمطر، ونظر إليّ وإلى مارك بعينين تفحصان كل تفصيلة في محيانا، ثم قال بصوت أجش ونبرة هادئة وثاقبة:
— "مرحباً.. أنا المحقق شارلوك، ومعي من الطب الشرعي السيد ستيفن."
انحنى السيد ستيفن فوراً على ركبتيه بجانب جثة الفتاة، وفتح حقيبته ليبدأ فحص الجرح القابع في مؤخرة رأسها بمهنية برود الأطباء، بينما وقف المحقق شارلوك أمامي تماماً، والتقط دفتر ملاحظاته الصغير، ووجه نظراته الذكية نحو عينيّ قائلاً:
— "أنتما من أبلغتما عن الجريمة؟ أريد سماع كل شيء بالتفصيل.. من لحظة سماع الصرخة حتى وصولنا."
ثبّتُ قبعتي فوق رأسي لأحتمي من المطر، وشعرت بقلبي يدق بسرعة. كان عليّ أن أختار كلماتي بعناية فائقة كصحفي يمتلك حساً جنائياً؛ فالمحقق الذي يقف أمامي يحمل اسماً يهز أرجاء لندن، والزر الذهبي الأرستقراطي المخفي في جيب معطفي الداخلي يزن الآن أطناناً من الحيرة والمسؤولية.
تنحنحتُ وقلت بثبات:
— "مرحباً سيادة المحقق، أنا جوني ماجواير وهذا صديقي مارك.. كنا نحتسي الشاي في منزلي المجاور عندما..."
دارت مطابع "الجارديان" في تلك الليلة بقوة لم تشهدها لندن من قبل، وخرجت الصحف في الصباح تحمي العناوين الكبرى للبلاد لكنها تقص أجنحة الفساد بذكاء حاد. نُشرت القضية كضربة دولية ضد "شبكة تهريب المرفأ"، وجُرد اللورد برادفورد من نفوذه السياسي والتجاري بالكامل ووضع تحت الإقامة الجبرية بعيداً عن حبل المشنقة، ما أرضى باريس ولندن، وجعله جسداً بلا روح، مقصوص الجناحين، وعاجزاً عن الحركة للابد.بهذه التسوية الذكية التي قادها شارلوك من خلف الستار، ونفذتها أنا بحبر مطبعتي، أُغلقت قضية إليزابيث والمذكرات الجلدية إلى الأبد، وطُويت صفحة من أخطر صفحات الضباب اللندني ،وقفنا أنا وكيت ميدلتون أمام النافذة الكبيرة الممتدة من الأرض إلى السقف في مكتبي الجديد بصحيفة "الجارديان". كانت لندن بالأسفل تبدو وكأنها لعبة شطرنج عملاقة تحركها أصابعنا خلف الزجاج؛ فالمدينة التي كانت بالأمس تطاردني بأزقتها المعتمة وضبابها الخانق، باتت اليوم تنصت بوجل إلى صرير قلمي الأحمر قبل أن تطبع الصحف الوجبة السياسية اليومية للشعب البريطاني.لقد أثبتت الأيام أن النبالة لا تعني الانتحار في سبيل مبادئ مثالية لا تحمي أصحابها، بل تعني امت
ساد صمتٌ مفاجئ وثقيل في المكتب الفخم، وبدا وكأن الهواء قد تجمد بين جدرانه المحاطة بالكتب والصور الجنائية. تلاشت النبرة الاستعلائية من وجه رئيس القسم، السيد "فريدريك"، وضاقت عيناه خلف نظارته الطبية وهو ينظر إلى كيت ميدلتون التي كانت تقف بكامل نبالتها وسحرها الفرنسي البارد.ابتسمت كيت ابتسامة ساحرة، لكنها تحمل في طياتها دهاءً سياسياً يقطع كالسكين. خطت خطوة واثقة نحو مكتبه، وقالت بنبرة هادئة ورخيمة هزت أركان الغرفة:— "سيدي فريدريك.. نشكرك على هذا الترحيب الحار، ونشكرك أيضاً على السنوات الطويلة التي قضيتها في خدمة هذه الصحيفة وإدارتك لهذا القسم."