لطالما شغفت بعالم الروايات المثيرة، وخصوصاً تلك التي تتناول انتحال الهوية في سياق عربي حديث. مؤخراً، صادفت رواية 'لعبة الهوية' للكاتبة السعودية ندى الحربي، وهي تدور حول شابة تضطر لتبدو كشخصية سيدة أعمال ناجحة لتجنب مضايقات عائلتها بعد وفاة والدها. أعجبتني جرأة الكاتبة في استعراض تناقضات المجتمع الخليجي بين التقاليد والحداثة، حيث تبتكر بطلتها حياة افتراضية كاملة على منصات التواصل، لتكتشف أن الانتحال ليس مجرد تمويه بل سجن ذهني. ما أثارني أكثر هو كيف تمكنت الحربي من رسم مشاعر البطلة المزدوجة بين الخوف والحرية، مع لمسات كوميدية سوداء جعلتني أضحك وأتأمل في آنٍ واحد. هناك أيضاً رواية 'قناع الغبار' لمحمد البساطي على الرغم من أنها قصيرة، لكنها تمثل انعكاساً عميقاً للهوية في مجتمع يضيق بالأفراد المختلفين.
أما عن رواية 'السراب العالق' لسحر المنجد، فهي تقدم وجهة نظر مختلفة تماماً. تحكي القصة عن طالب جامعي يقرر انتحال صديقه المقتول بعد حادث مأساوي، ليكتشف أن الهوية المسروقة تحمل أسراراً أخطر مما تصور. أحببت كيف مزجت الكاتبة بين الواقعية السحرية والدراما النفسية، حيث تتحول الرواية إلى رحلة داخل عقل محطم يحاول إعادة بناء نفسه في جسد حياة غيره. ما جعلني أقرأها بنهم هو الحوار الداخلي للبطل الذي يتساءل: 'هل أنا من أتظاهر أم أنا من اختفى خلف القناع؟' هذه التساؤلات الفلسفية حول الذات والوجود تلامس جوهر ما يعنيه أن تكون إنساناً في زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الخيال.
أذكر أنني وأنا في المرحلة الثانوية، وقعت في غرام رواية 'الأمير المختفي' التي تدور حول شاب يخفي هويته ليكتشف أسرار عائلته. الحبكة لا تعتمد فقط على التشويق، بل تمزج بين الخيانة والولع العائلي، حيث يتحول بطل الرواية من شخص عادي إلى قائد ثوري متخفٍ. أكثر ما شدني هو الطريقة التي كُتب بها الحوار، فكل كلمة تحمل وزنًا دراميًا، خاصة في المشاهد التي يكاد فيها بطله يفضح أمره.
لاحقًا، قرأت 'ظل الريح' لكارلوس زافون، وهي ليست مجرد رواية انتحال هوية، بل هي قصة عن كتاب غامض يطارد شخصياتها. بطلها دانييل يخفي هويته كباحث عن الحقيقة، والأجواء القوطية لبرشلونة جعلتني أشعر وكأني أتجول في تلك الشوارع المظلمة. النهاية تركتني في حالة من الذهول لأيام، فهي من تلك القصص التي تظل عالقة في الذاكرة بفضل تطورها المذهل.
أتابع الكثير من الأعمال الصينية المترجمة، وهذه الرواية بالتحديد جذبتني بفكرتها: شخص يسرق هوية آخر ويعيش حياته، لكن سرعان ما تتشابك الأحداث وتظهر أسرار مظلمة. ما أدهشني هو أن القصة ليست مجرد خداع بسيط، بل تتعمق في سؤال 'من نكون حقًا عندما نخلع أقنعتنا؟' الأجواء كانت متوترة ونفسية، وكلما تقدمت في القراءة، شعرت وكأني أسير في متاهة.
رأيت بعض النقاشات حول ما إذا كانت الرواية أصلية أم مقتبسة من عمل آخر. من متابعتي للأعمال الصينية الجديدة، أعتقد أن 'انتحال هوية' تحمل بصمة واضحة لكاتبها من حيث تطور الشخصيات والحبكة المعقدة. لكن في نفس الوقت، هناك تشابه مع بعض قصص الأنمي التي تتناول 'الانتحال' مثل 'Monster' أو بعض أعمال الجريمة الغربية. على أي حال، الرواية تستحق القراءة لأنها تتركك تتساءل: هل الهوية مجرد قناع نرتديه؟
أعشق كيف أن روايات انتحال الهوية تلعب بعقولنا كقراء، خاصة في سلسلة مثل 'أكون أو لا أكون' حيث البطل يسرق حياة شخص آخر ويجد نفسه عالقاً بين شخصيته الحقيقية والقناع الذي يرتديه.
أشعر أن الصراع النفسي يظهر بوضوح عندما يبدأ بطل القصة يتساءل: 'من أنا حقاً؟' هذا السؤال يتردد في ذهني وأنا أتابع تطوره، خصوصاً عندما يضطر لمواجهة ذكريات الشخص الذي انتحل هويته. في أحد الفصول، كان البطل يبكي أمام المرآة لأنه لم يعد يتذكر كيف كان وجهه الأصلي – هذا المشهد جعلني أفكر في هويتي أنا أيضاً. أعتقد أن هذه الروايات ليست مجرد خيال، بل مرآة تعكس خوفنا من فقدان الذات في عالم يضغط علينا لنكون شخصاً آخر.
ما أدهشني حقاً هو قدرتها على تصوير الانقسام الداخلي، حيث يتحول الخداع الخارجي إلى حرب داخلية شرسة بين الرغبة في البقاء والأخلاق الشخصية. إنها تذكرني دائماً بأن الهوية ليست شيئاً نرتديه، بل هي شيء نبنيه كل يوم.