هناك شيء في
سرد شخصية البطل في 'أنا والمجنون' يجعلني أتردد بين التعاطف والريبة؛ التناقض لا يبدو عيبًا، بل أداة سردية متقنة.
أشعر أن الكاتب عمد إلى استخدام راوٍ غير موثوق ليجعلنا نعيش حالة التمزق بدلاً من مجرد قراءتها. سلوكه قد يكون واضحًا على السطح: أفعال متنافرة، قرارات تبدو متسرعة أو متناقضة، ووعود ينسفها تصرفاته. لكن داخليًا هناك صوت آخر—خاطرات، تبريرات داخلية، ذكريات تومض بلا ترتيب—وهذا
الصراع الداخلي يخلق تأثيرًا مزدوجًا: نحن نتابع البطل كشخص في
الواقع ونستمع إلى عقل يعيد
كتابة قصة نفسه. عندما يرتبط هذا الأسلوب بسرد متقطع زمنيًا أو أحلام تُعرض كذاكرة، يتكاثر الإحساس بالتشتت وتصبح الشخصية متضاربة بطبيعة السرد نفسه.
على مستوى نفسي، أرى أن التباين يعود أيضًا إلى طبقات جرح قديمة: خيبات، خوف من
الرفض، رغبة في
السيطرة تقود لسلوك متقلب. تلك الطبقات تجعل البطل يتصرف كأنه على متن قارب يهتز بين محطات واضحة—محطات
الهدوء والأمان—ومحيطات من الذكريات والاندفاعات. المجنون هنا قد يكون صفة حقيقية أو استعارة لحالة ليس لها اسم، والاختلاف بين ما يقوله وما يفعله هو نتيجة آليات دفاعية مثل التبرير والنكران. كما يلعب السياق الاجتماعي والإطار الأخلاقي
المحيط به دورًا: أحيانًا تضطر الشخصية للعزف على أوتار متضادة لتتناسب مع توقعات المحيط ثم تنهار حين لا تعد قادرة على الاستمرار.
أخيرًا، هذا التضاد يجعل القصة أكثر إنسانية بالنسبة لي؛ فالناس بطبيعتهم مشوهون بالتناقضات. البطل هنا ليس مجرد
تجسيد لشر أو خير، بل مرآة لعواطف معقدة تختلط فيها الشجاعة بال
هروب، الحب بالإيذاء، الواقعية بالهلوسة. القراءة تصبح رحلة لتجميع قطع فسيفساء شخصية قابلة للتأويل، وهذا ما يبقيني متشوقًا لمعرفة أي جزء حقيقي وأي جزء مزيف، ولأي حد يُمكن لنا أن نحكم على إنسانٍ يبدو أنه يتصارع مع نفسه قبل أن يتصارع مع العالم.