أشعر أن هناك نوعًا من التحرر في الطريقة التي يُعرض بها 'الشاذ' الآن، بعيدًا عن الصيحات القديمة. أصبحت السرديات أقرب إلى الحياة العادية؛ الحب، الرغبة، الفشل، والربط بين الهوية والذاكرة تُعامل الآن كأشياء طبيعية ضمن العالم الروائي. بعض الكتاب يستعملون الفكاهة والمبالغة الاحتفالية لكسر التابوهات، بينما آخرون يختارون الأسلوب الجاد جداً لعرض العنف الاجتماعي أو الانعزال.
أحيانًا ألاحظ ميلًا تجاريًا نحو الصور النمطية: الشخص الشاذ كمغامر، أو كضحية، أو كرمز تمردي فقط لشد انتباه القارئ. لكني أقدّر بقوة حين تكتب أصوات حقيقية من داخل التجربة، لأن ذلك يطفئ الرغبة في الإثارة الرخيصة ويجعل العمل أقرب إلى الحقيقة. في نهاية المطاف، ما يهمني كقارئ هو أن أرى تنوعًا حقيقيًا—قصصًا عن رتابة السعادة والبطء كما عن الأزمات الكبيرة—بحيث يصبح الشذوذ جزءًا من الطيف الإنساني لا أكثر ولا أقل.
Uma
2026-05-25 11:48:17
أرى أن الأدب المعاصر يتعامل مع مفهوم 'الشاذ' كلوحة متعددة الطبقات أكثر من كقوالب جاهزة؛ ذلك يجذبني لأن كتاب اليوم لا يكتفون بالتصنيف السطحي، بل يحاولون تفكيك الأسباب الاجتماعية والنفسية والتاريخية التي جعلت شخصية ما تُعتبر خارج المألوف. منذ الصفحات الأولى ألاحظ تحولاً مهمًا: لم يعد الكاتب يقدّم الشخصية الشاذة كمادة للاستهجان أو مجرد أداة درامية لإثارة الشفقة، بل كإنسان قائم بذاته، له روتينه، اهتماماته، وتشوشه الخاص. في نصوص مثل 'Orlando' و'Giovanni's Room' و'The Picture of Dorian Gray' كانت هناك خطوات سابقة نحو تحرير الصورة، لكن الأدب المعاصر ذهب أبعد من ذلك، محاولًا إبراز التفاصيل اليومية والحميمة لمن يعيشون خارج الحدود الاجتماعية المرسومة.
أؤمن أن الأساليب السردية لعبت دورًا كبيرًا في هذا التحول. كُتّاب اليوم يستخدمون السرد الأول والشهادات الداخلية، وتقنيات الوعي الانسيابي، وحتى السخرية والمفارقة لكي يجعلوا القارئ يعيش تجربة التعاطف بدلاً من مجرد مراقبتها من بعيد. في سياقنا العربي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا لأن الرقابة والوصمة تدفعان بعض المؤلفين إلى الترميز والاستعارات والأساطير، مما ينتج نصوصًا غنية بالقراءات لكنها متأرجحة بين الجرأة والاحتراس.
لا أخفي أن هناك أمورًا مزعجة؛ أحيانًا يجري تصوير الشذوذ على أنه عرض دائم للمعاناة أو كعامل جذب تسويقي، فتتحول الشخصيات إلى قوالب نمطية أو تُعرض لنهاية مأساوية لتسهيل قبول القارئ. كما أن تمثيل التنوع العرقي والاجتماعي والطبقي داخل صور الشخصيات الشاذة لا يزال يحتاج إلى تحسين، لأن الخبرة ليست موحدة. في المقابل، يسعدني رؤية أدب يكتب عن حب يومي عابر للجنس، عن علاقات روتينية، عن أشخاص يتعثرون ويستعيدون توازنهم بدون تحوير درامي مفرط. هذا النوع من السرد يمنح العالم الأدبي مصداقية ودفء، ويجعل قراءة هذه الشخصيات تجربة إنسانية قابلة للتعاطف والتفهم بصورة أعمق مما كانت عليه من قبل.
