أعتقد أن النهاية في 'أنا والمجنون' تومض أ
كثر مما تضيء، وهذا بالضبط ما يجعلها محببة وغريبة في نفس الوقت. الرواية تستخدم لعبة الهوية كخيط درامي مستمر، لكنها لا تقدم صدمة كشفٍ مفاجئ بالطريقة التقليدية؛ بدلاً من ذلك تمنح القارئ لحظات من الوضوح المتقطّع وتلميحات متداخلة تُعيد تشكيل فهمنا للشخصيات تدريجياً. ستجد أن الكاتب يعتمد على السرد غير الموثوق والتناوب بين وجهات نظر متعددة ليبقيك متحسّساً؛ لذلك ما يعتبره بعض القراء «كشفة» نهائية يراه آخرون مجرد قطعة إضافية في فسيفساء أكبر من العلامات والدوافع.
في الأماكن التي تتوقع فيها إجابة محددة عن «من هو»، تتعامل الرواية مع الهوية كظاهرة سائلة: الهوية ليست رقماً أو بطاقة، بل سلسلة من الأعمال والذكريات والتناقضات. لذلك إذا كنت تبحث عن اسمٍ واضح يُلقى على الطاولة في الصفحة الأخيرة ليغلق كل الأسئلة، فربما تشعر بخيبة أمل خفيفة. أما إن كنت تريد أن تعرف إن كانت علاقتك بالشخصيات قد تغيّرت بعدما قرأت النهاية، فالإجابة غالباً نعم — لأن الرواية تكشف عن طبقات داخلية وقرائن سلوكية تسمح لك بإعادة تفسير كل ما حدث قبلها. هذه الرؤى تعمل كـ»كشف معنوي» أكثر منها كشف حقائق جافة.
ال
أسلوب السردي يلعب دوراً حاسماً هنا: السارد قد يكون مزيف الذاكرة، أو متعمّد
النسيان، أو مُنقلباً على نفسه في لحظات
الغضب والحنين. التلميحات الصغيرة — مثل تكرار صورة أو عبارة، أو إشارة إلى حادث ماضي موارب — تتجمع في النهاية لتخلق إحساساً متزايداً باليقين النسبي، لكن ليس اليقين الكامل. شخصياً أستمتع بهذا النوع من النهايات لأنها تجبرني على العودة إلى الصفحات السابقة، وإعادة قراءة الحوارات والنصوص والهوامش لأبحث عن علاماتٍ فاتتني أول مرة. إنها نهاية تشعرني وكأنني شريك في الكشف، وليس مُستقبَل له بشكل سلبي.
أخيراً، هل تكشف الرواية سر الهوية في نهايتها؟ الإجابة تعتمد على تعريفك لـ«الكشف». إن كنت تريده كشفاً قطعيًا ومحدداً، فالأرجح أنه ليس كذلك؛ الرواية تفضل البقاء في منطقة الظلال حيث يتشكل المعنى من التأويل. أما إن اعتبرته كشفاً داخلياً أو رمزياً، فبالتأكيد تمنحك نهايةً
غنية ومكثفة تملأ فراغات الرواية بمعانٍ جديدة. لهذا السبب أجد 'أنا والمجنون' عملًا مسليًا ومحفزًا للتفكير: تترك أثراً طويلاً بعد القراءة وتُبقي أسئلة الهوية في ذهني حتى بعد غلق الصفحة الأخيرة.