قبل أن يستوعب فريدريك مغزى كلماتها، فتحت حقيبتها الجلدية الصغيرة واستلت منها ظرفاً رسمياً أنيقاً يحمل الأختام الخاصة بالإدارة العليا للجريدة، ووضعته بنعومة فوق مكتبه الخشبي وتابعت بقوة:— "ولكن.. التوازنات تتغير، والخطوط العريضة الجديدة تقتضي دماءً جديدة. هذا جواب مختوم وموقع من رئيس مجلس إدارة صحيفة الجارديان بنفسه، السيد فرانك ريبيري، يفيد بإعفائك من مهامك، وتعيين السيد جوني ماجواير رئيساً لقسم الجرائم والنشر بدلاً منك.. فوراً."شحب وجه فريدري
فوجدت في عينيها بريقاً يعرف جيداً كيف يخاطب الطموح الصحفي.العرض الذي همست به في أذني من صحيفة "الجارديان" لم يكن مجرد فخ، بل كان فرصة ذهبية ومغرية للغاية لصحفي جنائي مثلي يريد حفر اسمه بحروف من ذهب في تاريخ الصحافة البريطانية والعالمية. اقتربتْ مني مجدداً قبل أن تحتدم الأمور، ودعتني بنبرة خافتة وساحرة لعشاء عمل خاص في فندق فاخر يقع في شمال لندن، حيث الهدوء بعيداً عن صخب المباحث، وحيث تُطبخ الصفقات الكبرى خلف الأبواب المغلقة.أمام هذا التشابك الدبلوماسي والصحفي المعقد، وأمام غموض الظرف الملكي وتراجع توماس السكير عن شهادته، وجد وكيل النيابة نفسه في موقف لا يحسد عليه. ضرب بمطرقته الخشبية على الطاولة ليعلن قراره الحاسم:— "نظراً للتداخلات الجديدة في القضية، وحفاظاً على مسار التحقيق والأمن العام.. يُغلق المحضر الحالي، وتُؤجل القضية إلى جلسة أخرى لحين فحص المستندات والتحقق من الصفات الرسمية."تنفس اللورد برادفورد ومحاميه وايز مان الصعداء، وغادرا القاعة بوقار النبلاء المنتصرين مؤقتاً، بينما التفت إليّ المحقق شارلوك بنظرة صامتة، حادة ومحملة بالتحذير، وكأنه يقرأ ما يدور في عقلي.خرجتُ من قاعة
ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، وبدا وكأن الورقة الرسمية المختومة بأختام إيطالية قد هبطت كالمقصلة على عنق القضية. كانت ابتسامة اللورد برادفورد البلهاء قد اتسعت، وعيناه تلمعان بانتصار أرستقراطي بارد، بينما كان المحامي وايز مان يعتدل في وقفته بنبالة وثقة كمن يضع اللمسات الأخيرة على رقعة الشطرنج.نظرتُ إلى الورقة، ثم إلى شارلوك. كان المحقق العظيم يقف هادئاً، يداعب غليونه غير المشتعل بأصابعه الطويلة، وعيناه الصقريتان تدرسان الورقة الطبية المزعومة عن بُعد.التفتُّ أنا (جوني) نحو وكيل النيابة، وكسرتُ الصمت بنبرة هادئة، ذكية، وساخرة بعض الشيء، متماشياً مع دهاء الخصم:— "رحلة استشفاء في إيطاليا؟ يا لها من مصادفة جغرافية مذهلة يا سيدي اللورد! بالأمس فقط، في حانة توماس، كنت تتذوق النبيذ الإيطالي المعتق بمتعة لا تليق برجلٍ كان يصارع المرض قبل أسابيع. ولكن.. دعنا نتحدث بلغة القانون والأدلة المادية التي لا تكذب."خطوتُ خطوة نحو طاولة الأدلة، والتفتُّ إلى وكيل النيابة وتابعت بذكاء حاد:— "المحامي المحترم يطالب بخبير خطوط لتعطيل التحقيق، ويقدم ورقة تُثبت غياب جسد اللورد في إيطاليا. لكنه نسي أو تناسى أن الج