أجد نفسي دائمًا مفتونًا بكيفية تحول اسم واحد إلى عالم كامل من الأساطير والكتب المحرَّمة، و'العزيف' هنا يلعب دور البذرة التي أنبتت ما صار يُعرف في الأدب الحديث باسم 'Necronomicon'. في قصص هوارد فيليبس لافكرافت، 'العزيف' هو الاسم العربي الافتراضي لكتاب غامض كتبه 'عبد الحَزْرَد'، ولفظ 'العزيف' يدل على أصوات
الليل الموحشة وليس مجرد كلمة أجنبية متنقلة. لافكرافت عرّض الكتاب كأصل أسطوري داخل
ميثولوجيا كونيته، وهو ما أعطى لاحقًا للكتاب هالة من الوهم الواقعي لدى القراء والكتاب الآخرين.
عندما انتقل ذلك الأصل إلى الأدب الحديث، لم يظل 'العزيف' وحده؛ تحوَّل إلى سلسلة من الترجمات، والاسم اللاتيني 'Necronomicon' أصبح الأكثر تداولًا بين الكتاب الغربيين. بعض المؤلفين حافظوا على بُعده ال
خيالي كأداة سردية—مكتوب عن قِبَل شخصيات وهمية، ذُكر كمرجع مريع—فيما آخرون حاولوا جعله «حقيقيًا» عبر نشر نسخ أو إعادة تفسيره في سياقات واقعية (أشهرها على سبيل المثال محاولات نشرت تحت اسم 'The Necronomicon' في السبعينيات). النتيجة أن هناك طبقات متعددة: الأصل الخيالي لافكرافي، و
ثقافة الحكايات الشعبية حول كتاب ممنوع، ومجموعة من النسخ أو المزاعم التي أضافت أسماء ومصادر غير لافكرافية.
لا يمكنني القول إن 'العزيف' يمثّل بالضبط نسخة 'Necronomicon' في كل أشكال الأدب الحديث؛ إنه بالأحرى أصلٌ أدبي وفكري. كثير من الكُتّاب استعملوا اسم 'Necronomicon' باعتباره رمزًا لخطاب الأهوال والمخاطر المعرفية، مع كل واحد يضيف لمسته: أحدهم يقدمه كسجل
علمي عن كيانات قديمة، وآخر يقدمه كمخطوطة طقسية، وثالث يجعله مجرد خدعة أدبية لتعميق الغموض. كذلك توجد مسألة الحساسية ال
ثقافية: لافكرافت صنع اسمًا عربيًا خياليًا، وما تبع ذلك من إعادة استخدام جذور و
مصطلحات ثقافية أحيانًا بدون سياق تاريخي صحيح. هذا يجعل الكثير من الإصدارات
الحديثة بعيدة عن «العزيف» الأصلي الذي وصفه لافكرافت، بل هي استنساخات
متحررة أو حتى تحريفات.
في خلاصة مطوّلة: أعتبر 'العزيف' الأساس الأدبي والرمز الأول، لكنه ليس «نسخة» وحيدة أو حصرية لـ'Necronomicon' في الأدب الحديث؛ الأفضل أن نراه كنواة أسطورية تفرّعت إلى نسخ متعددة، بعضها ذو طابع سردي بحت وبعضها حاول أن يصبح وثيقة حقيقية في ثقافة
الهواية. بالنسبة لي، هذا التنوع جزء من متعة متابعة الأساطير الأدبية—لكن أفضّل دائمًا الرجوع إلى نصوص لافكرافت كمرجع لفهم الروح الأولى لهذا الكتاب الملعون.