"انت فقط قاتل يا بلاك. قاتل." كانت هذه كلمات سيلين التي أطلقتها وعينيها تهطل منها الدموع.
لم أكن أفهم شيء وكيف اكتشفت الحقيقة. وقفت أمامي بقوة وعينها تخلو من الحب وهي تهتف: "ارفضك الفا بلاك. انا سيلين دايمون ارفضك كرفيقتك ولا اريد رؤسة وجهك مجددا."
**************
أنا ألفا بلاك القوي والاقوي، الصارم والملتزم كانت رفيقتي مراهقة صغيرة. نعم سيلين رفيقتي وقد علمت هذا من تسعة أشهر وحينا أخبرت والدها الفا دايمون من قطيع العواصف المتجددة كان مرحب وسعيد جدا. ولكن اخبرني بالجزء السيء في قصتي. سيلين صغيرة جدا. لم تبلغ السابعة عشر مقارنة بي انا من تجاوزت الثلاثين كان الأمر غريب قليلا. لم تكن الفجوة العمرية بيننا هي المشكلة فقط ولكن الاسوأ كان بعدما أخبرني بتمرد سيلين.
سيلين تكره القوانين والعادات بل ترفض رفضا مطلقا أن تكون مع رفيقها المختار من آلهة القمر. لاﻧها لا تؤمن بآلهة القمر وتريد اختيار شريك حياتها بنفسها.
لم يكن تمرد سيلين متوقف على قوانين القطيع ولكنها مشاكسة، مشاغبة، متحررة، لا يمكنها الخوف من شي، مدللة وتعيش في الترف. كل هذا يجعل أي ألفا ينوي الابتعاد. أريد لونا قوية للقطيع وشخصا ناضج يستطيع العيش في كل الأماكن وكل الأوقات ولكن سيلين لم تكن هكذا.
كنت أظن أنني أستطيع تقويم سلوكها ولكن لا يمكن هذا الأمر بسهولة. هي حاولت اكثر من مرة الهروب من الأكاديمية، الخداع واستخدام الحيل. بل انها جمعت زملائها وخرجت متسللة في حفلة لشرب الخمور. وقامت بتقبيلي أمام الجميع دون أن تخاف. كانت جريئة وحرة وهذا يجعلني أشعر ببعض اليأس في أنها من الممكن أن اقبل بها كـ رفيقتي.
بعد عام وشهور قليلة ستكون قادرة على التحول لذئبها وستعرف حقيقة كوني رفيقها وحتى تلك اللحظة اتمني أن استطيع فعل شي. ليس خوفا من أن ترفضني ولكن كي لا أرفضها. إن عجزت على جعلها شخص قوي فسأقوم برفضها في يوم تحولها وسيكون تخرجها من هنا وعودتها للقطيع.
بعد وفاة زوجي، أصبحت شهوة جسدي تزداد جموحًا وفجورًا.
كلما أرخى الليل سدوله وعم السكون، كنت أتوق بشدة لمن يستطيع أن يدكّ تاج الزهرة بلا رحمة.
فأنا في سنٍّ تفيض بالرغبة الجامحة، بالإضافة إلى معاناتي من الهوس الجسدي، وهو ما كان يعذبني في كل لحظة وحين.
لم يكن أمامي خيار سوى اللجوء لطبيب القرية لعلاج علة جسدي التي يخجل اللسان من ذكرها، لكنني لم أتوقع أبدًا أنه...
"لا تفعل بي هذا على الدراجة..."
كان زوجي يقود الدراجة النارية ونحن نعمل معًا في نقل الركاب، عندما أمسك راكب ذكر خلفنا بخصري ودفعه بداخلي ببطء، واغتصبني أمام زوجي مباشرة...
من أجل سعادتي وسعادة حبيبي، قررت الذهاب إلى مستشفى الأمل لعلاج التضيق الخلقي لدي.
لكن طبيبي المعالج كان شقيق حبيبي، والخطة العلاجية جعلتني أخجل وأشعر بخفقان القلب.
