5 답변
ألتقط من أبيات الأخطل روحًا تجعل المديح أكثر احترافًا، وهذا بدوره أثر بشكل واضح في أدب النظم خلال العصر الأموي. ما أدهشني هو كيفية ضبطه للتوازن بين الفخر واللياقة، بحيث تبدو القصائد مناسبة لبيئات البلاط دون أن تفقد شحنة الانتماء القَبَلي.
هذا النوع من التحرّك داخل النص —بين المدح والتحفظ السياسي— سهّل على الشعراء بعده تطوير نماذج نظمية يمكن تقديمها في المناسبات الرسمية، وعليه أعتبر أثره موجَّهاً عمليًا أكثر من كونه نظرية شعرية جديدة.
ناقشت مع أصدقاء أثر الأخطل على نظم الشعر الأموي وخرجت بإحساس أن تأثيره عملي وفني معاً. لم يغيّر الأخطل الوزن أو بحور الشعر، لكنه أثّر في نبرة المديح وما يرافقه من تفاصيل إطرائية تتماشى مع طقوس البلاط الأموي. هذا التأقلم مع المتلقي من أصحاب السلطة جعل قصائده مرجعًا لمن يريد كتابة مدائح رسمية أو رسائل شعرية لها طابع بروتوكولي.
أرى كذلك أن لغته الرصينة وأسلوبه الهادئ في المديح أعطيا مثالًا يُحتذى به، بينما لم تكن كل الطبقات الشعرية تتأثر به بنفس القدر؛ فالشعر الشعبي البسيط ظل أقرب إلى التلقائية من صقلية أخطل. بالأحرى، أثره محدود بنطاق النخبة لكنه عميق ضمن هذا النطاق، ومن هنا تأتي أهميته في قراءة تاريخ نظم العصر الأموي.
الأدلة التاريخية والأدبية تميل إلى إظهاري أن تأثير الأخطل امتد عبر محورين رئيسيين: الأول تقني يتعلق بصياغة المديح والهجاء ضمن أطر محكمة، والثاني اجتماعي يتعلق بدور الشاعر كوسيط بين الحاكم والجماعة. أجد في نصوصه مراعاة دقيقة للصور البلاغية واختيار المفردات التي تعزز مركز المتلقي، وهو ما ساهم في بلورة نوع من «النظم الرسمي» شعرًا.
بالنظر إلى المنافسات الشعرية المعروفة، لاحظت أن الأخطل استعمل الأسلوب الحُسن في الردود، ما دفع زملاءه إلى تحسين تكتيكاتهم اللفظية، وبالتالي نشأت معايير مقبولة للمدح والذم. لذلك أرى أن تأثيره كان عمليًا: لا ثورة في الشكل ولكن تشييد وتعديل في وظائف النص النثري الشعري داخل المجتمع الأموي.
صوت الأخطل ظل يتردد في ذهني كلما غصت في شعر العصر الأموي، وأجد أن أثره على أدب النظم هناك واضح لكن مركب.
ألاحظ أنه لم يغيّر قواعد القصيدة الكلاسيكية من أساسها، لكنه صنّع نمطًا للمديح السياسي والقبلي بوضوح: لغة أنيقة، تشبيهات متجددة، وحرص على التوازن بين الفخر والدبلوماسية. كثير من قصائده صيغت لتُقرأ في حلقات البلاط، ولذلك أحس أنها سوت طريقًا لصياغة نظمٍ أكثر صقلاً، حيث لا يكتفي الشاعر بالهجاء المباشر بل يسوّق المدح كأداة تأثير.
كما أن منافساته مع جرير والفرزدق غذّت بيئة فنية دفعت الشعراء لتطوير أساليب الرد والرد المضاد، فانشطرت قواعد النظم بين هجاء ومديح بمقاييس تقارب مسرحًا لغويًا. بالنسبة إليّ، الأخطل كان حضوره عمليًا في صناعة النمط الأموي أكثر من كونه مبتكرًا لنحوٍ جديد في الشعر، وأثره يشعر به أكثر في طبائع النصوص المحفوظة من ذاك العصر.
بيت أو بيتان من الأخطل أحيانًا يكفيان لأرى بصمته على قواعد النظم عند الشعراء الأمويين؛ ليس بتغيير الأوزان ولا البنية الكلاسيكية، بل في ضبط الخيارات البلاغية والمواضيع التي تُقبل في المدار السياسي. أسلوبه يعطي شعورًا بأن النظم يمكن أن يكون أداة بروتوكولية، فالمديح يصبح تقنية لا مجرد انفعال.
أحب كيف أن هذه التقنية لم تقضِ على عفوية الشعر الشعبي، بل نشأت معها طبقة شعرية راقية خاصة بالديوان والحفل، وهذا التمايز هو الذي يجعلني أقر بأثر الأخطل: محدد ومركّز، لكنه ذو نتائج واضحة على أدب النظم الأموي.