"خلال فترة العلاج، سيكون هناك الكثير من التواصل الجسدي الحميم، وهذا أمر لا مفر منه."
"مثل التقبيل واللمس، و..."
تروي فتاة تبلغ من العمر تسعة عشر عامًا: "كان الخنجر الضخم لوالدي بالتبني أفضل هدية بلوغٍ تلقيتها."
قال والدي بالتبني نادر الزياني: "يا ريم، لم يُرد والدك بالتبني إلا أن يفاجئكِ". ثم شرع يمزق تنورتي بعنف...
وُلدتُ امرأة باردة جنسيًا، وزوجي يكتم معاناته بصعوبة.
ولذلك عرّفني زوجي إلى طبيبٍ تقليدي مشهور بالعلاج…
لكن لم أتوقّع أبدًا أن تكون طريقة العلاج… هكذا…
أذكر دائماً أن الرموز تعمل كالرسائل المخفية بين السطور، وتصبح أدوات بديعة لدى الروائيين لتمرير ما لا يمكن قوله صراحة.
ألاحظ كثيراً أن السبب التاريخي وراء استخدام هذه العلامات يعود إلى الرقابة والخوف من الرفض الاجتماعي، فبدلاً من الافتتان الواضح أو الإعلان الصريح عن هوية أو رغبة "شاذة" يبتكر الكتاب رموزاً قابلة للتأويل: المرايا تعكس ازدواجية الهوية، الظلال والليل يرمزان إلى عالم مخفي، والحدائق المغلقة أو الغرف الضيقة تمثل حواجز اجتماعية وجنسية. الألوان تلعب دورها أيضاً؛ الأخضر التاريخي عند بعض الدوائر مرتبط بشبكة وُلدت حول أوسكار وايلد، والزهور مثل البنفسج والجوري تُستعمل كإشارات رقيقة.
أحببت دائماً تتبع هذه الإشارات في نصوص مثل 'The Picture of Dorian Gray' حيث تظهر الزينة والمظاهر كقناع للرغبات، وفي 'Orlando' تصبح تغيرات الفصول والملابس وسيلة لتمثيل سيولة الهوية، بينما تختزن الغرف والنوافذ في 'Giovanni's Room' إشارات إلى العزلة والبحث عن قبول. تتنوع الرموز بين حسیّة (رائحة العطر، ملمس القماش)، ومرئية (الملابس، المرايا)، ومكانية (الطرق الليلية، الغرف المغلقة)، وأحياناً تُستخدم الحيوانات (البجع، العصفور) كتشبيه للشخصية الغريبة أو الجميلة المتباينة.
المهم في النهاية أن أقرّ بأن قراءة هذه الرموز تتطلب حسّاً تشفيرياً: هل تتكرر تلك الصورة؟ هل تصاحب وصفاً عاطفياً غير مباشر؟ عندها تفتح النصوص أبوابها وتخبرك ما كانت تضمره بين السطور.
هناك سحر خاص يحدث عندما يظهر 'الشاذ' في رواية خيال علمي — كأن الكاتب يفتح نافذة على عالم ما وراء القواعد المألوفة. أجد نفسي متشبّثًا بهذه الشخصيات لأن الخيال العلمي بطبيعته يتساءل عن الممكنات: ماذا لو اختلفت القوانين الاجتماعية أو البيولوجية؟ وجود شخصية تتحدى القوالب النمطية في الهوية أو الجندر أو الرغبة يجعل هذا النوع الأدبي أرضًا خصبة لاستكشاف كيف تتغير العلاقات والمجتمعات عندما تُعاد كتابة قواعد الهوية. عندما قرأت شخصيات مثل تلك في 'The Left Hand of Darkness' أو في روايات معاصرة أكثر دفئًا مثل 'The Long Way to a Small Angry Planet' شعرت بأن القارئ مدعو ليتخيل مجتمعات لا تُقاس هويتها بمقاييسنا الحالية.
أكثر ما يجذبني أيضًا هو البعد الرمزي: الشذوذ غالبًا ما يُعالج في الخيال العلمي كأداة نقد اجتماعي. شخصية شاذّة تستطيع أن تُظهر القسوة أو القبول أو الصراع الداخلي في مجتمع مستقبلي بطريقة تجعل الرسالة أوضح وأعمق. كما أن الخيال العلمي يميل إلى كسر الحدود التقنية والجسمية، فيقدم مفاهيم مثل التحولات الجندرية البيوتكنولوجية أو الشبكات التي تغيّر التعبير الجنسي، وبالتالي تُتيح للكتّاب والأسئلة أن تكون مبتكرة ومباشرة في آن واحد. هذا النوع من السرد لا يكتفي بوصف اختلافٍ سطحي، بل يحفز تساؤلات فلسفية عن الذات والآخر والحرية.
لا يمكن إغفال الجانب الانفعالي والتمثيلي: كقارئ، أقدّر عندما أجد صوتًا أو تجربة تقربني من واقع لم يُعرض لي كثيرًا. الشذوذ في الأدب يوفر ذلك للشريحة الواسعة من القراء الذين يريدون تمثيلًا قريبًا من حياتهم، وللقرّاء الآخرين الذين يطلبون فهمًا أعمق. بالإضافة إلى أن وجود شخصيات غير نمطية يحرّك مجتمعات المعجبين: الشحنات، النقاشات، والكتابة الجماهيرية — كلها تعطي حياة أطول للأعمال. باختصار، الشذوذ في الخيال العلمي ليس مجرد إضافة لتنوع الطاقم؛ إنه أداة سردية قوية تسمح للمؤلفين بإعادة تخيّل العالم والمستقبل، وتدفع القراء ليعيدوا التفكير في ما يعتبرونه 'طبيعيًا'. هذا ما يجعلني أعود لقراءة مثل هذه الروايات مرارًا وتكرارًا، باحثًا عن قصص تُوسّع حدود الخيال وتُشعرني بأن المستقبل ممكن بأشكال أكثر إنسانية وتعقيدًا.
لاحظتُ في الروايات التي أقرأها أن الأفعال الشاذة تظهر غالبًا كأداة سحرية لصياغة الصوت والشخصية.
أول مكان تطرأ فيه على بالي هو الحوار: عندما يريد الكاتب أن يجعل خطاب شخصية معينة ملموسًا ومميزًا، يلجأ إلى تصاريف غير متوقعة أو إلى استعمال شكل فعل يخص لهجة محلية أو زمنًا مختلفًا. هذا يمنح القارئ إحساسًا بالواقعية وكأن الشخص يقف أمامك يتكلم بالفعل.
ثانيًا، تستخدم هذه الأفعال في المونولوج الداخلي أو السرد الباطني لإظهار صراع داخلي أو اهتزاز في الذاكرة — تحوّل الفعل بين صيغ متناقضة يمكن أن ينقل تشتتًا أو حنينًا أو حتى لَخبَطة زمنية. وفي النصوص التاريخية أو ذات الطابع الشعبي، تصبح الأفعال الشاذة وسيلة لبناء الجوّ ولتأكيد الانتماء الزمني أو الاجتماعي. في النهاية، يظل المفتاح هو الاتساق: استخدام الأفعال الشاذة يعمل إذا كانت تخدم الشخصية أو اللحظة السردية، وإلا فقد يشعر القارئ بالتشتت.
أشعر بالانبهار كلما فكرت في كيف يحول النقاد 'الشذّ' في الأدب من موضوع محظور إلى مرآة تعكس تحولات المجتمع نفسه.
أميل للقراءة النقدية التي ترى في تمثيلات الشذّ مسألة اجتماعية بحتة، أي أنها ليست مجرد ميل أو خطأ فردي بل نتاج بنى ثقافية وتاريخية وسياسية. عندما أقرأ مقالة نقدية تتناول مثلاً 'Giovanni's Room' أو 'Orlando' أستمتع برؤية كيف يستخدم النقاد أدوات مثل 'نظرية الكوير' أو أعمال ميشيل فوكو مثل 'History of Sexuality' ليفككوا طرق تقييد الهوية والتحكم فيها. بالنسبة لي ليس النقاش مجرد وصف للشخصيات عاطفيًا أو جنسيًا، بل تتشعب الأمور إلى قواعد قانونية، ووصمة، ومؤسسات دينية وتعليمية، حتى الاقتصاد يلعب دوره؛ لذلك رؤية النقاد تربط بين النص والواقع تجعل الأدب حيويًّا وقادرًا على تفسير أسباب وصدى الشذّ في المجتمع.
أحيانًا ألاحظ نقادًا مختلفين يتصارعون على الإطار: هل نعتبر الشذّ ظاهرة طبية ينبغي تحليلها من منظور علم النفس والتاريخ الطبي أم ظاهرة اجتماعية متجذرة في أدوات السلطة والهيمنة؟ أنا أميل للجانب الاجتماعي لأن هذه القراءات تُمكن من فهم كيف تتغير معايير القبول أو الرفض عبر الأزمنة والمناطق. قراءة نص عربي قد تُظهر لمحات مشفرة أو لغة استعارة، والنقاد هنا يعملون كأثرياء للنص ليكشفوا ما استُبعد أو طُمس. وفي الختام، أحس أن تناول النقاد للشذّ كظاهرة اجتماعية يعطينا مفاتيح لفهم التوتر بين الفرد والمجتمع، ويحول الأدب إلى مساحة للحوار والتغيير بدلًا من كونه مجرد مرآة لعادات قديمة.
كنت دائمًا مفتونًا بالطريقة التي يتلوّن بها الجسد والرغبة عبر نصوصنا القديمة، وكيف كانت اللغة قادرة على أن تحتضن أو تطمس أو تُشيطن ما يخرج عن المألوف.
في العصور الكلاسيكية، نجد أمثلة واضحة لحب بين الجنسين في الشعر، حيث كانت تفاصيل الإعجاب بالغلام أو الرفيق تُغنّى بصراحة أكبر مما نتوقع اليوم. شعراء مثل أبو نواس مثّلوا هذا الجانب بلا تبرير أخلاقي معقّد، بل كجزء من عالم الحس والمزاح والمديح. في تلك البيئة الأدبية كانت العلاقات والجسد موضوعين يُنظَران إليهما من منظورات أدبية واجتماعية تختلف من عصر إلى آخر؛ أحيانًا كانت الممارسات تُقَبَل في فضاءات المحافل الأدبية والمحاكمات الأدبية، وأحيانًا تُؤطّر ضمن قواعد صارمة. هذه التعددية في التصوير جعلت للمديح والهجاء دورًا كبيرًا في تحديد شكل التمثيل.
مع دخول العصر الحديث والانتقال إلى مجتمعات قومية حديثة، تغيرت لغة السرد. تأثير الاستعمار والسياسات القانونية الحديثة وتدخل الطب والجنس في أعراف المجتمعات أدّى إلى تحويل صورة 'الشاذ' من فعل يُروى أو يُعاش إلى قضية مُشخّصة أو مرفوضة أخلاقيًا أو طُبّعت كمرض. في الأدب الحديث، كثير من النصوص تناولت هذه الموضوعات عبر الرموز أو الحكايات الثانوية، أو قدّمت الشخصيات المثلية كضحية أو عنصر مأساوي، لأن الناشر والمجتمع لم يكونا يسمحان بمواجهات مباشرة. لذلك ظهر نوع من الكتابة السرّية: قصص قصيرة منشورة في الدوريات الصفراء، أعمال لم تُترجم، نصوص تظهر في الحفريات الأدبية للجيل الشاب.
اليوم أشعر بتفاؤل متحفظ: الإنترنت، الهجرات، وظهور كتابة هوية أكثر مباشرة ساهمت في تنويع الصورة. ظهرت روايات ومذكرات وحوارات فنية تضع الذات الجنسية في مركز السرد، لا كعبرة أخلاقية فحسب. لكن لا يزال الصدام قائمًا مع القوانين والاجتهادات الدينية والوصمة الاجتماعية، فما زال العديد من الكُتّاب يختارون الحكي المشفّر أو النشر في الخارج. بالنسبة لي، أهم ما في تطور هذه الصورة أن الأدب صار يقدّم مساحات لفهم معقّم إنساني للرغبات والهويات، ويكسر الصورة الأحادية لصِفة 'الشذوذ' إلى سرديات إنسانية متعددة الأوجه.
أحياناً أجد نفسي أفتح 'قواعدي' وكأني أفتح صندوق أدوات مصغر لتفكيك الأفعال الشاذة، ولأكون صريحاً الكتاب يفهم المشكلة من جذورها.
أول ما أحبّه في عرضه هو تقسيمه المنطقي: يبدأ بأنواع الشذوذ (مثل الأفعال المعتلة بأنواعها: الأفعال الضعيفة، والمقصورة، والمقصورة المكسورة) ثم ينتقل إلى أمثلة ملموسة لكل نوع مع جدول تصريف يغطي الأزمنة الأساسية، وهذا يجعل متابعة النمط أسهل من مجرد حفظ عشوائي. الأسئلة التطبيقية في نهاية كل قسم مدروسة وتسمح بتثبيت الفكرة.
مع ذلك، لم يعجبني أنّ بعض الشروحات تفترض خلفية بسيطة في المصطلحات النحوية؛ فلو كان القارئ مبتدئاً جداً قد يحتاج إلى تبسيط أكثر أو أمثلة صوتية. لكن بشكل عام، أظن أنّ 'قواعدي' واضح ومفيد إذا أعطيته وقتاً للتكرار والممارسة، وهو كتاب أعود إليه عندما أواجه شذوذاً لغوياً معقداً.
أجد نفسي مشدودًا إلى النصوص التي تكسر القاعدة وتعرض الشاذ كعنصر حيّ في البناء السردي، لا كمجرد تلميح خارجي. في الأدب القصصي المعاصر يظهر الشاذ بأشكال متعددة: في الشخصيات التي ترفض القوالب الاجتماعية، في علاقات لا تتبع الأطر التقليدية، وفي حكايات تختار أن تراوغ اللغة لتكشف عن تجارب هامشية. أحيانًا يكون الشاذ موضوعًا مباشراً—هوية جنسية، ميل روماني، اضطراب نفسي—وأحيانًا يظهر كنهج في السرد نفسه، مثل سردٍ متقطع، رواة غير موثوقين، أو توظيفات زمنية تقطع الانسجام الزمني المتوقع.
أحب كيف أن بعض الكتّاب يعيدون تعريف «الطبيعي» من خلال الأماكن الصغيرة: شقق ضيقة، أحياء هامشية، غرف انتظار، أو حتى غرف دردشة رقمية. هذه الخلفيات تمنح الشخصيات الشاذة حيزًا إنسانيًا واقعيًا، وتوضع المواضيع تحت مجهر الحميمية اليومية بدل أن تُعرض كقضايا فقط. وفي الزوايا الأخرى، نجد الخيال العلمي والغرائبية يستغلان الشذوذ ليعيدا طرح الأسئلة الكبرى عن الهوية والسلطة والاختلاف، ما يجعل القارئ يعيد النظر في محاور التسامح والرفض.
لا يمكن تجاهل دور النشر المستقلة والمنصات الرقمية في نشر أصوات شاذة أو غير معيارية؛ فهي تمنح مساحة للتجارب القصصية الجريئة التي قد لا تجد مكانها في السرد السائد. ومع ذلك يبقى هناك صدام مع الرقابة والتسويق الذي يريد ترويجه كـ'غلاطة تجارية' بدل أن يقيمه عملًا فنيًا مستقلًا. بالنسبة لي، أكثر ما يهم هو كيف يُعامل النص الطرف الشاذ: هل يُنحاز إليه بعين إنسانية معقدة أم يُستخدم كأداة درامية رخيصة؟ عندما يُعطى الشاذ عمقًا ووجودًا حسيًا، يصبح الأدب أكثر ثراءً وأقدر على ضرب مشاعر القارئ وإعادة تشكيل نظرته للعالم.